السبت ١٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم عارف محمد نجدت شهيد

أثر في الجدار «الجزء الأول»

دقت الساعة في تمام الثالثة فجراً، والهدوء يخيم في الغرفة حتى أن صوت احتراق ذرات التبغ مسموع وكذلك الزفير الطويل الذي أطلق سحابة الدخان في فضاء الغرفة.

كان مستلقياً على الأريكة بخمول شديد، يتجنب أي حركة حتى لا تصدر الأريكة صوتاً يفسد عليه الهدوء التام، كان ذلك الهدوء هو المكافأة الصغيرة التي تمنحها الحياة له في نهاية كل يوم قبل المكافأة الكبرى.

كانت عيناه معلقتين بالسقف، تراقبان بقعة داكنة في زاويته، وبينما أخذت سيجارته تقصر ببطء بين أصابعه، أدار رأسه نحو الجدار المقابل، فرأى شرخاً ممتداً قرب النافذة، تأمله بنظرات باردة، ثم تذكر أنه كان أصغر بكثير مما هو عليه الآن.
رفع نفسه قليلاً عن الأريكة، ونظر إليه مجدداً، ثم أطفأ السيجارة بالمنفضة الممتلئة، واقترب من الجدار، ونظر إلى الشرخ بقلق.

دخلت شقيقته الكبرى إلى الغرفة وبيدها كوب القهوة، وضعته على الطاولة وسألته باستغراب: "ماذا تفعل؟".

أجابها دون أن يلتفت إليها: "أتأمل هذا الشرخ". اقتربت شقيقته ونظرت إلى الموضع ذاته وقالت: "إنه شرخ قديم، أذكر أنني رأيته للمرة الأولى قبل وفاة والدنا بثلاث سنوات، لماذا تنظر إليه باهتمام؟ هل تفكر بإصلاحه؟"

رد بهدوء: "إنه مجرد تشقق سطحي لا يستحق كل هذا القلق". عاد إلى الأريكة وارتشف من كوب القهوة وأخرج سيجارة ثانية بتوتر، أشعلها بسرعة ونظر مجدداً إلى الشرخ ثم قال: "لا يمكننا إصلاحه، فالوقت غير مناسب، ولا يستحق هذا المنزل المتهالك هدر مبالغ كبيرة".

هزّت شقيقته رأسها ثم خرجت، أما هو، انشغل عقله بالتفكير في الأسباب المنطقية، ما السبب؟ هل الرطوبة هي التي تسببت بتصدع الجدار؟ أم أن مواد البناء ليست جيدة بما يكفي؟ أطلق زفيراً طويلاً ثم خلد للنوم.

يتكرر المشهد ذاته في الليلة التالية، وهو جالس على الأريكة، وتدخل شقيقته ومعها كوب القهوة، وما إن وقع نظرها على الغرفة حتى شهقت، إذ وجدت الخزانة قد انتقلت إلى جانب النافذة لتغطي الجدار، وعلبة طلاء إلى جانبها.

وضعت كوب القهوة أمامه وقالت بدهشة: "ماذا فعلت؟". أجابها بنبرة هادئة: "استخدمت الطلاء فلم أنجح في حجب الشرخ، فوضعت الخزانة لتخفيه".

جلست إلى جانبه وقالت: "لم لا تستدعي عاملاً لإصلاحه؟". انفجر غاضباً وصاح: "ألا تكفّين عن التدخل في كل شيء؟". صمتت شقيقته للحظات ثم قالت: "لم أطلب منك سوى إصلاح الجدار!".

أشاح بوجهه عنها، ثم أمسك بكوب القهوة وقال ساخراً: "بالطبع، فلا يشغلك شاغل في الحياة إلا هذا البيت، وكأن إصلاح الجدار سيعيد إلينا كل ما فقدناه!".

نهضت شقيقته وقالت بحدة: "تتهمني بما أنت غارق فيه، أصلح الجدار أو توقف عن التفكير فيه".

قال ببرود متعمد: "لا يعنيني هذا البيت على الإطلاق، يمكنني أن أعرضه للبيع الآن ويأخذ كل منا حصته من هذا الميراث".
غادرت شقيقته غاضبة ولم تكمل الجدال. انتظر حتى أغلقت الباب، ثم أزاح الخزانة قليلاً، وتفحّص الشرخ قبل أن يعيدها إلى مكانها.

منذ تلك الليلة، ساءت علاقته بشقيقته، وأصبح الصمت ثالثهما في المنزل، وبات يقضي ساعات طويلة خارج المنزل دون سبب واضح.

بدأ المنزل يضيق به، فلم يعد يطيق صمت الغرفة ولا رائحة القهوة التي تحملها إليه شقيقته كل ليلة. صار يتأخر في العودة، وإذا سألته عن يومه أجاب بكلمات مقتضبة، ثم انشغل بهاتفه.

ومع مرور الأيام، فقدت حياته نظامها، فتراكمت الثياب على الأرض، وعاد ينتظر من شقيقته أن ترتب ما يتركه خلفه، كما كانت تفعل حين كان طفلاً.

دخلت إلى غرفته في تلك الليلة ومعها كوب القهوة كما تفعل دائماً، ثم تأملت الغرفة التي أصبحت فوضوية للغاية، وانحنت لالتقاط ثيابه التي تراكمت على الأرض. همّت بالمغادرة، ثم استدارت ونظرت إليه.

اقتربت منه وجلست قبالته وقالت ضاحكة: "عندما انحنيت لالتقاط الثياب، تذكرت تلك الأيام حين كنت طفلاً شقياً، وتذكرت أمي رحمها الله، أتذكر حين كسرت شاشة التلفاز ثم اختبأت في الخزانة خوفاً من العقاب، وبحثنا عنك لساعات طويلة، ثم سمعنا صوتك في الخزانة فأخرجك أبوك -رحمه الله- مشفقاً وأفلتت من تلك العقوبة!".

لم يشعر بأي شيء وهو يسمع حديثها وكأنها تروي قصة عائلة أخرى. نظر في وجه شقيقته وابتسم ابتسامة باهتة، ثم استدار مولياً ظهره لها وقال: "طابت ليلتك".

خرجت شقيقته وأغلقت الباب خلفها بهدوء. بقي مستلقياً في مكانه، محدقاً في الجدار الذي تحجبه الخزانة، محاولاً استعادة شيء من الحكاية التي روتها، لكنه لم يتذكر سوى وجه أبيه، غامضاً وبعيداً، بعيداً جداً.

تكررت الأيام على هذا النحو، وأصبح المنزل مكاناً للنوم فقط، يذهب إلى عمله على عجل كل صباح، ثم يهيم في شوارع المدينة ويعود ليلاً.

في إحدى الأمسيات، خرج من عمله متأخراً، وسار في الشوارع بلا وجهة محددة، حتى قادته خطواته إلى مقهى صغير في أحد الأزقة. اختار طاولة قرب النافذة، وطلب قهوته، ثم أخرج هاتفه وأخذ يتصفح ما يظهر على شاشته دون اهتمام يُذكر.

كانت تجلس تلك الفتاة إلى طاولة قريبة منه، أمامها كتاب مفتوح وكوب قهوة ممتلئ. لم يلتفت إليها أول الأمر، لكنه عرفها حين رفع عينيه عن هاتفه؛ فقد اعتاد أن يلمحها من خلف زجاج المقهى كلما مرّ في ذلك الشارع خلال الأيام الماضية.
رفعت وجهها نحوه، وتبادلا نظرة عابرة خلت من الفضول، ثم عادت إلى كتابها، وعاد هو إلى هاتفه.

أخذ يتأمل المكان، كانت الصور تتزاحم على الجدران بلا ترتيب واضح؛ أم كلثوم، ونزار قباني، ومحمود درويش، وإلى جوارها اقتباسات لفيروز كُتبت بالعامية. لم يكن قد اعتاد ارتياد أماكن جديدة، ومع ذلك شعر بشيء من الألفة.

أنهى قهوته، ووضع بعض النقود على الطاولة، ثم خرج إلى الشارع الذي بدأ يخلو من المارة. ولم يفكر فيما حدث يومها.
في اليوم التالي، مرّ بالزقاق نفسه، وأبطأ خطواته حين لمحها خلف الزجاج. تردد قليلاً، ثم دخل واختار طاولة بعيدة عنها. طلب قهوته، وظل يتصفح هاتفه، رافعاً عينيه نحوها بين حين وآخر، لكنها لم تلتفت إليه.

تكرر الأمر في الأيام التالية، صار يمر بالزقاق في طريق عودته، يتابع سيره أحياناً، ويدخل لشرب القهوة أحياناً. قرر الدخول بعد ثلاثة أيام فلم يجدها، شرب قهوته ببطء، ثم جلس قليلاً قبل أن يغادر.

في اليوم التالي، لم يمرّ بالزقاق، وأقنع نفسه بأن ينصرف إلى أعماله المتراكمة، وأن يعود إلى المنزل مبكراً بدلاً من إهدار الوقت في المقاهي.

كانت الخزانة لا تزال تحجب الشرخ، وكانت شقيقته تتحرك في المطبخ خلف الباب، لكنه لم يلتفت إلى أي منهما.

وقبل أن يغفو، تذكر المقهى فجأة، ثم تذكر الطاولة الفارغة، فضاق صدره قليلاً، ثم أطفأ هاتفه وأغمض عينيه.

بعد يومين، عاد إلى المقهى.

كانت هناك، تقرأ كتاباً مختلفاً، وقد وضعت إلى جواره قلماً ودفتراً صغيراً. اختار طاولة قريبة منها، وكان يراقبها بطرف عينه؛ تكتب بضعة أسطر، ثم تتوقف لتقرأها مجدداً، قبل أن تشطب بعضها وتبدأ من جديد.

أنهى قهوته، ثم بقي يتصفح هاتفه حتى رفع النادل الكراسي عن إحدى الطاولات المجاورة، عندها نهض ودفع الحساب.

في طريق عودته، نظر إلى ساعة هاتفه، وحاول أن يتذكر متى ينتهي عمله في اليوم التالي. ظلّ ينظر إلى الشاشة لحظة، ثم أطلق ضحكة قصيرة، وأعاد الهاتف إلى جيبه ومضى نحو المنزل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى