الانقلاب المسرحيّ على المثال
الملخّص باللّغة العربيّة:
شكّل مسرح الرّحابنة في لبنان، ما يشبه الوضع الأولي لحكاية الحياة وأقصوصة الوجود، فلا بدّ من وضع طارئ يبدّل هذا الوضع، ويعكّر صفاء هدوئه، لتولد حبكة وعقدة تحتاج إلى حلول ووضع أخير، ويشكّل ضوءًا في عتمة الناس الحالكة، مولّدًا صدمة تهتزّ بها الثوابت، وتتمدد الأشكال النهائية للأشياء، أو ما توهّم الناس أنّها شكل نهائي للفكر والحياة.
هذا العنصر الطارئ والمبدّل تكفّل به (زياد الرحباني)، الخارج من رحم والديه وعمّه، والنافض عن ألواح كتاباته طباشيرهم، وعن أوراقه حبرهم، وعن آلاته الموسيقية نوتاتهم وأوتارهم، وعن مسارحه خشباتهم وستائرهم. فهو الحالة الانزياحية الّتي اخترقت كتلة الأهل الإسمنتية، عبر تقويض الأعمدة الخيالية التي رفعتها. وكأنّ (زيادًا)، وبمشرط الطبيب الواقعي الخارج من المدرسة الواقعية الماركسية، حمل على عاتقه تحريك أدران الجسد اللبناني لاجتثاث المؤلم فيه عبر رؤية تغييرية سيّرت الأمور على الأقدام بعد أن سيّرها ذووه على رأسها عقودًا من القرن العشرين. وهنا يقترب (زياد الرحباني) من الشقّ المغاير لما تبنّاه اليمين من قول هيغل حول عقلانية الواقع، مرتديًا ثوب اليسار الذي اتخذ من الشعار نفسه سببًا للتغيير إذ رأى أن كلّ ما هو عقلاني واقعي، وهذا الواقع ليس عقلانيًّا ولا يمكن أن يكون كذلك إلا عبر ثورة تغييرية تقلب الأمور رأسًا على عقب، فتهدم صروح المثاليات والرسوم الفارغة لإعادة بناء الواقع بما يليق به أكثر. وهنا نجدنا أمام أبطال خلعوا عنهم عباءة المثالية الملحمية التي كانت فضفاضة على الواقع، ليستحيلوا أبطالًا إشكاليين لا انسجام بين ذواتهم وموضوعاتهم، وليس من آلهة تحدد مصائرهم، بل راحوا يبحثون عن مثل في عالم لا مثل فيه، راسمين هوياتهم، ومحددين ماهيتهم من خلال ما يختارون بأنفسهم من خيارات فرضتها صورة الحياة القائمة على صراع المتناقضات.
وبهذا سنكون أمام إشكالية ثنائية الحداثة والتراث، إذ ستحاول الدراسة أن تجيب عن الكيفيّة التي أسهمت في إحراج مسرح زياد المتبني الفوضى البنّاءة، طريقة أبيه وعمّه في رسم صورة مثاليّة لا يمكن تحقيقها عملت على تسكين الجمهور، عبر وعود من الخيال.
الملخّص باللغة الإنكليزية:
Ziad Rahbani’s Act “Shi Feshil”: The Theatrical Coup against the Ideal
The theater created by the Rahbani brothers (Ziad’s father and uncle) always felt like a fairy tale and a peaceful, idealized version of life. In their plays, a problem would arise, but it was almost always solved in a way that kept the audience feeling comfortable and hopeful. It was a kind of "dream world" that felt complete and unchanging.
Then came Ziad Rahbani. He didn’t just follow in his family’s footsteps; he completely broke away from their style. He wiped away their "chalk," their "ink," and their "notes." He acted like a surgeon using a sharp, realistic blade to cut into the real problems of Lebanese society. While his family’s plays focused on ideals and dreams, Ziad focused on the messy, painful reality. He wanted to flip the script, taking the country off its head and putting it back on its feet.
Ziad took a political, Marxist-inspired approach. He believed that the world isn’t "rational" or perfect the way it is , in fact, it’s quite broken. He believed that to make things right, you have to tear down the fake, pretty pictures of society and rebuild them based on real, difficult truths. In his plays, his characters aren’t perfect heroes guided by fate. Instead, they are "problematic heroes, flawed people trying to find their way in a world that doesn’t have easy answers. They define themselves through their own choices and struggles, not through someone else’s vision of what life should be.
This study looks at the clash between the old ways and the new. It explores how Ziad used "constructive chaos" to challenge the work of his father and uncle. While the older generation tried to soothe the audience with beautiful, impossible dreams, Ziad used his plays to wake them up.
مقدّمة
يعدّ المسرح الفنّ الأقدم على الصّعيد الكونيّ، ومن خلاله ومن خلال الملاحم القديمة، تبلورت النظريّات الأدبيّة، وحوكم الشعراء والفنانون انطلاقًا من مدى تأثيرهم في المتلقّي منذ أفلاطون وأرسطو ونظريتهما المحاكاة الّتي كان للدراما والكوميديا نصيب وافر في طيّاتها وولادة مبادئها.
وتطوّر هذا الفنّ، وشهد تحوّلاتٍ وتبدّلاتٍ بتبدّل أنماط الحياة وتحوّلاتها، ما يثبت أنّه فنّ من الفنون التي تواكب الحياة تقدّمًا وتغيّرًا.
وشكّل الغرب، منذ القدم، الحيّز الأكثر اتّساعًا لاستيعاب هذا النوع الثقيل من الفنون الإبداعية، في حين أنّه ظلّ بعيدًا من اهتمامات المبدعين العرب منذ بواكير الفنون الأدبيّة، تلك الفنون الشعرية والنثريّة التي فرضتها الحياة. وقد يكون السبب الرّئيس في تغييب هذا النوع من الفنون وكذلك الملاحم، عن اهتمام العرب، هو سبب جغرافيّ وثقافي في آن معًا. فالبيئة الصحراوية قديمًا، حكمت الخيال العربيّ بالمحدودية وجلّ ما فعله الشعراء التعبير عمّا هو كائن عبر القبول بعيدًا من التوقّع، انسجامًا مع ترامي الرمال وإسقاط ما يشبه العجز عن تخطّيه حسب العقلية الواعية واللاواعية في ذلك الوقت، بالإضافة إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، حيث التّرحال المستمرّ بحثًا عن مقوّمات العيش أكثر من مقوّمات الحياة، ما جعل الأدب أقرب إلى حجّة أفلاطون ـ المأخذـ على الشعراء، وهي أنّ الشعر يحاكي ما هو كائن، بينما أثبت الفنّ الغربيّ القديم، وعبر بيئة مائية تحفّز المخيلة على التفكير في ما وراء آكام الموج، أنّه الفنّ الذي لا يكتفي بمحاكاة ما هو كائن بل هو القادر على خلق ما يمكن أن يكون، وهذه كانت الحجّة الأقوى في ردّ أرسطو على أستاذه أفلاطون. هذا بالإضافة، إلى الجانب الديني والفكري، إذ ساعد الجو الوثني الغربي قبل الميلاد، على ولادة مثل هذه الفنون حيث سيطرة تعددية الآلهة، في حين أنّ الوثنيّة العربيّة، قبل القرن السابع وظهور الإسلام، لم تسعف الفنانين وتساعدهم في توليد فنّ آخر نظرًا إلى عدم احتكارها التفكير السائد حيث وجود الديانات التوحيدية قلل من هيمنتها فكريًّا وإن هيمنت اجتماعيًّا واقتصاديًّا، ثم جاءت الدعوة المحمّديّة لتضع حدًّا للشّعر ولكل فنّ آخر لا ينسجم وطبيعة الطرح الإيمانيّ التوحيديّ الجديد.
لكنّ المسرح انتعش وازدهر في مرحلة النهضة واحتكاك سواحل الغرب بالشرق، واستيقاظ العربيّ على حقيقة نفسه من خلال مرآة الآخرين، متسائلًا عن الهويّة الضائعة أو المتشظية في كلّ ما أنتج من فنّ ومنه المسرح، حيث انقسام الناس ثلاث فئات، الأولى وجدت في القادم من وراء البحار بذرة استعمارية على الرغم مما تحمله حملاته من مقوّمات التحضّر كالهندسة والصحيفة والمطبعة والفنون، فانقلبت نحو الوراء متترّسة بصَدَفة الماضي للوقاية وحماية الهويّة والثقافة العربيّتين والإسلاميّتين، فاستحال أصحاب هذا القرار أقرب إلى سلاحف تخبّئ رؤوسها تحت بيتها حين تشعر بأي حركة قريبة فتصبح متأخرة عن السباق. وفئة وجدت في ذاك الغريب الغازي منقذًا وملاذًا وخلاصًا من تراكمات الانحطاط وسياجات التخلّف، فذابت في بحيرته حتّى الاستلاب والتخلّي عن حقائب التراث الثقيلة التي ضاقت على محمولها ومحتواها، والهويّة والمعرفة الممتدة قرونًا. وفئة دعت إلى الموضوعية في التعامل مع هذا الدخيل/ الفعل الذي أصبح واقعًا لا مفرّ منه، وكلّ من يهرب أمامه يقدّم له مقتله، وكلّ من يركب بحره من دون بوصلة يصبح غريقًا من دون مركب نجاة، فكان التوفيق بين الحمولات الجاهزة والأمور الوافدة والطّارئة، عبر التلقيح والتّطعيم، فلم تشرّع النوافذ كلّها للحصول على ما تحتاج من هواء لتتنفّس، فيدخل مع الهواء الحشرات والغبار وما يهدّد البقاء، ولم تغلق الأبواب والشبابيك في وجه الآتي من رياح ونسائم كي لا تختنق، بل عملت على وضع شبكة لتنقية المأخوذ وفلترته، فلم تكن إسفنجة وجدت نفسها فجأة وسط سيل من المطر والماء والأتربة، فراحت تمتصّ، عشوائيًّا، ما تحتاج من أمواه صافية من دون تجنّب للموحل والمعكّر منها أيضًا، حتى وصلت إلى حدود التخمة القابلة للانفجار.
بدأ هذا البرعم الفني بالنموّ على رسله، عبر ارتوائه بماء الوجود والحياة العربية المتدفّق من مختلف الينابيع الوجودية والوعي القائم الفعلي، خاصّة في مصر وبلاد الشامّ، حتّى وصل إلى ما وصل إليه في منتصف القرن العشرين وصولًا إلى اليوم، حيث الواقعيّة المسيطرة على التفكير العربيّ منذ ذلك الوقت، حدّدت أصول هذا الفنّ ورسمت له الطريق وخطوطه العريضة، إذ إنّ ازدهاره رافق تحوّلاتٍ سياسيّة واجتماعيّة شكّلت منعطفاتٍ رئيسة في تاريخ الأمّة، خاصّة في ما يتعلّق بمجيء الاستعمار ورحيله، ونشوء الفكر القومي والماركسي، بالإضافة إلى الفكر الديني الّذي لم يغب عن الساحة قطّ، بالإضافة إلى ولادة القضية المركزيّة العربيّة وهي القضية الفلسطينية بعد ما حصل مع النكبة وما تلاها من هزائم ونكسات واحتلالات وانتصارات.
المدرسة الرّحبانية المثلّثة الأضلاع
إزاء التغيّرات والمخاضات المتنوّعة، ظهرت المسارح والمسرحيّات التي استقى أصحابها من آبار الواقع قضاياها وموضوعاتها. وقد ارتبطت مسرحيات بأسماء أصحابها وتلوّنت بصبغتها، مهما كان المذهب الفني الذي انتمت إليه، حيث بصمات الكتّاب والمخرجين والملحّنين كانت تظهر عند افتتاح ستارة خشبة المسرح، أو عند صوت أوّل نوتة موسيقيّة تعمّ المكان. ومن بين هذه المدارس المسرحيّة، كانت المدرسة الرحبانيةـ نسبة إلى الأخوين الرحباني (عاصي ومنصور)ـ قد سيطرت على الساحة الفنية منذ بدايات النّصف الثاني من القرن الماضي، وأكثر ما ميّزها أيضًا، ارتباطها غنائيًّا بصوت السيّدة (فيروز) وجهابذة من المغنّين والملحّنين الآخرين.
وليست هذه الدراسة مطالبة بالتعريف بالمسرح الرحباني الأساسي، إذ لن يزيد هذا التعريف على تاريخ تلك المدرسة أي إضافة جديدة نظرًا إلى استنزافها دراسيًّا ونقديًّا وتوصيفًا. ولكنّ طبيعة هذا البحث تحتّم علينا أن نشير إلى أنّ مدرسة الأخوين الرحباني، رسمت صورة مثاليّة للبنان. صورة طوباوية من الصّعب أن تتحقق، اعتمد القيّمون عليها وعلى رأسهم (عاصي ومنصور) الماضي بما فيه من صور مشرقة وجميلة مشكوك في حدوثها كما خطّتها صفحات التاريخ. فكان لبنان الحلم، لبنان المختلف عن واقعه وطبيعة أهله وناسه القائمين على آتون من البارود القابل فتيله للاشتعال في كل وقت ولأي مناسبة جوهرية أو سطحية ساذجة، نظرًا إلى تركيبة البنية الوجودية للشعب اللبناني التي يتوقّف نفوذها ووجوده على الخلافات والتباينات الطائفية والمذهبية، إذ يتغذّى كل طرف ويقتات مما تركته الكتب والأسلاف ويبقى الطرف الثاني خصمًا وعدوًّا يتوقّف وجوده أيضًا على خصومة الأوّل ورفع شعارات تنعش الحس الطائفي على حساب الحس الوطني والمواطنة التي يطمح إليها كلّ من خرج من نمطية التفكير السائد وغرّد خارج سرب هذه النزاعات. وقد يكون هذا الإصرار على اللجوء إلى الحلم، ردّ فعل على العجز عن معالجة الواقع وإصلاح الفساد بالطرق المنطقية والوسائل العقليّة. وهذا يشير إلى أزمة الفنان وعصابيته، إذ غالبًا ما يكون ذا علاقة مضطربة بنفسه وبالآخرين وبالخالق أحيانًا، فـ"العصابيّ يكون مضطّربًا في علاقته بنفسه، وفي علاقته بالناس، وفي علاقته بالله." [1]. وهذا يؤكّد أنّ "الطبيعة الاجتماعية للعصاب تنبع من ميله الأصلي إلى الهرب من الواقع الذي لا يقدّم اشباعات ليلوذ بعالم وهميّ حافل بالوعود المعسولة" [2].ولكي يتّزن العصابي يلجأ إلى التماهي بما هو عصيّ على التحقق، والتسامي عبر الفن ورسم عوالم بعيدة من الحقيقة، بل قد يكون هذا عملية نكوص للهرب من واقع مهزوم أصبحت مجابهته لا جدوى منها، خصوصًا بعد سلسلة من الانتكاسات والانكسارات وخيبات الأمل المترسّبة في طبقات نفسيّة لاشعوريّة عميقة، إذ إنّ اللاشعور أو العقل الباطن هو مصدر عملية الإبداع الفني، فالفنان "عصابي يبدع في فنه كوسيلة من وسائل التسامي". [3]
زياد الرحباني والانقلاب على المثال
شكّلت ظاهرة التمرّد على المثال أو ما يعرف بالقدوة، أو الأنا الأعلى حسب تفسير علم النفس، لازمة شهدتها عصور مختلفة في التاريخ البشري. فقد خرج أرسطو مثلًا، من تحت عباءة أستاذه أفلاطون، داحضًا أبرز ما طرحه حول علاقة الشعراء بجمهوريته الفاضلة. ففي الوقت الذي رأى فيه أفلاطون قصور الشعراء عن معرفة الحقيقة مقارنة بالفلاسفة، وذلك لأنّهم مقيدون بنقل التقليد عبر المحاكاة، مفرّقًا بين عالم مثالي علوي وعالم سفلي تقليدي، جاعلًا الشعراء ينقلون ما هو كائن، مفسدين عقول العامّة وأخلاقهم، مثيرين الشفقة والخوف في النفوس، إلّا ما يخدم نظرته ومنهجه التأمليين الخارجيين، رأى تلميذه أرسطو، أنّ الفن الشعري ليس نقلًا لما هو كائن فحسب، بل قد يكون تعبيرًا عمّا يمكن أن يكون، وأنّ الشاعر قريب من الحقيقة أيضًا، وذلك عبر نظرة ومنهج وصفيين اختصاصيين داخليين، وصل من خلالهما إلى أنّ الفن لا يولد الشفقة والخوف ويفسد الأخلاق، بل يعمل على تطهير النفوس عبر التصفية والتنقية.
وكذلك خرج المجددون في الشعر العربي مثلًا، على مثاليّة القصيدة العربيّة الجاهلية وقيودها العروضية التي حددتها نظريات أثقلت الإبداع بقيود صارمة لم تكن فنيّة بقدر ما كانت أقرب إلى الأعراف الاجتماعية والأخلاقية، فتمرّد الشعراء وهزّوا ثوابت إسمنتية كانت عصيّة على التصدع والاهتزاز، خاصة في العصر العباسي، مرورًا بالأندلسيات، وصولًا إلى قصيدة التفعيلة وشعراء الحداثة، محدثين صدمة لدى المحافظين الذين وجدوا في هذه الحركات مشاغبة وفوضى جاء أصحابها لتكسير أصول الشعر واللغة.
ولم يختلف الأمر كثيرًا عمّا حصل بين أفلاطون وأرسطو، في ما شهدته العمليّة الاعتراضية الّتي قام بها كارل ماركس ضدّ أستاذه هيغل، مسيّرًا النظرية على قدميها بعد أن سيّرها هيغل على رأسها، وذلك عبر جدلية العلاقة بين الفكر والواقع أو المادة والوعي.
كل هذا الاستعراض لبعض حالات التمرّد والانقلابات الفنية والفكرية والفلسفية على المثال والقدوة، ليتسنّى لنا القول، بأنّ هذه الحالات الانقلابية الثلاث كلّها، يمكن اختزالها في ما فعله الفنان المسرحي والموسيقي اللبناني الإشكالي "زياد الرّحباني" الّذي غيّبه الموت عن الساحة الفنيّة في صيف العام ٢٠٢٥، تاركًا إرثًا فنيًّا، وطروحًا شغلت الوسط الفني والفكري والسياسي في حياته، واستمرّت على الحال نفسها في مماته.
شكّلت موسيقى (زياد الرحباني) انزياحًا عن معيارية الألحان التي قدّمتها المدرسة الرحبانيّة، ولكن ليست الموسيقى الموضوع الرئيس لهذا البحث، وإنّما التطرّق إليها شيء لا بدّ منه نظرًا إلى اختلاط مسرحياته بالموسيقى والغناء. وعلى الرّغم من تعدد الأفرع العائدة إلى شجرة الرحابنة الأساسية المتمثّلة بـ(عاصي ومنصور)، إلّا أنّ بصماتها لم تغب كثيرًا عن أعمال الجيل الثاني وظلّت صفة الرحابنة متناسلة إلّا مع زياد، إذ شقّ طريقه مخترقًا تلك السواتر التي أقامها الأهل واشتقّ لنفسه صفة خاصة عرفت بموسيقى (زياد) والمسرح الزيادي، لا بل شكّل ظاهرة زياديّة تركت آثارها لدى شريحة كبيرة من المتلقين ومنهم موسيقيون ومؤلفون تقمّصوا شخصيته وراحوا يقلّدون أداءَه وتصرفاتِه في أعمالهم وفي ممارساتهم اليومية.
المسرح الزيادي: انقلاب الفوضى على الاستقرار
اتّسمت مسرحيات الرحابنة بما يشبه الاستقرار، وكانت أقرب إلى الملاحم التي تخلق انسجامًا بين الذات والموضوع، وتصنع أبطالًا وهميين وإن ارتدوا أثواب شخصيات تاريخية لبنانيّة ورومانيّة وفينيقية وعربيّة حقيقية، لكنّهم أبطال تَحدّدَ مصيرُهم قبل انطلاق حركة الممثلين كما كانت حال أبطال الملاحم الّذين تسيرهم الآلهة وتمشي في ركابهم، وتجعلهم مطمئنين في ما سيقدمون عليه. وبهذا وفّر مسرح الرحابنة حيّزًا من الاستقرار والهدوء وإن توهّم المشاهد والجمهور بأنّ هذا الاستقرار جاء نتيجة تمخّض وعذاب من الفوضى. وإزاء هذا الواقع، اقتربت مسرحيات الرحابنة من الشقّ الأوّل لصورة الصراع الديالكتيكي الهيغلي الّذي اتّخذه اليمين وقتها حجّة لدرء الثورة ومحاولات التغيير إذ رأوا في قول هيغل "كلّ ما هو عقلاني واقعي" أنّ الواقع عقلاني وأيّ ثورة أو تغيير له لن يجلبا سوى الفوضى والتدمير، "أيّ إنّ الواقعي قانوني ونظامي، ولذلك تصبح الثورة فوضى وتستدعي ضبطًا تقوم به الطبقة الحاكمة". [4]
وعلى الرّغم من اتّكاء الأخوين الرحباني على عصا الواقع والحياة، إلّا أنهما تجاوزا تفاصيل الواقع وحلّقا عاليًا في عالم أقرب إلى السورياليّة من الصعب الحصول عليه أو تحقيقه كحلم. وقد ارتضى الجمهور هذه العوالم، وتلقّفوها كما لو كان تحقيقها قريبًا سيحصل غدًا أو بعد غد، وهذا لا يختلف كثيرًا عمّا فعله المؤلفان هربًا من انهزام الواقع وتصدعاته، فكأنّ هذا الشعور باللاستقرار وجد الجمهور في مسرحيات الرحابنة خلاصًا منه وتصفية وتطهيرًا كما أشار أرسطو في حكمه على الشعر والفن والمسرح.
هذا الهدوء المسرحي ذو الحالة المستقرة على الرغم من المعارك وخفق البنود، وتطاير الرماح، وقعقعة البواريد، وأصوات طبول الحرب، ومزامير الجيوش، وصهيل الخيول... وسّع الهوّة بين العمل المسرحي الرحباني والجمهور الراضي به لأنّه أراحه وانتزعه من واقع مزر لم يعد في الإمكان السيطرة عليه، حتى وصل الأمر إلى اقتراب مسرح الرحابنة من الأفيون المسكّن، والوهم الذي تعلّق به الغارقون في بحار التعب الحياتي، ما جعل تخليص الناس من رمالهم المتحركة ضرورة للقضاء على الوهم والخيال وما يتعلّقون به مما هو بعيد من حيواتهم اليومية. وكأنّ مسرح الرحابنة الوضع الأولي لحكاية الحياة وأقصوصة الوجود، فلا بدّ من وضع طارئ يبدّل هذا الوضع، ويعكّر صفاء هدوئه، لتولد حبكة وعقدة تحتاج إلى حلول ووضع أخير، ويشكّل ضوءًا في عتمة الناس الحالكة، مولّدًا صدمة تهتزّ بها الثوابت، وتتمدد الأشكال النهائية للأشياء، أو ما توهّم الناس أنّها شكل نهائي للفكر والحياة.
هذا العنصر الطارئ والمبدّل تكفّل به (زياد الرحباني)، الخارج من رحم والديه وعمّه، والنافض عن ألواح كتاباته طباشيرهم، وعن أوراقه حبرهم، وعن آلاته الموسيقية نوتاتهم وأوتارهم، وعن مسارحه خشباتهم وستائرهم. فهو الحالة الانزياحية الّتي اخترقت كتلة الأهل الإسمنتية، عبر تقويض الأعمدة الخيالية التي رفعتها. وكأنّ (زيادًا) وبمشرط الطبيب الواقعي الخارج من المدرسة الواقعية الماركسية، حمل على عاتقه تحريك أدران الجسد اللبناني لاجتثاث المؤلم فيه عبر رؤية تغييرية سيّرت الأمور على الأقدام بعد أن سيّرها ذووه على رأسها عقودًا من القرن العشرين. وهنا يقترب (زياد الرحباني) من الشقّ المغاير لما تبنّاه اليمين من قول هيغل حول عقلانية الواقع، مرتديًا ثوب اليسار الذي اتخذ من الشعار نفسه سببًا للتغيير إذ رأى أن كلّ ما هو عقلاني واقعي، وهذا الواقع ليس عقلانيًّا ولا يمكن أن يكون كذلك إلا عبر ثورة تغييرية تقلب الأمور رأسًا على عقب، فتهدم صروح المثاليات والرسوم الفارغة لإعادة بناء الواقع بما يليق به أكثر. وهنا نجدنا أمام أبطال خلعوا عنهم عباءة المثالية الملحمية التي كانت فضفاضة على الواقع، ليستحيلوا أبطالًا إشكاليين لا انسجام بين ذواتهم وموضوعاتهم، وليس من آلهة تحدد مصائرهم، بل راحوا يبحثون عن مثل في عالم لا مثل فيه، راسمين هوياتهم ومحددين ماهيتهم من خلال ما يختارون بأنفسهم من خيارات فرضتها صورة الحياة القائمة على صراع المتناقضات.
فمن مسرحيّة (سهرية) الموسيقيّة و(نزل السرور) اللتين عرضهما قبل الحرب الأهلية، حمل زياد شعار تحريك بركة الواقع من خلال رمي حجر فيها، وذلك من خلال الدخول في تفاصيل ما يهمّ المواطن، مطلًّا على حركة الناس القابلة للانفجار والثورة، متنبّئًا بالحرب الأهلية قبل حصولها "كنّا بأحلى الفنادق جرجرونا علخنادق" [5]. ثمّ جاءت مسرحيّته الشهيرة (بالنسبة لبكرا شو) في ذروة الحرب الأهلية، وفي الوقت الذي ما زال أبواه وعمّه يغنّون للمثاليات البعيدة من واقعيات الحرب، ويدعون المغتربين إلى العودة وكأن شيئًا لم يحصل قطّ. فأطلّ في هذه المسرحية على هموم الناس، وصعوبة العيش وما يضطر المواطن إلى دفعه ضريبة الحصول على لقة العيش، موظّفًا في ذلك قدراته الموسيقية وأصوات شباب شكّلوا بولوفونية انتهت بما يشبه الصوت الواحد، وهو الواقع. حتّى إذا مرّت سنتان، والحرب ما زالت مشتعلة، أفرغ زياد ما في جعبته من قدرات ورؤى فكرية وسياسية وفنية إبداعية، لتتجمّع فوق مسرح تدفّق إليه الناس على الرغم من خطورة الطرقات ورصاص القناصين، ليشهدوا واقع الحرب الأهلية مختصرة في مسرحية (فيلم اميركي طويل). وبدلًا من عالم المثل الذي اعتاد عليه جمهور الرحابنة، أوقف زياد الناس أمام مرآة الحقيقة الصعبة والواضحة، فإذا الوطن عبارة عن مصّحة عقليّة والحرب الواقعية الرسمية، هي السبب المباشر والأبرز في ما دخل إليه المواطنون من آتون العقد والأزمات الهيستيرية والنفسية العصابية المرضيّة، ليتكلل هذا الأمر بعد ثلاث سنوات في عرض المسرحية التي لم ينقصها سوى تسمية عاصي ومنصور وفيروز بالاسم والنقد، وهي مسرحيته الأشهر (شي فاشل).
مسرحيّة شي فاشل صرخة المسرح في وجه المسرح لإيقاظه
شكّلت المسرحيات السابقة، كما أشرنا، وما تلا مسرحية (شي فاشل)، صرخاتٍ في وجه عالم المثل الّذي خدّر به عاصي ومنصور عقول الناس، لكنّها صرخات ظلت مقنّعة وملتوية بعيدًا من الوضوح والصوت المباشر. لكنّ مسرحيّة (شي فاشل) خلع زياد من خلالها، قناع المداراة، ولبس الوجه الحقيقي الذي يريد للناس أن يلبسوه أيضًا. وعلى خشبة المسرح، يعلن المؤلف نيّته إخراج مسرحيّة، وهنا المسمار الأوّل في نعش المداراة السابقة، إذ أعلن النيّة والهدف وطبيعة المسرحية التي لا صلة لها بما رسمه كبار الرحابنة إلّا في حلم أهل الضيعة وهو العيش الهانئ، لكنّ المؤلّف عرف كيف ينقلب على سابقيه، مؤكّدًا صعوبة هذا العيش المشترك، فأفشله بما حشده من وسائل واقعية وواقعيات رسميّة، بطريقة تختلف عما فعله الأهل من إيجاد حلول أقرب إلى العجائبية والخوارق.
المسرحيّة كتبت وعرضت في بداية الثمانينيات، متزامنة مع احتلال الصهاينة لبنان وصولًا إلى بيروت، وخروج المقاومة الفلسطينية ثمّ انسحاب الجيش الإسرائيلي من بيروت. هذه الأحداث شكّلت منعطفاتٍ فيصلية في تاريخ البلد وتحديد الهوية. فحاول زياد أن يصوّر هذا الواقع المفتت تحت محراث الخلافات الطائفية والحزبية عبر عرضه مسرحية داخل المسرحية، لأبناء قرية تجمعهم المحبة والإيمان بالأرض والإنسان، محاولًا تكريس شعار لا صلة له بالواقع وهو (كلّنا أخوة). ولأنّ المؤلّف ليس مقتنعًا بهذا الشعار كرره غير مرّة ليكشف عن فراغ معناه عبر صوت إحدى شخصيات المسرحية (أبو الزلف): "ما دامكن أخوة شو فيه داعي تكررها" [6].
كثيرة هي القضايا التي عالجتها المسرحية المزدوجة، ومنها انتقاد طرق المسرحيات وعرضها حيث النسيج اللامتجانس وإن أوهم المتلقين بذلك. كما سلّط زياد الضوء على الفنانين الذين يتوهم الجمهور أنّهم ذوو ثقافة عالية لكنّ أي استحقاق حقيقي يكشف هشاشتهم وفراغهم وكأنهم فزاعات حقول تغش الناظرين وعند هبوب نسمة خفيفة تكشف فراغها وضعفها، مختصرًا ذلك بكلمة "يا أهلين" [7] عند توجيه الصحافيين أسئلة محرجة وصعبة إليه.
لكنّ القضية الأبرز التي أراد زياد أن يقدّمها، موكلًا ذلك إلى الأستاذ "نور" المؤلّف المسرحي داخل المسرحية، كانت قضية الحرب وما كشفته عن هشاشة نسيج العيش المشترك الذي يتفاخر به اللبنانيون عادة. بالإضافة إلى القضية المركزية أيضًا وهي قضية العلاقة الإشكالية بين الحداثة والتراث، وعبر هاتين الثيمتين يوجّه زياد الرحباني سهام قوسه نحو قلاع مدرسة المسرح الرحباني الأساسي الذي كان يتجنب الخوض في موضوع الحرب الداخلية، بل جلّ ما كان يفعله تصوير الحروب مع أعداء خارجيين، بالإضافة إلى غضّ النظر عما تقدّمه الحياة من طروح جديدة، إذ أكثر ما ركّز عليه مسرح الرّحابنة جمال الحياة التراثية القديمة ومحاولة ترويجها على حساب الواقعيات الرسمية الجديدة [8]. وبهذا يكون زياد قد دشّن المسرح الواقعي بكل وضوح، إذ عبر مسرحيته المزدوجة، بيّن صورة الصراع الطائفي من خلال خلافات الممثلين في أثناء التدريب، وذلك من خلال الخلاف وتعدد وجهات النظر حول الغريب المتهم بسرقة الجرة رمز التآلف والوحدة والمحبة بين الناس. ففي حين وجد فريق أنّ الفلسطيني هو الغريب، وجد الآخر أنّ الإسرائيلي هو الغريب [9]، متناسين أن جذور الخلافات موجودة في تربة البلد والمواطنين وهذا ما ينبغي التخلّص منه أوّلًا.
أمّا القضية الثانية، وهي الرد المباشر على عاصي ومنصور وفيروز، فهي قضية العلاقة بين التراث والحداثة. فمن المعروف، أنّ الحياة تشكّل مسرحًا واسعًا لتمظهر الصراعات المختلفة فوق خشباته، إذ إنّ الصّراع، مهما يكن نوعه، هو سلوك تدفع بأصحابه حوافز كثيرة، وعلى رأس هذه الحوافز حافز الاعتراف بالذّات. ويعود ذلك إلى الرّغبة الّتي تحرّض الذّات على السّعي إلى إثبات وجودها، مشكّلة أبهى صورة للوعي الذاتي. وهذه الذّات الرّاغبة في البحث عن وجودها من خلال الموضوع، غالبًا ما تسبّب تناقضًا بينها وبين موضوعها وقد يؤدّي إلى تدميره، "أي تعمل الذّات إلى تدمير أي مظهر استقلالي عنها." [10].
وهذا يجعل الذات الباحثة عن معنى وجودها، تصطدم بمرآة الحقيقة، حيث تحيط بها مجموعة من ذوات أخر قد تكون ساعية إلى الهدف نفسه، "وهذا ما يدفع إلى صراع الحياة والموت، وتاليًا إلى الاعتراف المتبادل" [11]. هذا المأزق الذي وجدت الذات نفسها فيه، وقد تجلّى في طرح المسرحيّات الزياديّة، يحسب من المحرّكات الأساسيّة لعجلة الحياة وسيرورة الزمن، إذ يعدّ هذا المصير الإرادي هويّةً أساسيّةً تميّز الإنسان عن غيره من الكائنات التي أكثر ما تطمح إليه وترغب به، المأكل والمسكن والبقاء، بينما يحدّد الإنسان ماهيّته ووجوده من خلال اختياراته الصعبة في خضمّ المتناقضات، وهذا يؤكّد أنّ الإنسان يتميّز عن باقي الكائنات بأمور وصفات كثيرة، ومنها أنه ليس كأي مصنوع، تنتجه مخيّلة تتصوّره قبل مجيئه... بل هو الذي وجد نفسه في هذا الكون تحت ثقل امتحان كبير، يعمل من خلاله على تحديد ماهيّته واختيار هويّته عبر اتّخاذه القرارات الصعبة، وتحديد ما يريد من مسارات متناقضة... فـ"الإنسان ملقى به في العالم ليواجه مصيره، فباختياراته وقراراته وانتماءاته سيحدّد ماهيّته بنفسه" [12]. وهذا ما يؤكّده القرآن الكريم قبل الطرح الفلسفي الوجودي والمادّي، إذ يؤكّد أنّ الأمانة لم يحملها سوى الإنسان، وهي الاختيار المحيّر وانتقاء الأفضل، (إنّا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولَا) [13].
وبهذا يمكن التأكيد، أنّ التاريخ تحرّكه هذه الصراعات المتنوّعة، وأنّ لا مجتمع يخلو منها عدا مجتمع الفردوس الذي يعدّ خارج إطار الحياة، مجتمع رسمته الأديان. وما دون هذه الجنّة، فإنّ الصراع شرط الحياة. "وقد يضعف أو يستكين أو يُقمع، لكنّه سرعان ما ينتفض ليؤكّد أنّ الإنسان لا يزال على قيد الحياة، وأنّ الحياة مستمرّة والتاريخ مستمر، أقلّه في المفهوم الذي لنا حتى الآن عن الإنسان والحياة والتاريخ." [14].
وهكذا، فمن مظاهر الصّراع الّذي لا يمكن أن يكون حكرًا على زمان من دون آخر، أو على مكان من دون سواه، الصراع بين الأصالة والحداثة الّذي غالبًا ما يكون قابلًا للاشتعال عند الشّعور بخطر المتغّيرات الّتي يمكن أن تصيب الثوابت الأقرب إلى الآيات المقدّسة حيث يستميت المحافظون في الدفاع عنها، في حين يجد فيها المجدّدون حالات صنميّة ينبغي تقويضها لأنّها تعرقل طريق التقدّم والتطوّر، ليخرج فريق يسعى إلى التوفيق بين طرفي الصّراع.
فبواقعية مدروسة، صوّب زياد الرّحباني أصابعه نحو جوهر القضية، إذ لم تكن سيطرة التراث إلا عملية نكوصية للهرب من مجابهة الواقع العصي على المواجهة، حيث إنّه "في أعماق كلّ إنسان آثارًا طفولية أو بدائية يرجع إليها في اضطرابه ليستعيد توازنه المفقود فيأتلف مع ذاته من جديد" [15]. والتراث لدى الفنانين عمومًا والرحابنة خصوصًا، شكّل الطريقة الأسهل لاستمالة الجمهور لما هناك من قنوات وجسور بين الإنسان وقداسة التراث، حيث "إنّ المعطيات التراثية تكتسب لونًا خاصًّا من القداسة في نفوس الأمّة ونوعًا من اللصوق بوجدانها، لما للتراث من حضور حيّ ودائم في وجدان الأمّة. والشاعر حين يتوسّل إلى الوصول إلى وجدان أمّته بطريق توظيفه لبعض مقومات تراثها يكون قد توسّل إليه بأقوى الوسائل تأثيرًا عليه" [16]. أو كان عبارة عن حنين ونوستالجيا اقتنعنا بهما لأنّنا غير مؤهلين لمواكبة الحياة الجديدة ففضلنا الانحدار السهل على التسلّق الصعب، لينفجر المسرح داخل المسرح عبر خروج إحدى الشخصيات التراثية اللبنانية الفلكلورية التي أتخمت بها المسرحيات الرحبانية، وهي شخصية (أبي الزلف) ليفضح صورة الواقع الحالي، ويهدّم مشروع المسرحية الرومنسية فاضحًا انتهازيّة المخرج في استغلاله قضيّة الغريب، وليبيّن أنّه متحضّر أكثر ممن يعتمدونه رمزًا للحياة الأجمل، طالبًا من المخرج (الأستاذ نور) أن يستخدم المصطلحات الآنية في أغانيه لأنّ المصطلحات السابقة قد استنزفت استخدامًا، وما هو متداول وواقعي يحتاج إلى من يستخدمه، فبدلًا من كلمات: عبالي دوالي ليالي.. فلنستخدم (ملّالي) أي الآلية العسكرية التي اجتاحت لبنان في أثناء الحرب، وكذلك استخدام كلمة القنبلة العنقودية. والقضية الأخطر، كانت عبر المسرحية الداخلية، وعلى لسان (أبو الزلف) هي قضية الانفصام الذي يعاني منه العربيّ المهزوم عمومًا، واللبناني خصوصًا في نظرته إلى الغرب، فهو يريد ما أنتجه الغرب ولا يريد الفكر الذي أنتج هذه الوسائل الحداثية، فيرى أبو الزلف أننا نعادي الغرب وهو من صنع لنا مدفأة وشراويل وأدوات للطبخ [17]
خاتمة
عبر الإبحار في عالم المسرح الرحباني، تبيّن أنّ مدرستين تقاسمتا الأعمال المسرحية، مدرسة الرحابنة المتمثلة بـ(عاصي ومنصور) المثالية المحلّقة عاليًا بعيدًا من تفاصيل الواقع، ومدرسة زياد التي انقلبت عليها وشكّلت صدمة أيقظ الجمهور على واقع الحرب وتفاصيل الوجود، مسيّرة الأمور على أقدامها بعد أن سيّرها الرحابنة الأوائل على رأسها. فقد خرج زياد من جلباب أبويه وعمّه، ليبني صرحه المسرحي القائم على ابطال حقيقيين إشكاليين يبحثون عن تحديد هوياتهم من خلال صراعات الحياة، وهذا مغاير لشخصيات عاصي ومنصور المحددة هوياتهم قبل تشريع ستارة المسرح.
المصادر
ـ القرآن الكريم.
ـ الرّحباني، زياد، مسرحيّة "شي فاشل"، ١٩٨٣.
المراجع العربيّة والمعرّبة
1- أيّوب، نبيل، الطرائق إلى نصّ القارئ المختلف، دار المكتبة الأهلية، ط.أولى، بيروت، ١٩٩٧.
2- جميل جبر، جميل، جبران في عصره وآثاره الأدبية والفنية، مؤسسة نوفل، ط.اولى، بيروت، ١٩٨٣.
3ـ زايد، علي عشري، استدعاء التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة ١٩٩٧.
4ـ ستيس، ولتر، فلسفة هيغل، دار التنوير للطباعة والنشر، تر: إمام عبد الفتّاح إمام، ط. ثالثة، بيروت، ١٩٨٣.
5ـ طنوس، جان نعوم- قصّة حبّ مجوسيّة أم قصّة حبّ عصابيّة، مجلّة الطّريق، السّنة التّاسعة والخمسون، العدد الرابع، بيروت، ٢٠٠٠.
6ـ فرويد، سيغموند، الطوطم والحرام، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط.ثانية، بيروت، ١٩٩٧.
7ـ لحمداني، حميد، الفكر النقدي الأدبي المعاصر، ط. ثالثة، فاس (المغرب)، ٢٠١٤.
8ـ الماضي، شكري عزيز، في نظرية الأدب، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، ط.أولى، بيروت، ١٩٨٦.
9ـ محفوظ، عصام الرواية العربيّة الشّاهدة، دار المدى للثقافة والنشر، ط.أولى، دمشق ٢٠٠٠.

مشاركة منتدى
٦ تشرين الأول (أكتوبر), ١٤:١٩, بقلم لورد مارون
نشكر الدكتور نسر على الإحاطة بالمسرح، منذ نشأته مرورًا بتطوّّره عربيًا، وامتداد التطوّر إلى لبنان على يد الرحابنة، ومرور المسرح بنوعٍ من الفتور أو الغرق في المثاليّات إلى أن أحدث زياد انقلابه على الواقع المخدّر، وشكّل ثورةً حقيقيّة هزّت كيان الجمهور مسلّطةً الضوء على حقيقة القضايا الإشكاليّة.
ما لفتني فعلاً هو أسلوب الباحث في شدّ المتلقّي إلى قراءة البحث، من خلال اللغة الرصينة والسلسة، وتطعيمه جفاف المناهج العلميّة بأسلوبه الجذّاب الواعي…