قُبلةٌ طائرة
«ميس» فتاةً تشبه أوائل الربيع؛ بالرغم من بلوغها سن الثلاثين، جميلة بهدوء، خجولة كأن الكلمات تخاف الخروج من شفتيها؛ عيناها الواسعتان كانتا تفضحان ما يعجز لسانها عن قوله، خصوصًا حين يكون «أسد» قريبًا منها.
لم ترتبط أبداً، لا بعلاقة زواج أو غيرها، لأنها فتاة من عائلة محافظة، كذلك هي لم تلتق بالرجل الذي تعتقد أنهُ سيكون فارس أحلامها، لكنها حين رأت (أسد) زميلها المنقول حديثاً إلى المؤسسة التي تعمل فيها، حتى شغفها حباً، وملك قلبها ودخلهُ دون استئذان...
(أسد) بالرغم من كونه متزوج ويكبرها في العمر بعشر سنوات، لكنهُ لم يكن مجرد رجلٍ عابر في حياتها، بل كان ذلك النوع من الأشخاص، الذين يتركون أثرًا خفيفًا وعميقًا في الوقت نفسه؛ كان يبتسم لها دائمًا، يسألها عن يومها، يمارها وتماريه مراءً جميلاً، حتى أن زملائهم كانوا يحبون أن يروا ذلك منهما؛ يعاملها بلطف، مما جعل قلبها يقع في حبّه ببطء… دون أن تشعر.
لكن (ميس) كانت تخاف الحب حين يصبح حقيقة. فهي دائماً تفكر في النهايات، تسأل نفسها:
– ما نهاية هذا الحب؟
وعندما أصبح (أسد) شغلها الشاغل، وحديثها الوحيد عنهُ مع أختها، لم تسطع عليه صبرا، فأرادت أن تعترف له، وبغض النظر عن النهايات، قالت في نفسها:
– سأعترف لهُ وليكن ما يكون...
في اليوم التالي وحينما رأتهُ، بادرها قائلاً:
– صباح الخير أم عيون العمية، أول مرة أشوف هيج عيون كبيرة مع ذلك ما تشوف!!
مر منها مبتسماً متوجهاً نحو مكتبه...
كانت الكلمات تختبئ داخلها، ويحلّ مكانها صمت مرتبك، فتكتفي بالنظر إليه، ثم تُشيح بعينيها سريعًا.
في عصر يومٍ هادئ، كانت السماء تميل إلى البرتقالي بينما وقف (أسد) يتحدث معها، أمام المقهى الصغير الذي اعتادا الوقوف قربه، لركوب الحافلة والعودة إلى البيت بعد نهاية العمل. كان (أسد) يضحك وهو يروي لها موقفًا طريفًا، بينما كانت هي تحدق بهِ وكأن العالم كُله اختصر نفسه في ملامحه، ثم حدث الأمر فجأة. توقفت ضحكته للحظة وهو ينظر إليها، وقال مبتسمًا:
— «لماذا تنظرين إليّ هكذا؟»
ارتبكت (ميس)، وشعرت بقلبها يتعثر داخل صدرها. وفي لحظةٍ خاطفة، وكأن عقلها غاب تمامًا، رفعت يدها المرتجفة وأطلقت له قبلةً في الهواء. قبلة خفيفة… لكنها حملت كل الحب الذي أخفته لسنوات. تجمد (أسد) مكانه بدهشة، بينما اتسعت عيناها حين أدركت ما فعلته...
— «أنا… أنا لم أقصد…!»
همست بها بصوت مرتجف، ثم استدارت بسرعة وهربت. كانت تركض بين المارة وقلبها يكاد يقف من شدة الخجل، بينما يداها تغطيان وجهها المحمرّ.
أما (أسد)، فظل واقفًا للحظات غير مستوعبٍ لما حدث، ثم ابتسم ابتسامة واسعة لم يستطع إخفاءها.
وفي تلك الليلة، وصلتها منه رسالة قصيرة:
«إذا كانت تلك القبلة بلا شعور… فكيف سيكون شعورك الحقيقي؟»
عندها فقط، أخفت (ميس) وجهها في وسادتها… وابتسمت للمرة الأولى دون خوف.

مشاركة منتدى
٣١ أيار (مايو), ١٠:٥٦, بقلم محمود سلامه الهايشه
"قبلة تتحول إلى اعتراف": تحليل نقدي لقصة "قبلة طائرة"
حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائرة»
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تُعدّ القصة القصيرة من أفضل الأشكال الأدبية التي تُجسّد اللحظات الإنسانية العابرة، ساعيةً إلى منحها دلالات عميقة. ويتضح ذلك جليًا في قصة "قبلة طائرة" للكاتب حيدر حسين سويري، والمنشورة بموقع "ديوان العرب" يوم الاثنين ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٢٦. تدور أحداث القصة حول لحظة عابرة، لكنها زاخرة بالتشويق النفسي، والخجل العاطفي، والاعتراف المؤجل.
منذ السطور الأولى، يغوص الكاتب في عالم بطلة القصة، ميس، واصفًا إياها نفسيًا قبل وصفها جسديًا. إنها فتاة تُشبه "أولى بشائر الربيع"؛ هذه الصورة ليست جميلة فحسب، بل مجازية أيضًا. فالربيع هنا يرمز إلى البراءة، والتفتح، والتردد. ويُصبح خجلها الدائم سببًا في ميلها إلى التكتم، حتى تُصبح عيناها الوسيلة الوحيدة المتاحة لها للتواصل. يُصوّر الكاتب بطلةً تتواصل بالصمت لا بالكلمات. ذلك لأن البطلة تعيش في صمتٍ بسبب حبها المكبوت.
تدور حبكة القصة بأكملها حول ثنائية الخجل والشوق. فتربية "ميس" المحافظة لا تسمح لها بالتعبير عن نفسها، ومع ذلك، تبدأ بالشعور بنوع من الشوق لأسد في قلبها. يُبرز هذا النهج الثنائي في النص معضلة الحب المهددة، وهي من أكثر المعضلات الإنسانية شيوعًا في الثقافات الشرقية.
"أسد" بعيد كل البعد عن أن يكون الرجل المثالي. بل على العكس، يُصوَّر كشخص عادي، هو متزوج ويكبرها سنًا بكثير، ولكنه مع ذلك يحمل تلك الصفات الإنسانية كالابتسامة، والسؤال عن أحوالها، وإلقاء النكات، وغيرها، والتي تؤثر فيها تأثيرًا كبيرًا. وهذه نقطة قوة أخرى في القصة، لأنها لا تُنشئ حبًا قائمًا على قوى خارقة، بل على العلاقات الإنسانية.
من الناحية الفنية، تتطلب القصة إيجازًا لغويًا واهتمامًا بالنقطة المحورية في تطور الحبكة. تتكشف القصة بسلاسة حتى تصل إلى النقطة المحورية، ألا وهي "القبلة الطائرة". لا يمكن وصفها بأنها مجرد فعلٍ عفوي؛ بل هي في الواقع تعبيرٌ عن مشاعر مكبوتة منذ البداية. وقد نجح الكاتب في تقديم هذه اللحظة المحورية من قصته دون أي ابتذال؛ إذ يمكن تفسير القبلة رمزياً، لا حرفياً، كاعترافٍ بالمشاعر الحقيقية.
إضافةً إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الكاتب استخدم لغةً بسيطة للغاية. فعلى سبيل المثال، أُدخلت اللغة العامية في الحوارات، مما جعل القصة طبيعية وعفوية عاطفياً. وقد أضفت الجمل القصيرة والعبارات الشائعة عفويةً على حوارات الشخصيات. بدت الحوارات واقعيةً وعفويةً، حتى أن القارئ استطاع أن يتخيل أن هذا المشهد قد حدث بالفعل في محطة حافلات أو شارع مزدحم في المدينة.
أما ما يُميز القصة بشكل خاص فهو نهايتها الجميلة التي عُرضت بنصٍ قصير:
"إذا كانت تلك القبلة بلا شعور… فكيف سيكون شعورك الحقيقي؟"
حوّل هذا التعبير الموقف برمته من حالة من التردد والخجل إلى إعلانٍ متبادل. وهكذا، كانت النهاية مفتوحةً للحب، وليست محسومةً تماماً. في هذا السياق، كانت ابتسامة "ميس" الأخيرة تعبيرًا عن تحررها من خوف نفسي دام سنوات طويلة، وكأن هذه القبلة لم تكن موجهة لأسد فحسب، بل كانت هبةً للحياة نفسها.
لذا، فإن قصة "قبلة طائرة" أقرب إلى حكاية من حكايات الحياة منها إلى قصة رومانسية. ومع ذلك، فهي تعلمنا أن الحب الحقيقي مستعد للبحث عن مخرج من أي نافذة، حتى وإن كانت مجرد قبلة عابرة من قلب إلى آخر.