الأربعاء ٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

الوحل اللذيذ

في «حكومة البياض»، لم يُفرض علينا الروتين بالقوة؛ نحن من اخترناه حين تعبنا من الحروب والصراعات.

الروتين هنا كائن بلا جفون؛ لا يرمش ولا ينام. يُعقَّم بانتظام، ويُقطَّر قطرةً قطرة.

منذ قرنين؛ ودرجة الحرارة ثلاثٌ وعشرون، لا مطر يجلد الزجاج، ولا ريح تحرّك الستائر. حتى العصافير تطير وفق هندسة صارمة؛ زرعت الحكومة في أدمغتها بوصلات توجيه، ورسمت لها مسارات إجبارية في السحاب.

منذ قرنين؛ وأحلامنا تُراقَب في أطوارها الأولى، وتُهندس الذاكرة، ويُضبط النبض، ويُعاد تشريح الموت لتتحلل الجثث بلا رائحة. حتى حاويات القمامة تلمع كمشارط جراحية براقة.

منذ قرنين؛ ولم يُبلَّغ عن حادثة سرقة واحدة. الأشياء الثمينة تُترك في العراء، لا لأننا أثرياء، بل لأننا تنازلنا عن غريزة الامتلاك مقابل ألا نملك ما نخسره.

وحين يُقتَل الشغف بالامتلاك، تصبح المجوهرات أحجارًا بلا ميزة. وحين تُحنَّط الروح، وتُخصى الحرية، لا يعود للسجن جدار؛ يمتد الوطن كرقعة شطرنج، نتحرك فيها بانتظام، ونسمي الفراغ سلامًا.

1 ـ الحاضنة الأبدية

المدينة تشبه قارورة محكمة الإغلاق، موضوعة في حاضنة لا تنطفئ.

الشوارع ليست أسفلتًا، بل شرائح مجهرية مصقولة؛ تمشي عليها فتنعكس مسام روحك بلا أسرار. البنايات أنابيب اختبار شاهقة، نقف داخلها كمحاليل مُعايرة. لكل محلول تركيز موحّد، وتاريخ صلاحية محفور بالليزر على الجبين.

الأخبار لا نقرأها، بل تُقطَّر في أذهاننا كل مساء من سحّاحة معايرة بالحموضة ذاتها. مقدمو الأخبار عيّنات مستنسخة: ملابس بيضاء بلا جيوب، ووجوه بيضاء بلا تفاصيل. حتى الكذب يمر أولًا عبر المختبر؛ إن كان ملوّنًا يُباد، وإن كان أبيض يُدمغ بختم الدولة: «صالح للاستهلاك لمرة واحدة».

هنا، لا يحتاج المواطن إلى أن يُراقب؛ فالخوف الأعظم ليس من عين الدولة، بل من عين الذات. لذلك حُظرت المرايا.

غُطيت المرايا بكفن جنائزي أبيض، وحُبست في مبنى الداخلية تحت ثلاثة طوابق. مشاهدتها خيانة عظمى؛ فالمرآة تفعل ما هو أخطر من التجسس: تضعك وجهًا لوجه أمام من حارب الجميع لنسيانه... نفسك.

2 ـ مصانع الصمت

الأطفال لا يولدون؛ يُستخلصون.

الجنين يُسحب برفق آلي، يُغسل، ثم يُطبع على كاحله رمز شريطي. يُقطع حبله السري بمقص ليزر لا بيد بشرية، ليُرسل فورًا إلى كبسولة شفافة. شهادة الميلاد لا تحمل اسمًا، بل صيغة كيميائية تحذر: «خطر: تُحظر إثارة الشغف».

الفصول مكعبات بلورية، والسبورات بيضاء تمتص الكلمات فور التفكير فيها. النجاح مرهون بثلاث: كيف تنحني بزاوية 45، وكيف تبتسم بزاوية 15، وكيف تنسى أن تسأل.

وفي امتحان التخرج، يواجه الطالب ورقة بيضاء تحمل كلمة واحدة:

«لماذا؟»

من يكتب يرسب، ومن يتركها فارغة يُمنح وثيقة المواطنة الآمنة.

في العاشرة مساءً، تُفتح شاشات الأحلام لتُوصل الأدمغة بصحون تلتقط البث. إذا انقطع الاتصال حدثت الكوابيس.

الكوابيس نادرة مثل الكسوف. آخرها كان لرجل استيقظ داخل حلمه وظل واقفًا ينظر إلى نفسه من الخارج، فأصدروا تعميمًا حاسمًا:

«يُمنع المواطن من الاستيقاظ داخل حلمه».

3 ـ اقتصاد الذكريات

المحاكم من زجاج. لا قاضٍ ولا محامٍ، بل ميزان إلكتروني لقراءة الذاكرة.

يُشق رأس المتهم بالليزر، وعلى الشاشة تمر ذكرياته. إذا أومضت بعاطفة أو ذكرى، يضغط الموظف: «تعقيم شامل»، ليخرج المتهم مفرغًا ومطمئنًا.

أما الذكريات المحذوفة، فتُلقى في فرن زجاجي لتتحلل إلى ضوء أبيض، يُعاد تجميعه لتوليد طاقة المدينة؛ ولذلك كانت شوارعنا تضاء كل ليلة بأحزاننا المستأصلة.

قائمة التهم: كذبة ملوّنة، ضحكة نشاز، أو الهمس بـ: «أنا ـ وطن ـ حب ـ غضب ـ لا».

والحكم: عزلة في «زنزانة البياض المطلق». يُجلس المتهم على كرسي أبيض أمام جدار أبيض، بلا تحقيق ولا ضرب، بل يُترك للعدم حتى يبدأ رأسه بالتحنط.

4 ـ الخلل الأول

في الطرف، يقع «مركز معالجة النفايات الصوتية» لتصفية الأصوات التي تفلت سهوًا: تثاؤب، قرقرة معدة، طقطقة أصابع، أو أغنية قديمة تسربت من ذاكرة أم.

في إحدى الليالي، صدر من إحدى الكبسولات سؤال خافت:

«لماذا؟»

توقفت المحركات ثلاث ثوانٍ كاملة؛ ثوانٍ اتسعت فيها حدقات العيون، كأنها تبحث عن تعليمات في العدم.

ثلاث ثوانٍ بلا تعليمات، لم تكن أجهزة الرقابة تعرف فيها كيف تصنّف السؤال، قبل أن يعود الضوء ويصدر البيان التالي:

«نعتذر عن هذا الخلل الفني».

لكن تلك الثواني الثلاث لم تكن خللًا... كانت السقوط الأول لهيبة النظام.

5 ـ اكتشاف الملامح

بدأ الأمر بشيء لا تظهره الكاميرات؛ وسواس خفيف يتسلل إلى اليقين. صورة الرجل الذي استيقظ داخل حلمه، والسؤال «لماذا؟»، كانا يترددان في صدري كترنيمة قديمة.

في أحد الصباحات، وجدت على كتفي ذرة غبار. صغيرة، ملوّنة، وبلا رقم تسلسلي. في اليوم الأول حبست أنفاسي، وفي اليوم الثاني مسحتها فعادت، وفي اليوم الرابع أخفيتها تحت ياقة قميصي كمن يخفي سرًا مجهولًا.

تسللت ليلًا إلى أحد المستودعات، رفعت الكفن الأبيض بحذر، ونظرت إلى المرآة.

للمرة الأولى رأيت وجهي.

لم يكن كاملًا، ولا ناصعًا، بل حمل ندوبًا قديمة وتجاعيد يابسة... كان صورة وجه بدأ يتحنط، وليس محلولًا في أنبوب.

حركت شفتي وقلت بصوت لا يستند إلى إذن:

«هذا أنا».

حين خرجت، رأيت رجلًا يركض في الشارع؛ لم يكن يهرب من الحراس، بل كان يركض فقط لأن جسده اشتاق لأن يتعب. قفز فوق حاجز الأمن واختفى، تاركًا خلفه ترابًا عصيًا على الشفط.

6 ـ قيامة الطين

في الصباح التالي، حدث ما لم تحسب له أجهزة الطقس حسابًا. انطفأت الحاضنة، واهتزت القارورة المغلقة، وانفتحت السماء ليتساقط المطر بغزارة غير مبرمجة. كل قطرة تسقط على الإسفلت المصقول كانت تحدث ثقبًا أسود في البياض المطلق...

تضاربت مكبرات الصوت، وأومضت الشاشات بالأحمر:

«تنبيه: تلوث بيولوجي، يرجى العودة إلى وحدات التعقيم فورًا».

لم يتقبل المواطنون المطر بفرح فورًا؛ كانت الصدمة قاسية. تعالت الأصوات، وارتبكت أجساد أضناها الجفاف.

تقدمتُ بخطوات ثقيلة، مددت يدي، ورفعت الماء إلى وجهي. ثم انحنيت، جرفت قبضة من التراب المبلل، ولطخت بها جبهتي.

نظر إليّ رجل بجانبي، كان رقمه التسلسلي يرتجف على جبينه. تطلع إلى الطين الملطخ على وجهي، ثم فعل مثلي.

حين مسح الطين عن وجهه ورأى ملامحه المنعكسة في بركة الماء، لم يصرخ فرحًا... بل أطلق شهقة خوف طويلة، أعقبها بكاء شديد.

وفي لحظات، انتقلت العدوى.

لم يعد أحد يعرف أين تبدأ السماء وأين يذهب الماء.

انطفأت الشاشات تحت ثقل المياه المتدفقة. الأطفال الذين لم يعرفوا اللعب يومًا خاضوا في المستنقعات يكتشفون ملمس الأشياء، وامرأة جثت على ركبتيها تهمس بكلمات مبهمة، كأنها تعيد اختراع اللغة من جديد.

رفعت وجهي الملوث إلى السماء، فتحت فمي، ابتلعت المطر، وضحكت.

كانت ضحكة مرتبكة، خائفة، وغير مبرمجة... ضحكة كائن يعلم أن الغد لن يكون سهلًا، لكنه سيكون حقيقيًا.

كانت الجدران البيضاء تتشقق، وتسقط أغشيتها المعقمة، وتحت البياض كانت الحياة، بكل تبايناتها وألوانها، تخرج من مخبئها.

وكان الوحل يغطي وجوهنا وملابسنا:

قذرًا...

مخيفًا...

ولذيذًا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى