غزل ورقيّة — حكاية من الزمن القبيح
في موسم الحج، حين كانت شاشات التلفاز تمتلئ بصور الحجاج وهم يرمون الجمرات، وقف الشيخ العجوز “سلمان” وسط زقاق ضيق في بغداد وقال بحسرة:
“الناس تروح ترجم الشيطان هناك… بس الشياطين الحقيقية ظلّت هنا.”
ضحك الرجال الجالسون بالمقهى بمرارة، لأن الجميع يعرف أن الشيطان لم يعد مخلوقًا خفيًا بقرنين وذيل، بل صار يرتدي بدلة رسمية أحيانًا، أو عباءة دين، أو حتى وجه قريبٍ من العائلة.
كان العراق في تلك السنوات يشبه بيتًا قديمًا تُرك بابه مفتوحًا لكل الذئاب.
بعد دخول العراق الكويت وفرض الحصار واندلاع حرب عاصفة الصحراء، تلتها عذابات العصابة الحاكمة، ثم جاءت الضربة القاضية (حرب السقوط 2003)، تغيّرت الوجوه، تغيّرت القلوب، تغَّير كُل شيء، وصار الخوف يسكن داخل البيوت بدل الشوارع. وقصص الرعب أكثر من أن تحصى...
في حيٍّ فقير، كانت تعيش الطفلتان: غزل ورقيّة.
طفلتان تلعبان بالطين، تحلمان بدراجة هوائية، وبعيدٍ لا يوجد فيه صراخ ولا فقر.
غزل كانت تؤمن أن خالها رجل طيب.
كان يشتري لها الحلوى أحيانًا، ويضحك بوجهها.
أما رقيّة، فكانت تخاف من نظرات الكبار دون أن تعرف السبب.
لكن في ذلك الزمن، لم يعد الوحش يأتي من الغابة…
بل من داخل العائلة نفسها.
كانت أمّ غزل غارقة بالفقر والخذلان، وأمّ رقيّة غارقة بعلاقات مظلمة وأنانية عمياء.
وفي ليلة خانقة، اجتمع ثلاثة رجال داخل مقهى شعبي، يتبادلون الضحكات والسجائر، بينما الشيطان يجلس بينهم كصديق قديم.
اتفقوا على جريمة.
ليس لأنهم جائعون…
بل لأن أرواحهم ماتت منذ زمن.
اتصل الخال بأختهِ وقال بخبث:
“نسيت أعطي غزل فلوس… خليها تطلع تشتري.”
خرجت غزل مع رقيّة، تظنان أنهما ذاهبتان لشراء الحلوى.
كانت السماء تميل للغروب، والشارع خاليًا إلا من كلابٍ تنبش القمامة.
ثم اختفتا.
في مكان مهجور خارج المدينة، سقط آخر قناع للإنسان.
تحوّل الرجال إلى وحوش، بلا رحمة، بلا شرف، بلا خوف من الله.
صرخت غزل كثيرًا…
لكن العراق في زمن السقوط لم يعد يسمع صراخ الأطفال.
وحين انتهوا من جريمتهم، حاولوا دفن الحقيقة مع الجسد الصغير.
أما رقيّة، فقد تُركت حيّة، لا رحمةً بها… بل لتعيش عمرًا كاملًا داخل سجن الرعب.
عادت الطفلة وهي لا تتكلم.
عينان فارغتان، وصوت مات قبل أن يخرج.
قال الأطباء إنها “صدمة”.
لكن الحقيقة كانت أكبر من كلمة.
كانت روحًا مكسورة رأت الوجه الحقيقي للعالم.
وفي اليوم التالي، امتلأت مواقع التواصل بالغضب.
الناس تلعن المجرمين، تشتم الزمن، تبكي على العراق.
لكن الشيخ سلمان عاد للمقهى وقال بصوت مرتجف:
“المشكلة مو بجريمة وحدة… المشكلة إن الناس تعودت.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“زمان، الأب كان أمان… الخال ستر… الجار سند…
اليوم صار الطفل يخاف من أقرب الناس إله.”
رفع رأسه نحو السماء، حيث كانت طائرة تقلّ الحجاج تعبر بعيدًا، وقال:
“مو كل من رمى حجر على الجمرات صار طاهر… بعضهم ترك شياطينه تأكل الوطن وترجعله بعد الحج.”
في تلك الليلة، حلمت رقيّة بحقلٍ واسع، تركض فيه غزل وهي تضحك.
كانت ترتدي فستانًا أبيض وتحمل بيدها وردة.
سألتها رقيّة:
“ليش تركتيني وحدي؟”
ابتسمت غزل بحزن وقالت:
“حتى تكبرين وتحجين… لأن السكوت خلّى الوحوش تكبر.”
استيقظت رقيّة تبكي.
أما بغداد…
فبقيت مستيقظة هي الأخرى، تعدّ ضحاياها بصمت، وتنتظر يومًا يعود فيه الإنسان إنسانًا من جديد.

مشاركة منتدى
١٢ حزيران (يونيو), ٠٦:٢٨, بقلم محمود سلامه الهايشه
عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة "غزل ورقيّة - حكاية من الزمن القبيح"
حين يتحوّل القرب إلى هاوية: قراءة نقدية في قصة "غزل ورقيّة - حكاية من الزمن القبيح"
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تُصنّف قصة "غزل ورقيّة- حكاية من الزمن القبيح" للكاتب حيدر حسين سويري ضمن الأدب الذي يتناول واقع العنف بشكلٍ مباشر. لا يقتصر العمل على سرد حادثة عنف فحسب، بل يسعى إلى الغوص عميقًا في الأسباب الكامنة وراء وقوع مثل هذه الأعمال. إنها قصة قصيرة، لكنها في الوقت نفسه بالغة الدلالة، حيث تتحول حكاية الفتاتين الصغيرتين تدريجيًا إلى رثاءٍ لبلدٍ أنهكته الحروب والإخفاقات إلى درجةٍ بات فيها الخوف ضيفًا في البيوت، بينما يتربص الخطر من الأماكن الآمنة.
منذ بداية القصة، يُقدّم الكاتب مفارقةً قويةً من خلال المعنى الرمزي. فبينما ينشغل الحجاج برجم أعدائهم (الشياطين) في هذه الشعيرة، يقول الشيخ سلمان: "الناس تروح ترجم الشيطان هناك... بس الشياطين الحقيقية ظل هنا". هذه الجملة ليست مجرد عنصر سردي، بل هي مفتاحٌ لفهم العمل بأكمله. إن الشيطان المذكور في النص ليس مخلوقًا أسطوريًا ولا وحشًا خارقًا للطبيعة، بل يرمز إلى الجانب المظلم في الإنسان - الفساد والانحلال والخيانة التي تتجلى أمام أعين الناس. في الواقع، تنجح القصة في ربط المأساة الفردية بالصورة الأكبر من خلال ربط الجريمة بتاريخ العنف والتحولات في العراق، من الحرب إلى العقوبات، وصولًا إلى الانهيارات السياسية والاجتماعية اللاحقة. في هذه الحالة، يلعب الزمن نفسه دورًا كقوة خفية تحدد مصير الناس.
من الناحية الفنية، يستخدم الكاتب أسلوب التدرج الأدبي. تبدأ القصة بأحداث عادية، كفتاة صغيرة تتمنى لعبة صغيرة وعطلات خالية من الفقر والألم. إلا أن الجو يسوده الكآبة تدريجيًا من خلال تلميحات إلى نظرات عدم الثقة من الكبار وهشاشة المحيط، مما يمهد الطريق للأحداث المأساوية الحاسمة. ونتيجة لذلك، يُحدث استخدام هذا الأسلوب الأدبي أثرًا بالغًا على القارئ، إذ يصبح الأمر أكثر صدمة بعد البداية البريئة.
من أبرز سمات هذا النص استخدامه للتناقضات، كالتناقض بين البراءة والوحشية. فـ "غزَل" و "رقية" طفلتان بريئتان، أما من اختطفوهما واغتصبوهما فقد جسّدوا قمة الانحطاط البشري. وبدلًا من سرد الحادثة كجريمة فحسب، يتجاوز الكاتب ذلك بتسليط الضوء على انهيار القيم التي من المفترض أن تضمن سلامة الطفلة. فالخال، الذي يُفترض أن يكون مصدر حمايتها، يتحول إلى أداة خيانة، والعائلة، التي يُفترض أن تكون حامية لها، تصبح وسيلة لإيذائها.
لغة النص بسيطة وواضحة، لكنها لا تخلو من الرمزية. فالكاتب لا يُسهب في الزخرفة، ويستخدم لغةً واضحةً وموجزةً، تتناغم مع جوهر النص. علاوة على ذلك، فإن وجود الشيخ سلمان كشاهد عيان يضفي على النص طابعًا تأمليًا وفلسفيًا. إنه لا يتحدث فقط عن الجريمة، بل يتحدث أيضاً عن كيف أصبح المجتمع غير حساس تجاه هذه المآسي، بسبب التأثير المخدر الذي أحدثته هذه المآسي عليهم.
كما يتجلى الجانب الرمزي بوضوح في نهاية الحكاية. فرؤية رقية لأختها أو صديقتها غزل في الحلم لا يمكن وصفها بأنها مجرد مشهد عاطفي، بل هي بوضوح رسالة أخلاقية. فبقولها "لأن السكوت خلّى الوحوش تكبر"، تتحول الضحية إلى مُتَّهِمة للمجتمع بأسره. وهنا، يمكن ملاحظة كيف ينتقل النص من مجال الرثاء إلى مجال الاحتجاج والإدانة، وكأن الكاتب أراد أن يُظهر أن الجرائم لا تحدث بسبب المجرمين فحسب، بل بسبب الصمت المحيط بهم أيضًا.
ورغم وضوح الرسالة الإنسانية القوية في النص، إلا أن بعض أجزائه تبدو وعظية بعض الشيء نظرًا للصراحة الشديدة في إيصال الرسالة الأخلاقية. ومع ذلك، قد يكون هذا النهج مُبرَّرًا بطبيعة الموضوع والمأساة الموصوفة في النص، إذ يبدو أن الكاتب مهتمٌّ بإيصال رسالته الأخلاقية بقدر اهتمامه بإبداع هذا العمل الفني.
أخيرًا، يمكن تعريف "غزل ورقيّة- حكاية من الزمن القبيح" بأنها نصٌ إنساني مأساوي يطرح سؤالًا جوهريًا أمام قرائه، ألا وهو: ما مصير المجتمعات حين تنهار منظومة قيمها إلى درجة أن الأطفال يفقدون شعورهم بالأمان بين أهلهم؟ إنها قصة عن جريمة، ولكنها في جوهرها قصة تفكك العلاقات وسحق البراءة تحت وطأة عصرٍ فقد كل معاني القيم. وهنا تكمن قوتها الحقيقية، فهي لا تجعلنا نحزن على ضحايا هذه المأساة الأبرياء فحسب، بل تدفعنا أيضًا إلى التأمل في كيفية وقوع مثل هذه المأساة، وإلى استعادة الإنسان لإنسانيته.
٥ تموز (يوليو), ٠٩:٢٤, بقلم محمود سلامه الهايشه
الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "غزل ورقيّة — حكاية من الزمن القبيح" بقلم/ حيدر حسين سويري، والمنشورة بموقع ديوان العرب، الخميس ٤ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦.
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
لازمة (مذهب):
يا بلد موجوعة وساكتة
مين يداوي الجرح والنار؟
كان الخال ضلّ وسِترة
بقى الوحش ساكن جوّه الدار
يا بلد موجوعة وساكتة
مين يردّ الحق للصغار؟
لما الخوف يبقى من أهلنا
يبقى الليل أطول من نهار
الكوبليه الأول:
غزل ورقية كانوا طفلين
يلعبوا بالطين عَ الباب
يحلموا بعجلة وبعيدية
وبيت ما يسكنهوش عذاب
ضحكة غزل كانت شمعة
تنور قلب الحارة الفقير
ورقية تبصّ للناس
وتستخبى من نظرة شرير
مين كان يصدق يوم ييجي
غدر القريب قبل الغريب؟
والباب اللي كان أمان
يبقى للوجع ألف باب وصليب
لازمة
يا بلد موجوعة وساكتة
مين يداوي الجرح والنار؟
كان الخال ضلّ وسِترة
بقى الوحش ساكن جوّه الدار
الكوبليه الثاني:
قالوا روحي هاتي حلوى
والدنيا كانت وقت غروب
خرجوا بخطوة كلها براءة
والموت كان ماشي في الدروب
والشارع شاهد وما اتكلم
والريح عدّت من غير كلام
والطفلة صرخت في الدنيا
لكن ضاع الصوت وسط الزحام
مش كل وحش له ناب ظاهر
ولا كل شر له ألف عنوان
في ناس تلبس وش المحبة
وجوّه القلب ساكن شيطان
لازمة
يا بلد موجوعة وساكتة
مين يداوي الجرح والنار؟
كان الخال ضلّ وسِترة
بقى الوحش ساكن جوّه الدار
الكوبليه الثالث:
رجعت رقية والروح مكسورة
شايلة حكاية أكبر منها
وعنيها بحر من الأحزان
والليل ساكن جوّه عينها
والناس شتمت في المجرمين
وبكت وقالت: يا للعار
لكن الشيخ العجوز اتنهد
وقال: دي مش أول نار
المشكلة مش في جريمة
المشكلة في قلب اعتاد
يشوف الوجع ويسكت عنه
ويعيش مع الخوف بانقياد
القفلة:
في الحلم جت لها غزل تضحك
لابسة فستان أبيض جميل
وفي إيديها وردة بتنادي
وسط الحقول وتحت النخيل
قالت لها: ما تسكتيش أبداً
الصمت بيكبر ألف وحش
واحكي الحكاية لكل الناس
يمكن فجر الحق يطلّش
وأهو لسه النيل بيسمع
ولسه في القلب أوتار
يمكن يوم الإنسان يرجع
ويطرد الوحش من جوّه الدار
اللازمة الختامية:
يا بلد موجوعة وساكتة
مين يداوي الجرح والنار؟
كان الخال ضلّ وسِترة
بقى الوحش ساكن جوّه الدار
يا بلد موجوعة وساكتة
احفظي ضحكة كل صغار
أصل السكوت لما يطوّل
بيخلّي الوحش سيّد الدار.