الفزّاعة
الأبوابُ تُوصِدُ نَفسَها، تَعْبِسُ وتَنْظُرُ بِشَزَر.
النوافذُ تُديرُ ظَهْرَها لبعضِها البعض.
لا تَلْتَفِت، بَلْ تَختارُ جُملةً تَنْفَجِرُ بُكاءً.
هذه الجُملةُ واقِعَةٌ في فَخِ الأمسِ.
كانَ البابُ قَد نَصَبَهُ.
البابُ غَريمٌ لِعَتَبَتِه.
لا يُفَسّرُ تِلكَ الجُملة.
يَتَسارَعُ إيقاعُ أنفاسِهِ.
ومَتى كانَتِ الأنفاسُ حُرّةً لِتَمرحَ وتَلْهو؟
إنَّهُ مِفتاحُ الليلِ الدامسِ
ومِنْ ظُلْمَةِ الأكسجينِ يُغْلَقُ.
مُحَيَّا الريحِ وراءَ السُحُبِ والبَرْقِ بَاهِتٌ،
والمَطَرُ لا يَغسِلُ الريحَ العاتِيَة.
السماءُ لَيْسَتْ صَاحِيَة، وغَمامَةُ الكَراهِيَةِ
تَنْعَقُ فوقَ السَّقيفَة.
مُنذُ زَمَنٍ طَويلٍ والنهوضُ مَفقودٌ، والخطواتُ تائِهِةٌ تَبْحَثُ عَنه.
والخطواتُ لا تَرْتَوي بِدَمِ قَلْبِ الرَّغْبَةِ.
وفي مِرآةِ الضَّباب، لا تَلْتَفِتُ إلى النِّيَّة.
هذا البُكاءُ بَدأَ مُنذُ أَمَدٍ بَعيد.
والتاريخُ لا يَذْكُرُ ما لَفَّقوهُ لَه.
مِزمارُ الزَّيْفِ لَمْ يَسْتَطِعَ الوصولَ إلى نَهْرَ الحَقيقَة.
لكنّ اللَحْنٍ نَفَخَ في اللَحْنِ.
وطاردَ الأكاذيبَ في نَهْرِ التَّضْليلِ.
جَلَبَ فَتيلَ السِّراج، وأَشْعَلَ نُورَ الخِطاب.
هذا الزَّمَنُ مَحْمُومٌ، لَقَد نَسِيَ أُفُقَ البُشْرى.
البُشْرى شَيْخٌ هَرِمٌ وعَاجِزٌ وبِلا بَسْمَة.
في وسَطِ أغاني الحَيران ونَحيبِ المَوْت، انْحَنى وتَحَدَّبّ.
هذا الماءُ ما زالَ أَمامَهُ مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقْت، لِيَقْطُرَ عَبْرَ جُذورِ الحَقيقَة.
كُلُّ قَطْرَةٍ تَمْحو تاريخاً، ومِنْ هُناكَ يأتي الحُلْمُ، ويَنْتَصِبُ التَّفْسيرُ قائِماً.
ما أَشَدَّ كَثَافَةَ ذلِكَ البُخار! ما أَفْيَضَ تِلكَ الكَلِمَة!
تَتَثاءَبُ مُنذُ جُمْلَةِ العامِ قَبْلَ الماضي الفرعية. تَثاؤبٌ يَتْلُو تَثاؤباً.
الطَّريقُ يَنْظِمُ قِلادَةَ الخَطَر.
يَتَّجِهُ نَحْوَ مَقْبَرَةِ الوَقْت، ويَذْرُو بَيْدَرَ الظَّهيرَة.
الحَرُّ يُهَدِّدُ عُرْسَ الإيقاع.
الإيقاعُ مِعْطَفٌ صُوفِيٌّ ذُو وَبَر، مُلْقًى تَحْتَ أَقْدامِ العُرْفِ والتَّقاليد.
التَّقاليدُ تَقِفُ مُنْتَصِبَةً على عُكَّاز.
الظِّلُّ لا يَهابُ العُكَّازَ. السماءُ تَعْبِسُ في وَجْهِ الظِّلِ.
مَتى سَيُحَرِّكُ ذلِكَ الحَيرانُ الشَّجَن، لِتَنساهُ ابْنَةُ العَمِ؟
كُلُّ ما هُناكَ مِنْ قَلائِدِ الذِّكْرياتِ، لِتَنْقَطِعْ كُلُّها.
كُلُّ ما هُناكَ مِنْ نُجومِ الفَرَحِ، لِتَذُبْ جَميعُها.
النِّيَّة... تُسارِعُ لِتَمْتَطي خَيْلَ السَّيْلِ والمَطَرِ الغَزيرِ.
خَيْمَةٌ مِنَ الجُمَلِ تَدْخُلُ سِتارَ الفِراقِ.
يَهبُّ وابِلٌ مِنَ الخَوْفِ، والإعْصارُ يَجْرُفُ حُلْمَ الأعْماقِ.
هذا الشِّعارُ لَنْ يَصْمُدَ حتَّى ضَفَّةِ النَّهْر.
دُخانُ تِلكَ السِّيجارَةِ العالِقَةِ بِشَفَةِ الوَقْت، يَتَبَدَّدُ في سَماءِ الأكاذيبِ.
كُلُّ ما هُنالِكَ مِنْ زَواحِفَ وحَشَراتٍ جَشِعَةٍ تَفِرّ،
تَحْلُمُ حتَّى العَظْمِ بِماضي النَّشيجِ والأنينِ.
مَتى سَيَعْتَادُ النَّشيج؟
عندئذٍ تُوَزِّعُ الشَّمْسُ أَشِعَّةَ الحُزْن. وتَنْقَشِعُ تِلكَ الغَمامَةُ.
وتَصِلُ بَشَائِرُ الثَّناءِ والتَّقْديرِ مِنْ قَصْرِ المَلِكِ.
سَنَواتُ الثَّلْجِ في وَسَطِ الحَبْلِ المُرْتَخي، كانَتْ تَعْقِدُ رَقْصَةَ المَوْت.
تِلكَ المَقْبَرَةُ التي كانَتْ تُغْلِقُ الطُّرُق، أَصَابَتْها قُشَعْرِيرَةُ الحُمَّى.
القَلَقُ لا يَهْتَدي إلى النَّجْمِ المَفْقود.
السَّنابلُ لا تَغْضَبُ مِنَ البَيْدَر.
الحُزَمُ تَتَجَمَّعُ وتُدْفِئُ أَحْضانَ بَعْضِها.
وسُنْبُلَةُ القَمْحِ تَبْتَسِمُ زَهْواً.
تَنْتَظِرُ نَسيمَ الحَظّ في الأَماسي.
كُلُّ ما هُنالِكَ مِنْ حَظٍّ نَاحِلٍ ومُتْعَبٍ، على ذلِكَ التَّلِّ البعيد،
يُلاعِبُ النَّهْرَ المَجْفُوفَ غُمَّيْضَةً.
ما إنْ يَنْتَعِشُ النَّهْرُ، حتَّى تَعُودَ كُلُّ الطُّيُور.
وما مِنْ قَصَبٍ إلَّا ويَخْضَرُّ ثانِيَةً.
وما مِنْ ضَفَّةٍ إلَّا وتَهْتَزُّ بِوَرْدِ ورِياضِ المُتْعَةِ والبَهْجَة.
الضَّفَّةُ تَتَجاوَزُ حُدودَ الحُلْم.
تَطْرُدُ الجملة الرئيسية وتَنْتَظِرُ الجملة الفرعية، وظَرْفَ الزَّمان.
ويَخْتَفي ظَرْفُ المَكَانِ
ويَنْصِبُ خَيْمَةَ اللُّجُوءِ في وَسَطِ الأَدَوات.
الْقُطْعَانُ تَصْعَدُ الجَبَلَ العَارِيَ مِنَ المَرْعَى.
رَنِينُ جَرَسِ الكَبْشِ الأَغْبَرِ، لا يَصِلُ إلى مَسَامِعِ الرَّاعِي.
في ذلِكَ الأُفُقِ، تَنْقَضِي مَوْضَةُ اللِّحَى.
المُهَجَّرُونَ بَيْنَ السُّطُورِ، لَمْ يَعُودُوا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْه.
لا تَكْتَمِل تِلْكَ المَساعِي التي يَتِمُّ تَوْجِيهُهَا َمِنْ خَلْفِ جِدَارِ التارِيخِ.
المَساعِي عَقِيمَةٌ، مَغْزُولَةٌ بِخُيُوطِ الأَمْسِ المَهْتَرِئَة.
مَا هِيَ إِلَّا خَرَزٌ بِلَا قِيمَةٍ لِنَوَايَا عَاثِرَة.
وفَوْقَ صَخْرَةِ العَزِيمَةِ المُلْتَهِبَةِ، تَتَبَدَّدُ وَتَتَبَعْثَر.
تَسْتَمِدُّ الطَّاقَةَ مِنْ أَتُونِ تَارِيخِ الجَبَل.
الجَبَلُ لا يَنْحَنِي، وثَلْجُ القُوَّةِ فِي صَيْفٍ بِلَا هَوادَةٍ، لا يَذُوب.
وحْدَهُ دُخَانُ الحِقْدِ المُتَشَتِّتِ، فِي سَماءِ المَساعِي والأَحْلامِ، يَدُورُ ويَحُوم.
أَرَى حُلْمَاً، لَمْ يَرْوِهِ لِي جَدِّي.
وَلَمْ تُزَيِّنْ جَدَّتِي أَطْرَافَ وِشَاحِها لأَجْلِه.
وَلَمْ يَخْطُ نَحْوَهُ أَبِي خُطْوَةً وَاحِدَة.
أَرَى حُلْمَاً، يَقِينٌ عِنْدِي أَنَّ أَحْفَادِي، لَنْ يُفَكِّرُوا فِيه.
حُلْمٌ يُمْطِرُ فَوْقَ رَأْسِي مَطَرَ أَمْراضِ القَلْبِ والنِّسْيانِ، وَوَبِلَ الأَوْبِئَة.
حُلْمٌ لا يَنْدَفِعُ مُخْتَرِقَاً، طُرُقَ الرَّغْبَةِ الضَّيِّقَة.
إِنَّهُ دِيكٌ، لا يَصِيح فِي غَبَشِ الفَجْرِ وصَباحِ الانْتِظَارِ.
الحُلْمُ قِلَادَةٌ فِي جيدِ الأُمْنِيَةِ، فِي شِتَاءِ تَجَمُّدِ الفَزَّاعاتِ
قَدِ انْقَطَعَتْ، وخَرَزَاتُها تَتَدَحْرَجُ فِي نَفَقِ التَّارِيخِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرى.
مَا كَانَ مُنْتَظَرَاً لَمْ يَأْتِ. شُلَّتْ قَدَمُ الانْتِظَارِ. وغَاضَ مَاءُ العَزِيمَة.
رِيحُ المَطَرِ تَعْبَثُ بِتِلْكَ الفَزَّاعَة.
الفَزَّاعَةُ لَا تَسْتَحِي مِنْ نَفْسِهَا. الرِّيحُ تَلْهُو بِأَسْمَالِها البالِيَة.
لا تُرْعِبُ الطُّيُورَ، ولا تُخِيفُ الحَيَوانات.
ومِنْ قَصَبِهَا لَا يَخْرُجُ نَحِيبٌ أَوْ صَفِير.
أَطْرَقَتْ رَأْسَها خِزْياً وَعَاراً، وَنَسِيَتْ مَاضِيَها.
أَمامَ بابِ التَّضَرُّعِ، كَانَتْ مَسْلُوبَةَ الإِرادَةِ لِلصَّلَواتِ وهَتْكِ العِرْض.
الفَزَّاعَةُ عُكَّازٌ، يُحَقِّقُ بِهِ الخَصْمُ مَآرِبَه.
فِي ساحَةِ اللَّعِبِ والمُطارَدَةِ، وَفُرُوسِيَّةِ الخَيْلِ، لِيَكْسِرَ بِهِ أَعْنَاقَ الفُرْسان.
الفُرْسانُ يَسْتَحِثُّونَ خُيُولَ الطَّاقَةِ لِتَعْدُوَ، يَسُنُّونَ سِهامَ المُقاوَمَة.
يَشُدُّونَ أَوْتَارَ إِصْرَارِ الأقواسِ. يَمْحَقُونَ حُلْمَ الخَصْمِ الأَسْوَد.
هَذَا النَّشِيدُ أَفْزَعَ الخَصْمَ وَأَرْعَبَه.
كُلُّ فَارِسٍ عَلى صَهْوَةِ جَوادِه، يَمْحَقُ أَكاذِيبَ الفَزَّاعَة.
السَّاعِدُ فَوْقَ الكَتِفِ مَاضٍ فِي إِثْرِ الفَزَّاعَة.
نَكَّسَتْ الفَزَّاعَةُ رَأْسَهَا بِانْكِسَارٍ في خِرَقِ الزَّمَنِ البالِيَةِ المُهَلْهَلَةٍِ.
وَفِي ذلِكَ الأُفُقِ أَيْضَاً، أصواتُ الأغاني والحَيرانِ،
الأَنَاشِيدِ والابْتِهَاجِ، تُهَيِّجُ شَجَنَ الأَعْمَاق.
تُصِمُّ آذَانَ الضِّفاف. وَتَصِلُ إِلى شَفَةِ قِمَّةِ السَّماء.
رَغْبَةُ الأَلْوانِ فِي غَمَامَةِ الأَنْفاسِ، تُوَزِّعُ بَشَائِرَ القَلْب.
البُشْرَى تَخْطُو نَحْوَ سِرَاجِ القُبْلَة.
الخَنْدَقُ يَفْتَحُ ذِرَاعَيْهِ لِصَرْخَةِ الأَرْض.
تَلْتَفِتُ البُنْدُقِيَّةُ نَحْوَ السَّماءِ وَالأُفُقِ،
صُعُودَاً تِلْوَ صُعُود، جَبَلَاً تِلْوَ جَبَل، وَادِيَاً تِلْوَ وَادٍ
البُنْدُقِيَّةُ رَفِيقَةُ الدَّرْب. الطَّرِيقُ صَدِيقُ الخَنْدَق.
الخَنْدَقُ خَيْمَةُ الدَّمِ، والدَّمُ مَوْطِنٌ ومَرْسَى.
وَمِنَ المَرْسَى يَسْتَقِرُّ المَرْسَى ويَثْبُتُ المُرْتَكَز.
تِلْكَ القَضِيَّةُ حَبْلٌ غَلِيظٌ مِنَ القُدْرَة.
تَارِيخُ الحَقِيقَةِ بِساعِدِ العَهْدِ القَدِيمِ، وَبِقُوَّةِ السَّعْيِ الَّذِي لا يَعْرِفُ الكَلَلَ،
سَيَصِلُ حَتَّى ضَفَّةِ العُمْرانِ والوُجُود...
كَانَ هُوَ الرَّفِيقَ وَالأَنِيسَ الوَحِيدَ،
لِيَصُدَّ وابِلَ النِّيرَانِ، الَّتي كَانَتْ تُؤْلِمُ أَعْمَاقَ التَّارِيخِ،
وَقَلْبَهُ وَعَيْنَيْه.
جَبَلُ الصَّبْرِ في وَسَطِ الضَّبابِ الكَثِيفِ،
كَانَ يُزَيِّنُ الأَناشِيدَ، لأُوكْسِجِينِ الأَنْفاس.
هَذِهِ النِّيَّةُ، هِيَ جِسْرُ العُبُورِ لِنَجاةِ الخُيُول.
الخُيُولُ فِي أُفُقٍ مَلِيءٍ بِالعَواصِفِ، تَعْدُو وَتَتَسابَق.
الفُرْسانُ ثَبَّتُوا أَقْدامَهُمْ، فِي رِكابِ الوَقْتِ بِقُوَّة.
وَقَبَضُوا عَلَى زِمَامِ النَّهَارِ بِإِحْكَام.
الغُيُومُ السَّوْداءُ الرُّكَامِيَّةُ تَكْسُو السَّماءَ الصَّافِيَةَ ثَانِيَةً.
دُخانٌ كَثِيفٌ يُلْمَحُ مِنَ بَعِيد.
نَهْرٌ مِنَ الكَراهِيَةِ يَفِيضُ، عَلى هَذِهِ الضَّفَّةِ وتِلْكَ.
خَرِيرُهُ الغاضِبُ يَقْطَعُ قِلادَةَ الصَّمْت.
ذَلِكَ الحَبْلُ قَدِ انْقَطَعَ مُنْذُ زَمَنٍ طَويل.
قَلْبُ الخَصْمِ كانَ قَدْ طَمِعَ فِي أُمْنِيَةِ السُّوء.
الخَصْمُ لَا يَسُرُّهُ شُمُوخُ الجَبَلِ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى التَّضْلِيلِ وَالزَّيْف.
لَكِنَّ الفُرْسانُ لَا يُديرُونَ ظَّهْرَهُم لِلجَبَل.
الجَبَلُ هُوَ الأُمْنِيَةُ، الجَبَلُ هُوَ المَقْصِدُ، وَالجَبَلُ هُوَ المَلاذُ الأَخِيرُ وَمَوْطِنُهُم.
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ المَوْطِنِ وَحْدَهُ، يَجْتَاحُونَ الدِّيارَ صَهْوَةً،
وَيَمْحُونَ غُبارَ المَاضِي وَعَنَاءَ التَّعَبِ.
يَتَسَابَقُونَ، ويُواصلُونَ العَدْوَ،
يُعانِقُونَ عُنُقَ عَرُوسِ الأَمَلِ، وَيَضَعُونَ حَدَّاً لِلانْتِظار.
ويُمَزِّقُونَ أَسْمالَ الفَزَّاعَةِ البالِيَة!!
