السبت ١٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

لست عليهم بمسيطر

حين يطمئن الوجدان إلى الحقيقة، يسقط عنه عبء الحراسة. لا يعود بحاجة إلى وصيٍّ يفكر عنه، ولا إلى جيوش تسوق الناس إليها، ولا إلى أسوار عالية تُقام حولها بحجة حمايتها.

العقيدة الواثقة لا ترتجف أمام السؤال، والفكرة التي تسكن القلب حقًا لا تحتاج إلى سلاح يقف على بابها. ما يحتاج إلى الحراسة الدائمة ليس بالضرورة هو الحقيقة، بل قد يكون خوف أصحابها من أن تُختبر.

لهذا يبدو التاريخ واضحًا في قاعدة قاسية: لا تُكمَّم الأفواه إلا حين تعجز الحجة عن إسكاتها، ولا يرتفع الصوت فوق الأصوات إلا حين لا يكفي الدليل وحده. فالقسوة ليست دليلًا على التقوى، والتشدد ليس برهانًا على الإيمان، والصراخ لا يضيف إلى الفكرة شيئًا سوى ضجيجها.

في التدين المنغلق تسود معادلة مقلوبة: كلما زاد التشدد كان الدين أصفى، وكلما ضاق الخناق على الناس عُدَّ ذلك غيرةً على الحق، وكلما اتسعت الوصاية عُدَّت حمايةً للعقيدة. بينما النصوص الربانية نفسها تهدم هذه المعادلة: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، و*وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ*. فكيف لدين جاء رحمةً للعالمين أن يتحول في أيدي بعض المتدينين إلى سيف مسلط على رقابهم، أو قفصٍ يضيق عليهم باسم النجاة؟

ولو عدنا إلى تراثنا، لوجدناه أبعد ما يكون عن الصورة الأحادية التي تُقدَّم عنه اليوم. لم يكن الفكر الإسلامي كتابًا كُتب بحبر واحد، بل كان ساحةً واسعة للمناظرة والاختلاف؛ مالك والشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل، وأهل الرأي وأهل الحديث، وكل واحد منهم يدخل بفكرته إلى ساحة النقاش، لا ليُلغي وجود الآخر، بل ليكتشف ما عنده.

ما بقي من ذلك التراث لم يبق لأنه كان صوتًا واحدًا، بل لأنه كان حوارًا طويلًا لم يخش أصحابه الاختلاف. أما حين يتحول الاختلاف إلى تهمة، والسؤال إلى جريمة، والاجتهاد إلى خروج، فنحن لا نحمي الدين؛ نحن نحمي سلطةً بشرية تتكلم باسمه.

وتسللت هذه الآفة من الفكر إلى علاقاتنا، حتى صرنا نظن أن التعايش يقتضي التطابق، وأن اختلافك معي تهديدٌ لي ونقصٌ فيك. صرنا نبحث عن نسخٍ منا، لا عن شركاء لنا، كأن العالم لا يتسع إلا لرأي واحد، وكأن النجاة لا تكتمل إلا إذا وقف الجميع في الصف نفسه.

فما الضرر في ألا نتفق؟ ولماذا نحول الاختلاف من مساحة نتنفس فيها إلى خنادق نحتمي داخلها؟ ولماذا نحتاج إلى إسكات الآخر كي نشعر أن صوتنا صحيح؟

نحن ننسى حقيقة بسيطة: الحق لا يصبح حقًا لأنه حَكَم، ولا لأن الجماهير صفقت له. الكثرة لا تمنح العصمة، والشيوع ليس شهادة صواب. انتشرت فلسفات خاطئة قبل أن تندثر، وظلت البشرية قرونًا تتصور أن الأرض ثابتة في مركز الكون، ولم يجعلها رسوخ الاعتقاد صحيحة.

وفي المقابل، كان الأنبياء في بداياتهم قلةً مستضعفة، ولم تكن قلتهم وضعفهم دليلًا على بطلان رسالاتهم. فالحق لا يقاس بعدد الواقفين معه، ولا بحجم ما يمتلكونه من سلاح وسلطة وضجيج.

الطريق إلى الحق كان في أحيان كثيرة أكثر وعورة من الطريق إلى الباطل؛ لأن الباطل يريحك من مشقة التفكير، بينما يجبرك الحق على أن تعيد النظر حتى في الأشياء التي ألفتها، وأن تفتح النوافذ التي اعتدت أن تبقيها مغلقة.

لذلك، دع الفكرة تمشي عاريةً بلا حراسة. دعها تواجه السؤال، والاعتراض، والنقد. إن كانت قويةً ستدافع عن نفسها، وإن كانت هشةً فلن تنقذها الأسوار طويلًا.

وقد اختصر القرآن هذا كله في آية تحدد وظيفة صاحب الرسالة نفسه، فكيف بمن دونه: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ.

ليست مهمتك أن تقتاد العقول، بل أن تضع أمامها ما تراه حقًا، ثم تترك للناس مساحة الاختيار. فالسماء لا تحتاج إلى وصاية كي تبقى سماء، والدين لا يحتاج إلى إكراه كي يبقى دينًا: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.

إن سطوة الحقيقة في هدوئها؛ لا تصرخ لأنها لا تخشى ألا تُسمع، ولا تغلق النوافذ لأنها لا تخاف الضوء. أما الضجيج المرتفع والأسوار العالية، فكثيرًا ما تكون ستارةً تُخفى خلفها هشاشة المنطق.

بعض الأفكار لا تبقى لأنها صمدت أمام المحاكمة، بل لأنها نجت من السؤال، حتى أصبح مجرد التشكيك فيها تهمة. وهنا تبدأ الخطورة: حين تصبح حماية الفكرة أهم من اختبارها، وحين يصبح الدفاع عن قداسة الأشخاص أو الجماعات أهم من البحث عن الحقيقة.

فالحقيقة لا تتجلى حين نعثر على إجابة لكل سؤال، بل حين نمتلك شجاعة طرح الأسئلة التي تجنبها الجميع.

من الذي أقنعنا أن السؤال حرام؟ ومن الذي أقنعنا أن مجرد التفكير خطر؟ ومن أعطى بشرًا مثلنا مفاتيح عقولنا، ثم أقنعنا أن تسليمها لهم نوع من التدين؟

الحقيقة لا يُخاف عليها من النقد، بل يُخاف عليها من الوصاية. ولهذا قيل له، وهو المعصوم: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ.

فما بالكم بمن هو دونه؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى