دقائق مسروقة من الموت
دقائق معدودة، وبعدها لن يعود لهذا الجسد أي صلة بالحياة.
في مثل هذه اللحظات، تتسارع الأنفاس ويتدفق الأدرينالين في الجسد بدفعات جنونية، وتتصارع داخل الإنسان مشاعر لا تجتمع إلا على عتبة الموت؛ الخوف، والرجاء، والغضب، والحزن، وأمل أخير في النجاة.
تقدمت بخطوات مثقلة، وجلست باستسلام على كرسي الإعدام، وشرعت منى في تثبيت أسلاك الكهرباء على جسدي، كانت تحاول أن تتعامل مع الموقف بمهنية، ولكن ارتجاف أصابعها فضحها، ابتسمَت بتوتر وقالت لي: "إنها تجربتي الأولى في تنفيذ حكم الإعدام، أرجو أن ينتهي الأمر دون ألم".
أجبتها بنبرة هادئة: "لا عليكِ، إنها ليست تجربتي الأولى مع الموت". توقفَت للحظات ثم تنهدَت وواصلت عملها في تثبيت الأسلاك، وضعت إحدى الأقطاب على صدري فضحكت بشدة حتى كدت أن أفسد على الحضور الكريم مشهد الموت المهيب.
بدا لي المشهد عبثياً؛ يريدون قتلي، ومع ذلك يحرصون على وضع الأقطاب بعناية!
ضجّت القاعة بأصوات الحاضرين، ورفعت رأسي مقلبّاً النظر فيهم فوقعت عيني على أمي التي كانت تجلس في الصف الأول، تنظر إليّ ببعض القلق، ولكنه ليس القلق الذي ينتاب أمّا ستفقد ولدها بعد قليل، فهي بين إشفاق الأم وبين الرغبة في الخلاص من عذاب طال أمده. لم أبحث عن والدي إذ كنت موقناً من غيابه في اليوم الأخير من حياتي كما غاب في محطات كثيرة لا تقل أهمية عن هذا الموقف.
إلى يمين والدتي، تجلس شقيقتي تنظر إليّ بقلق ممزوج ببعض الإشفاق، وقد قرأت في صفحات وجهها الخوف من تبدل الأقدار في لحظة ما فتجلبها إلى الكرسي الذي أنا جالس عليه الآن.
ارتسمت على وجهي ابتسامة شاحبة، ثم أشحت نظري عنهما ونظرت في وجه منى مباشرة، في عينيها العسليتين، وقلت لها: "إن أردتم قتلي، فضعوا الأقطاب في أماكن تنبض بالحياة". نزعت الأسلاك المثبتة على صدري وذراعي ووضعتها على صدغي وجبهتي.
وقفت منى باستعداد تنتظر الأمر لبدء التنفيذ، أومأ رئيس اللجنة برأسه فاستدارت وقالت بحزم: "هل لديك طلب أخير قبل التنفيذ؟".
وفي هذه اللحظة، شهقت أمي ثم احتضنت شقيقتي وقالت بصوت مرتعش: "حفظك الله يا ابنتي، كل مصاب دونكِ هيّن".
أجبت منى: "لا أطيق الانتظار، كم أتوق إلى التيار الكهربائي وهو يسري في جسدي، بعد سنوات من انقطاعه عن منزلي".
قالت بانزعاج: "توقف عن السخرية، ألا تريد الاتصال بابنتك؟ زوجتك؟ صديقك؟ شقيقك؟ ألا تريد بعض الماء؟"
هززت رأسي نافياً، اقتربت منى ووضعت الغطاء فوق عيني وكان وجهها آخر عهدي بالحياة، شعرت بسكينة لم أعرفها منذ زمن حين مرت أصابعها على وجهي وهي تثبت الغطاء.
صدر أمر التنفيذ بصوت أجش، ثم شعرت بالتيار الكهربائي يسري في رأسي وينتشر في جسدي الذي بدأ ينتفض للحظات، ثم توقف كل شيء، وسمعت ذلك الصوت الأجش مرة أخرى يصيح بغضب: "ماذا حدث؟".
أجابت منى بأن التيار الكهربائي انقطع عن غرفة الإعدام. وبشكل لا شعوري، شتمت شركة الكهرباء ومسؤوليها بأقذع الألفاظ كما اعتدت على ذلك كل يوم.
غادرت اللجنة للتشاور وانصرف معظم الحضور، قلت لمنى: "ألا تستطيعون تنفيذ حكم الإعدام في غرفة مغلقة بأنبوبة غاز منزلي؟". أزالت منى الغطاء عن وجهي وأجابت: "لا نستطيع استخدام الغاز في تنفيذ أحكام الإعدام، فالحصول عليه ليس سهلاً في ظلّ الظروف الاقتصادية التي نعيش فيها".
تأملت ملامحها الرقيقة مقاوماً شعور التمسك بالحياة الذي اجتاحني منذ أن منحني القدر دقائق إضافية لست مستعداً للتفريط بها، ثم قلت متماسكاً: "الرمي بالرصاص، رصاصة واحدة وينتهي الأمر". هزت رأسها بالنفي وقالت: "لست عسكرياً لتموت بهذه الطريقة". فقلت مباشرة: "المشنقة". تنهدت منى وقالت بشيء من العصبية: "موت مريح لا يريدونه لك".
قلت مجدداً: "إذاً، بعض الوقود وولاعة رخيصة، وبهذا ستوفرون أجور الدفن أيضاً".
أجابت بضجر: "لم نستلم مخصصات الوقود بعد، ولن نستخدمها في تنفيذ حكم إعدام ثم نموت بعدك من البرد".
قلت: "أقترح أن .." فقاطعتني بغضب وصاحت: "اللعنة عليك، لم تنطق بكلمة واحدة لحظة صدور حكم الإعدام واكتفيت بابتسامة، وتجادل الآن باستماتة لتنفيذ حكم الإعدام؟ والله لو رميناك في البحر لانشق لك كما انشق لموسى، اصمت وانتظر حتى تعود اللجنة".
لم أتلفظ بكلمة، والتزمت الصمت، ثم اقتربت مني وهمست في أذني وكأنها تخشى أن يسمعها أحد: "لا أرى في وجهك سمات الإجرام، فما الذي أوصلك إلى هذا الكرسي؟".
شعرت بأنفاسها الساخنة في أذني، أغمضت عيني وأخذت نفساً عميقاً وقلت: "لم أؤذ شخصاً طيلة حياتي ولو بكلمة، أما سبب جلوسي على هذا الكرسي، فأجهل كما تجهلين، يمكنني بشيء من التفكير أن أقف على أسباب وصولي إلى ما أنا عليه الآن، ولكنني اعتدت التفكير فيما يعود عليّ بالنفع، فما الفائدة لو عرفت أسباب وصولي إلى هنا وما يفصلني عن الموت هو دقائق التشاور في الغرفة المجاورة؟".
ظهرت علامات التعجب على وجه منى وقالت متسائلة: "أيأس هو أم استسلام؟"
أجبتها: "لا هذا ولا ذاك، ولكن، من الحمق أن يستهلك المرء عمره في البحث عن أسباب مشكلة لا يملك تغييرها. أعرف أسباب الفقر كما يعرفها ملايين الناس، فماذا تغير؟ لا شيء".
تبادلنا النظرات المباشرة للحظات، ثم أردفت: "حتى أبسط الأشياء استعصت على البشر؛ الاحترام، والحب، وتقبّل الاختلاف. إذا عجزنا عن هذه، فلماذا أرهق نفسي بالبحث عن أسباب المشكلات العظيمة؟ هل التفكير في هذه المسائل والوقوف على أسبابها سيغير من حقيقتها؟ لم تكن الحياة سخية بما يكفي لتجمعني بمن يمنح الآخرين حباً غير مشروط، ويحترمهم، ويتقبل اختلافاتهم عنه، ولست وحدي في هذه المعاناة".
أجابت منى: "أوافقك في شطر كلامك، وأخالفك في شطر آخر، فالإنسان مشغول في المنافسة والتفوق فيطلب المجد، ويفكر فيما بعد الموت أكثر من تفكيره في الحياة نفسها، ولكن، ألا تبالغ قليلاً في موضوع الحب؟ ألم يحبك أحد في حياتك؟".
قلت: "من الإجحاف أن أنكر حبهم لي، ولكن، كثير من الحب الذي يقدمه الناس لنا مشروط، فالآباء يحبون أبنائهم طالما كانوا مطيعين، ورئيس العمل يحب مرؤوسه طالما كان متفانياً في عمله ويضحك على دعاباته السمجة، والصديق محبوب طالما أنكر نفسه وسعى في احتياجات صديقه، وكذلك الأبناء والأزواج والجيران، وحتى الحكومة.
نتيجة لذلك، يجد المرء نفسه مدفوعاً إلى تغيير ذاته لينال رضا الآخرين، ثم يكتشف أنه كان يركض خلف سراب، وأنه كان محبوباً لشروط الآخرين لا لذاته المجردة، فما عاش لذاته وما نال حباً يليق به، كالغراب الذي ضيع المشيتين، فما الذي يجعله يتمسك بالحياة؟
التقيت في الحانة العديد من السكارى الغرباء وكان الحديث العابر فقط كفيلاً في أن يغرس في قلبي بذور الحب والمودة لهم دون أي اعتبارات، إنني اليوم، لا أكره أحداً، لقد خلا قلبي من البغضاء، وسكنت جوارحي عن كل أذى".
طال الانتظار حتى بدأت أصدق أن الموت قد تراجع عن موعده، ساد بيننا صمت قصير، بدت منى مرتبكة وكأنها كانت تراجع شيئاً في داخلها، ثم استندت على حافة الكرسي وقالت: "إذاً، أنت تحب الجميع، حتى القاضي الذي أصدر الحكم بالإعدام، واللجنة التي تنفذ الحكم الآن، وأنا؟".
أطرقت رأسي للحظة ثم انفجرت ضاحكاً، وقلت لها: "تسألين رجلاً قبل أن تقتليه سؤالاً كهذا؟ ما أشد جرأتك!". انتفضت وصاحت بغضب: "لست قاتلة، إياك أن .." فقاطعتها قائلاً: "ففيم أنت هنا؟".
وفي هذه الأثناء، دخل أحد أعضاء اللجنة وقال: "تجهزوا، سننفذ الحكم الآن". اقتربت منى ورفعت خصلة من شعري بيدها ثم وضعت الغطاء فوق عيني بإحكام.
سمعت وقع أقدام الوافدين إلى الغرفة، ثم ساد الهدوء للحظات قبل أن يصدح صوت رئيس اللجنة في أرجاء الغرفة، معلناً عن القرار الجديد.
"بعد تعثر تنفيذ حكم الإعدام بحق المتهم، أعادت اللجنة النظر في طريقة الإعدام، وقررت ما يلي:
تنفيذ حكم الإعدام بحق المتهم بإعادته إلى الحياة، على أن يبقى في هذه البلاد دون أن يغادرها طيلة حياته".
