الاثنين ٢٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم مكرم رشيد الطالباني

جسدي ساعةٌٌ رمليةٌ

شعر: هيوا قادر

قَبْلَ أَنْ أَنْتَعِلَ حِذَائِي بِمُعِينِ الْأَحْذِيَةِ،
يَدْخُلُ فِي حِذَائِي كَحَصَاةٍ مُتطايرَةٍ،
وقَبْلَ أَنْ أُغْلِقَ الْبابَ،
يَتَسَلَّلُ بَيْنَ حَلْقَةِ الْمَفاتِيحِ في جَيْبِي،
المَوْتُ في كُلِّ مَكانٍ،
المَوْتُ في الْكَلِماتِ، في الْمُوسِيقَى، وفي الحَناجِرِ،
كَأَنَّهُ بَيْضَةُ فَاخِتَةٍ،
فَوْقَ قَشِّ عُشٍّ غَيْرِ مُكْتَمِلٍ،
لا تَسْتَقِرُّ.. بَلْ تَسْقُطُ أرضاً.
المَوْتُ يُطَوِّقُنِي،
يَسِيرُ بِجانِبِي خَفِيفاً كَالظِّلِّ،
بِقَدْرِ ما أَسْمَعُ وَقْعَ خُطى الظِّلِّ،
أَسْمَعُ صَوْتَ قَباقِيبِ المَوْتِ،
المَوْتُ لا أَجْنِحَةَ لَهُ.. لَكِنَّهُ يَطِيرُ،
لا أَقْدامَ لَهُ.. لَكِنَّهُ يَسيرُ،
لا يُجِيدُ السِّباحَةَ.. لَكِنَّهُ يَعْبُرُ الْبِحارَ،
يَجُوبُ الصَّحارى.. ولا يَعْطَشُ،
يَعْبُرُ الْجِبالَ.. وهُوَ يَخَافُ الْمُرْتَفَعاتِ.
المَوْتُ يُحاصِرُنِي، يُحاصِرُني المَوْتُ،
سَهْمُ المَوْتِ المُنْطَلِقُ مِنَ القَوْسِ يَنْغَرِسُ في قَلْبي،
يُبَرِّدُ الْآهَ السّاخِنَةَ في صَدْرِي،
يَضَعُ حَرْفاً على شفاهي لَمْ يَكُنْ يَوْماً
في أَلِفِ بَاءِ اللُّغاتِ،
تَفُوحُ مِنّي رائِحَةُ خُفُوتِ شَمْعَةٍ أَطْفَأَتْها الرِّيحُ،
رائِحَةُ دُخَانٍ لَمْ يَرَ النَّارَ عَنْ قُرْبٍ بَعْدُ.
المَوْتُ، كَالنَّمْلِ، يَدِبُّ فِي دَاخِلي.
دُونَ أَنْ أحْمِلَ ذَرَّةَ سُكَّرٍ، سِوى الْحَياةِ نَفْسِها،
يُصالِحُنِي كَحَبِيبٍ، وَيَشُدُّ على يَدي بِقُوَّةٍ،
وكَخَصْمٍ لَدُودٍ، يَدْفَعُني مِنْ حافَةِ الْهاوِيَةِ.
الجَمِيعُ يَمُوتُونَ ولا أَحَدَ يَعُودُ، بِاسْتِثْنَاءِ بِشاراتِ الأَدْيانِ،
الْجَنَّةُ، كِذْبَةُ مُصالَحَةِ الْحَياةِ مَعَ المَوْتِ،
والْجَحِيمُ، كِذْبَةُ انْكِسارِ القَلبِ الَّذِي لا يَبْرَأُ مَعَ الحَياةِ.
المَوْتُ أَعْمى ومُبْصِرٌ فِي آنٍ واحِدٍ،
أَصَمُّ، وأَبْكَمُ، وصامِتٌ بلا جَوابٍ،
المَوْتُ فِي الشَّيْخُوخَةِ يَجْعَلُ الإِنْسانَ هَشًّا كَالعُودِ النَّخِرِ،
لِكَيْ يَسْهُلَ كَسْرُهُ وَقَصْمُهُ.
يُحَوِّلُهُ إِلى قَشَّةٍ نَسِيَتْ
أَنَّهَا كَانَتْ يَوْماً تَحْمِلُ رِسَالَةَ قُدُومِ الرَّبِيعِ.
المَوْتُ يَسُدُّ عَلَيَّ بابَ الدَّارِ،
دُونَ أَنْ يَحْتاجَ إِلَى الدُّخُولِ،
الْمَوْتُ يُطَوِّقُني،
حِينَ يَسبُقُ المَوْتُ كَلِمَةِ "الْمَعْنَى"، يُجَرِّدُها مِنْ مَعْناها،
يَسبُقُ كَلِمَةِ "الْجَمالِ"، فَيُشَوِّهُها،
يَسبُقُ اللَّوْنِ "الْأَبْيَضِ"، فَيَجْعَلُهُ أَسْوَدَ،
يَسبُقُ كُلِّ "بَهْجَةٍ"، فَيَقْلِبُهَا غُصَّةً،
كَإِطلاقَةٍ طَائِشَةٍ يَثْقُبُ قَلبي، هذا المَوْتُ،
كَفَيْضانٍ يَفِيضُ، ويَجْرُفُنِي مَعَهُ مُتَخَبِّطاً،
كَالنَّارِ، يَسْخَرُ مِنْ دُخانِي،
كَالرِّيحِ، يَمْلَأُ عَيْنَيَّ بِالتُّرابِ،
المَوْتُ يَزْرَعُنِي في حَقْلٍ لَنْ أَخْضَرَّ فِيهِ أَبَداً،
لَوْ كَانَ الْإِنْسانُ بِذْرَةً، لَصارَ الْكَوْنُ بِدَفْنِ كُلِّ هَؤُلَاءِ الْبَشَرِ، غَابَةً كَثِيفَةً،
المَوْتُ يَقْرِضُنِي بِأَشْداقِ الْحَياةِ وَأَسْنَانِها،
لِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ.. بلا فَمٍ ولا أَسْنانٍ.
يُسَلِّمُنِي إِلى يَدِ النِّسْيانِ، لِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ
بلا ذاكِرَةٍ.
المَوْتُ هُوَ ذَلِكَ الْإِجْحافُ الَّذِي يَجْعَلُ الْباطِلَ حَقّاً.
هُوَ ذَلِكَ السُّؤَالُ الذَّابِلُ الشَّاحِبُ الشِّفاهِ،
الَّذِي لا تَرْوِي ظَمَأَهُ أَيُّ إِجَابَةٍ.. سِواهُ.

14/3/2026

المصدر:

مجلة رامان الكوردية، العدد 344 الصادر في 5/6/2026


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى