الخميس ٢ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
من الشعر الكوردي الحديث
بقلم مكرم رشيد الطالباني

نَحّاتةُ النار

شعر: حەمە کاکەڕەش
أَنْحَتُ النار،
أملأ جيوبي بشظايا اللهبِ،
أنا على يقين بأن مستقبل الإنسان
سيكون أكثر ظلمةً وأشدّ برودةً.
سأُجفّفُ الماء.. الماء.. الماء
الماء الحنونَ
لأجل زمن الاختناق، أو العطش.
ستأتي أيامٌ
يسقط فيه الإنسان كطائرٍ جريحٍ،
في صحراء الحياة.
أُكبّلُ "الرياح"، كي لا تُذكّي
جمرَ جروحِ القلوبِ.
سأُطمئنُ قلبَ الظلام الحزين،
وأجلو ضبابَ الشكِ والقلقِ.
أُلّينُ قلبَ الحجرِ،
أما قلبُ الإنسانِ فلا يلين.
أُحطّمُ أبوابَ الأقفاصِ،
بينما الحياة نفسها قفصٌ بلا أبواب.
أنا،
لساني مُحترٌّ، فقد تَناوَلتُ النارَ،
لساني مُبَلّلٌ، أنا رجلٌ مضطربٌ كالمطرِ،
كلماتي تموجُ،
ولخياليَ هديرٌ،
أنا رجلٌ من ماء.
لساني مُحترٌّ،
كلماتي تتأججُ،
وخيالي تتدفقُ منه ألسنةُ اللهبِ،
أنا رجلٌ ناريّ.
لساني يعصفُ،
كلماتي ممتلئةٌ بالصوتِ،
أنا رجلٌ من "ريح".
لساني مقطوعٌ،
كلماتي داميةٌ،
وخيالي مقتولٌ.
ما حاجة الإنسان إلى السماء؟
الإنسانُ قد سقط في الأشياءِ.
أطوي السماء كفستانَ أمي،
فالإنسان لم يعد يملكُ طاقة للنظر والتأمّلِ،
الإنسان مشغولٌ باللاشيء،
كانت أمي مشغولةً بنا؛
كانت أمي شيئاً خارجَ حدود البشر.
كنتُ قد قلتُ في قصيدة أخرى: أمي نسيَت حياتها،
وليس حياتها فحسب، بل نسيَت نفسها من أجلنا.
كانت أمي نَحّاتةَ النار:
أمي كانت أحزن نَحّاتة نار،
أمي أنارت وأدفأت حياتنا و...
أما هي، آه! فقد غطى روحها وقلبها بردٌ حزين.
عندما ماتتْ أمي،
مِتُّ أنا أيضاً!
لكنني ميتٌ أتنفس.
أظهرُ في هذه القصيدة،
كشبح،
أحياناً أتحدث باقتضاب،
وحتى لو تجمّدتُ تماماً في العزلة؛
فلن أقول كلاماً يخدش قلب الثلج.
لتُحرقني حسرةُ غيابكِ،
فكيف لي أن أُخمُدَ قلبَ النار؟!
أفضل كلامي هو الصمتُ،
الحياة قصيرة...
والموت طويلٌ طويل.
لقد.. تذكرتُ، ما هي الحياة؟!
عندما أفكرُ في الحياة،
يتملكني تذكّر نَحّاتة النار؛
نَحّاتة النار التي كانت تعيشُ
في بيتٍ طيني.
في الشتاءات حين كان المطر يهطلُ،
كان قطرات السقفِ،
تُبلل وسادة الأحلام.
كانت نَحّاتة النار حنونة،
آه! كانت حياتها مليئة بالحسرة والألم والوجعِ.
حين ماتت نَحّاتة النار،
انطفأت نارها؛
فأصبحت حياتي باردة.
أنا أعيش في أشباحي الخاصة.
كظلِ أمنيةٍ محطمةٍ،
ضاعَ صوتي بين القلبِ والصمتِ،
كل شيء في داخلي يتناقص،
مثل ضوء الغدِ؛
الذي ينطفئ ببطء.
بقلبٍ باردٍ،
تعلّمتُ الصمتَ،
في وقتٍ لم يكن فيه أحد
يصغي إلى كلماتي أو يفهمها.
أنفاسي تخرج باستمرار
لكن لا عودة لها،
تماماً كأولئك الراحلين
الذين ذهبوا ذات يوم ولم يعودوا.
في العزلة
أُمسك يديَّ ببعضهما،
لكي لا أسقط؛
في أعماق اليأس.
كان قلبي ذاتَ يومٍ ناراً،
صار الآن تراباً،
يطيرُ مع هبوبِ الرياحِ؛
دون أن يستقر في مكان.
استوطنتني الحسرة،
كضيفٍ أبدي،
لا ترحل..
بدوري لا أستطيع الابتعاد عنها.
عندما أفكر في الحياة،
تتراءى أمامي صورة نَحّاتة النار،
كانت تعيش في بيتٍ طيني،
وحين كان المطر يهطل،
كانت قطراتُ السقفِ تكسر أحلامها،
كانت أحلامُها تبتلُّ.
تلك الليلة التي ماتت فيها أمي،
رأيتُ ألف حلمٍ مفزع.
حسرة موت أمي،
جعلتني مظلماً كليلةِ غابةٍ،
جعلتني وحيداً وحزيناً كالصحراء.
ليتني عَميتُ يوم ماتت أمي!
كتبتُ قصيدة لأبي،
كتبتُ: يا أبي، لقد ماتت أمي،
ماتت أمي يا أبي؛
يا أبي، كانتْ أمي تنتظركَ طويلاً.
غربت الشمس،
ومضى الليل،
وجاء عامٌ ومضتْ أعوامٌ؛
وهي لا تزال تنتظركَ؛
حتى يئست ذات ليلة
من عودتك،
فماتتْ كشمسٍ حزينة،
في هدوءٍ وجمال؛
تماماً كما عاشت في هدوءٍ وجمال.
يا أبي، دعني أروِ لكَ كيف عشنا بعدكَ:
حين تركتنا في بيتٍ طينيّ في حيّ من لا معينَ لهم بمدينةٍ من لا معينَ لهم،
كانت أمي بعدكَ هي أرضنا وسماءنا،
كانت أمي ماءنا وخبزنا،
كانت أمي ريحنا ومطرنا،
كانت أمي بسماتنا وبكاءنا.
كانت نَحّاتة النار امرأة لا مثيل لها،
كانت أُمّاً من نور ورحمة الرب.
كانت نَحّاتة النار حلمَ حزنٍ،
مطبوعاً على جبين الحياة.
كانت تشتعل وتنطفئ،
تموت في الحياة...
وتحيا في الموت.
آه يا نَحّاتة النار، كم أشتاق إليكِ،
أشتاق لنظراتكِ الجميلة،
أشتاق ليديكِ وقدميكِ المتشققتين،
أشتاق لقلبكِ المليء خيراً،
حتى أموت، ستظلين في قلبي
نَحّاتة النار الوحيدة والفريدة.
كانت نَحّاتة النار تخبئ المطر في جرة قلبها،
كي تروي ظمأ أطفالها صيفاً.
وكانت تربط حزمة من النار كحزامٍ حول خصرها،
كي يمتلئ حضنها بالدفء لأطفالها في برد الشتاء.
وكانت تخبئ بضع زهور ملونة وعطرة
في طيات غطاء رأسها،
كي لا يفتقر أطفالها للون والعِطر خريفاً.
نَحّاتة النار،
كانت تنحتُ النارَ،
وتناغي الحياة،
ملأت البساطة جمالاً،
كانت تشقى،
وفي قلبها تعزف الألم.
كانت نَحّاتة النار قريبة من الرّب،
تتحدث معهُ بلغةٍ بسيطة.
كنتُ أراها في كل مرة على سجادتها
تدعو وتبتهل إلى الربّ...
ترفع يديها إلى السماء...
وتقول: "إلهي، لا تسلبنا الحياء والكرامة.
إلهي، بيّض وجوهنا في الدارين.
إلهي، لا تجعلني ذليلةً فوق فراش المرض.
إلهي، ملاذي هو بابك".
بعد دعوات أمي،
كنتُ أسمع كل ليلة أنفاس السماء،
وكأن الربّ،
يناديني باسم "ابن نَحّاتة النار"،
كنتُ أتنفس وأعيش داخل ذلك الاسم؛
اسمٌ تفوح منه رائحة الخبز واللبن والأبقار والعشب والتعب.
اسمٌ لا يزال يمنح الدفء
للأيدي المكسورة،
اسمٌ تكتب به أصابع أمي المكسورة قصة الحياة.
أمي لم تمتْ،
لقد تحولت إلى موقد نارٍ في راسي،
حين تظلم عيناي،
هي من تنير حياتي.
وأنا أيضاً لا أزال ذلك الميت،
الذي سقط ولكنه يتنفس،
لأنه في لون كل كلمة من كلماتي
تبعث أمي حية من جديد...
وتُعيد تزين حياتي.
ذاكرة نَحّاتة النار،
تعيدُ كتابتي باستمرار.
لو أن الإنسان يوماً،
ابتعد عن إنسانيته ونفسه،
فاكتبوا اسم أمي على السماء،
لكي يتعلموا
كيف تكون الإنسانية
في ليلةٍ صامتة.
حين يخاف كل شيء من نفسه،
أنا أشتاقُ لنَحّاتة النار،
أجلس وحيداً مع ذكريات نَحّاتة النار،
كطفلٍ
في حمى أمه،
أرفع يدي إلى السماء،
ليس لأجل طلبٍ أو حاجة،
بل لأتأكد فقط
بأن هناك مكاناً ما، مستحيلٌ أن تُكسر فيه القلوب.
أمي، يا نَحّاتة ناري،
أنتِ علمتِيني،
كيف لا أحترقُ وسط النار،
وكيف لا أغرقُ وسط الماء،
لكنكِ لم تعلميني
كيف أعيش في غيابكِ ؟!
بعد رحيلكِ
لم تعد كلماتي تشكل خيالاً معاً،
جملي كالمهاجرين،
بلا وطن ولا بلاد،
تبكي كلٌ منها في مكان وتموت وحيدة.
آه يا نَحّاتة النار، بعدكِ،
صار قلبي بيتاً مهجوراً،
نوافذه مغلقة،
وحده الريح،
كان يزورني بصوتكِ.
بوجودكِ، كنتُ أمشي وسط الآلام والأوجاع
ولم أكن أموت،
لم أستطع يوماً
أن أصدق الموت،
لأنكِ
موجودة في كل شيء صغير من حياتي،
موجودة في كل شيء كبير من حياتي،
في دفء اليدين...
وفي بياض اللبن...
وعذوبة ونعومة الماء ...
ورائحة الخبز...
ونبضات قلبي.
بعد دعوات أمي
كنتُ في كل ليلة أسمعُ أنفاسَ السماء،
وكأن الربّ،
يناديني باسم "ابن نَحّاتة النار".
كنتُ أتنفس وأعيش في ذلك الاسم،
اسمٌ تفوحُ منه رائحة الخبز واللبن والأبقار والعشب والتعب،
اسمٌ لا يزال يمنحُ الدفء للأيدي المكسورة،
اسمٌ تكتبُ به أصابع أمي المكسورة قصة الحياة.
أمي لم تمت.
لقد تحولت إلى موقد نارٍ في رأسي،
حين تظلم عيناي،
هي من تنير حياتي.
وأنا أيضاً لا أزال ذلك الميت،
لقد سقطتُ لكنني أتنفسُ.
لأنه في سيماءِ كل كلمة من كلماتي،
تبعث أمي حية من جديد...
وتُعيد تزين حياتي.
ذاكرة نَحّاتة النار
تكتبني باستمرار.
لو أن الإنسان ابتعد يوماً
عن نفسه،
فاكتبوا اسم أمي على السماء،
لكي يتعلموا
كيف تكون الإنسانية!
في ليلةٍ صامتة،
حين يخاف كل شيء من نفسه،
أنا أشتاق لنَحّاتة النار.
أني أجلس وحيداً مع ذكريات نَحّاتة النار
كطفلٍ
في حمى أمه
أرفع يدي إلى السماء
ليس لأجل طلبٍ،
بل لأتأكد فقط
بأن هناك مكاناً ما
لا تُكسر فيه القلوب.
أمي، يا نَحّاتة ناري،
أنتِ علمتيني،
كيف لا أحترق في النار،
وكيف لا أغرق في الماء،
لكنكِ لم تعلميني
كيف أعيش في غيابكِ؟!
بعد رحيلكِ
لم تعد كلماتي تشكل خيالاً معاً،
جملي كالمهاجرين،
بلا وطن ولا بلاد؛
تبكي كلٌ منها في مكان وتموت وحيدة.
آه! يا نَحّاتة النار، بعدكِ
صار قلبي بيتاً مهجوراً،
ونوافذه مغلقة؛
وحده الريح
كان يزورني بصوتكِ.
ما دمتِ معي، كنتُ أمشي وسط الآلام والأوجاع ...
ولم أكن أموت!
لم أستطع يوماً
أن أصدق الموت،
لأنكِ
موجودة في كل شيء صغير من حياتي،
موجودة في كل شيء كبير من حياتي،
في رائحة الخبز...
ودفء اليدين...
وبياض اللبن...
واخضرار العشب...
وفي دموعي، وفي طمأنينتي، وفي تحليقي؛ كنتِ أنتِ الجناح،
وفي قصيدتي كنتِ أنتِ أجمل خيال.
إذا كان الموت
يعني الفراق والبعد؟
فأنتِ أقرب شخصٍ في حياتي.
لا, بل أنتِ نفسكِ كنتِ حياتي.
لأنه في كل نَفَسٍ من أنفاسي
يلمع اسمكِ ويتلألأ.
آه! يا نَحّاتة النار، لا يوجد اسمٌ يملأ مكانكِ.
أمي: يا نَحّاتة نارِ حياتي،
أنا لا أزال ذلك الطفل
الذي يرقب بوابة الليل
بعينين مغرورقتين بالدموع،
عسى أن
تعودي أنتِ مثل الضياء.
عندما أكتب كلماتي الأخيرة،
أشعرُ
أن كل شيء في داخلي قد انتهى،
ليس أنتِ فحسب،
بل أنا أيضاً
انفصلتُ عن الحياة برحيلكِ.
لستُ ذلك الطفل
الذي ينادي باسم أمه،
أنا مجرد صوتٍ،
في فراغٍ بلا صدى ولا جواب.
الليالي تزداد طولاً،
كقبرٍ مفتوح؛
تُدفن فيه
ذكرياتي واحدةً تلو الأخرى.
أضع يدي على صدري
لأعثر على قلبي،
لكن كل ما يتبقّى منه
هو صوت الفراغ الصرف.
أمي... يا نَحّاتة ناري
بعد موتكِ،
مِتُّ أنا أيضاً.
الآن لم يتبقَّ سوى شيء واحد:
جسدٌ
يعيش باسمي...
ويتعلم الموتَ كل يوم.
تلك الليلة التي ماتت فيها أمي،
تصدّع قبو حياتي.
صار اسم "نَحّاتة النار"
ثقيلاً على لساني،
وكأن قطعةً من قلبي قد احترقت.
لم تعد لي نَحّاتة نار،
أنا مجرد قشةٍ واهية،
أبحث عن ناري المفقودة.
بدون نَحّاتة النار، لا أعرف
كيف أعيش، ولا أعرف مَن أكون!
أنا كان لي قلبٌ
كان يشتعلُ ويُضاء،
بيديّ أمي المشقّقتين
الآن،
أصبح رماداً
في ثنايا صدري..

(2023 - 2026)

المصدر: مجلة (رامان)، العدد (344)، الصادر في 5/6/2026.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى