قبل اغلاق الباب
لم يكن الألم هو أول ما اختفى.
بل الوزن.
ذلك الثقل الخفي الذي كان يربطه بالأرض، بالأشياء، بالاسم الذي حمله طويلًا، تلاشى فجأة كزر انطفأت فيه الجاذبية.
وحين فتح عينيه، لم يجد سقف الغرفة ولا وجوه الواقفين حول السرير، بل وجد نفسه في مكان يشبه الفكرة أكثر مما يشبه مكانًا حقيقيًا.
كان هناك ضوء رماديّ شفيف، لا يأتي من جهة محددة، كأن الهواء نفسه يتذكّر الشمس.
حاول أن يرفع يده، فاكتشف أن الحركة لم تعد تحتاج إلى عضلات.
يكفي أن يفكر بها.
ارتبك.
نظر إلى جسده أولًا قبل أن يفهم أنه جسده.
كان ممددًا هناك بهدوء غريب، كبدلة قديمة نسيها أحدهم على كرسي بعد رحلة طويلة.
بدا الوجه مألوفًا وبعيدًا في آنٍ واحد، مثل صورة لطفولته عثر عليها مصادفة في درج مهمل.
اقترب أكثر.
لم يشعر بالشفقة على الجسد، ولا بالخوف منه، بل بشيء يشبه الحرج…
كأنهما شخصان افترقا بعد سوء تفاهم طويل.
في الغرفة كانت الأصوات تصل إليه متأخرة، مغطاة بطبقة كثيفة من الماء.
امرأة تبكي.
رجل يردد شيئًا عن الطبيب.
وصوت جهاز بعيد يطلق صفيرًا متقطعًا، كعصفور معدني يحتضر.
أراد أن يقول لهم إنه هنا.
أنه يسمعهم.
أنه لم يذهب بالكامل بعد.
لكن الكلمات لم تعد تخرج من الفم، بل من النية نفسها، والنيات — كما اكتشف — لا يسمعها الأحياء.
تراجع إلى الخلف دون أن يمشي.
كان يتحرك كما تتحرك الذكرى داخل الرأس.
ثم لاحظ أمرًا أكثر غرابة:
الوقت لم يعد مستقيمًا.
الثواني لم تعد تتبع بعضها، بل تتجمع وتتبعثر مثل زجاج مكسور.
فجأة رأى نفسه طفلًا يركض خلف دجاجة بيضاء في فناء قديم.
وفي اللحظة ذاتها رأى شيخوخته التي لم يعشها بعد.
ورأى امرأة لم يقابلها قط تبكي عليه بحرقة، كأن المستقبل نفسه كان ينعاه مسبقًا.
ارتجف، إن كان الارتجاف ممكنًا بلا جسد.
وسأل نفسه للمرة الأولى:
هل متُّ فعلًا؟
أم أن الموت مجرد ارتباك مؤقت في معنى الوجود؟
عندها ظهر الممر.
لم يأتِ من مكان محدد، بل نما ببطء داخل العتمة، كشقٍّ في قشرة العالم.
ممر طويل لا جدران له، تصطف على جانبيه ظلال شفافة تشبه بشرًا يتذكرون أنفسهم بصعوبة.
بعضهم كان يمشي مطمئنًا، كمن عاد أخيرًا إلى بيته.
وبعضهم كان يلتفت وراءه مذعورًا، يحاول الإمساك بأسماءٍ تتسرب من ذاكرته.
خطا نحوه.
أو ربما انجذب إليه.
وفي منتصف الطريق سمع شيئًا غريبًا:
صوت قلبه.
توقف.
كيف يمكن لقلب أن ينبض خارج الجسد؟
لكن الصوت لم يكن بيولوجيًا.
كان أشبه بآخر خيط يربطه بالعالم القديم؛
نبض الذكريات، لا الدم.
كل نبضة كانت تُسقط عنه شيئًا:
اسمه.
عمره.
ملامحه.
خوفه من الفشل.
حقده القديم على أخيه.
رائحة قهوته الصباحية.
حتى صوته الداخلي بدأ يتآكل ببطء، كرسالة ورقية في المطر.
شعر بالذعر.
لأول مرة تمنّى العودة إلى جسده، بكل ألمه وثقله ونقصه.
فالإنسان لا يدرك مقدار تعلقه بنفسه إلا عندما تبدأ نفسه بالاختفاء.
ركض.
لكن الركض هناك لم يكن حركة، بل رغبة عنيفة في النجاة.
وعندها حدث الشيء الأكثر غرابة:
رأى باب غرفته يُفتح من جديد.
رأى الأطباء يركضون.
رأى جسده ينتفض بعنف فوق السرير.
ثم…
شهيق.
شهيق واحد فقط، لكنه بدا كأن الكون كله دخل رئتيه دفعة واحدة.
استيقظ.
عاد الألم أولًا هذه المرة.
ثقل العظام.
ضيق الصدر.
رائحة المعقمات.
وضوء المصابيح القاسي.
فتح عينيه بصعوبة.
المرأة التي كانت تبكي أمسكت يده وهي ترتجف، بينما أخذ الطبيب يكرر شيئًا عن “المعجزة”.
لكنه لم يجب.
ظل ينظر إلى السقف طويلًا، بصمت شخص عاد من مكان لا يملك لغة لوصفه.
وفي تلك الليلة، قبل أن ينام، لمس صدره ببطء…
كمن يتحسس بابًا سريًا كاد يُغلق خلفه إلى الأبد.

مشاركة منتدى
٣١ أيار (مايو), ١٠:٠٧, بقلم محمود سلامه الهايشه
بين الحياة والموت: الجسد والروح في جدلية ضمن القصة القصيرة "قبل إغلاق الباب"
على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
يمكن اعتبار القصة القصيرة "قبل إغلاق الباب"، للشاعر والكاتب الأردني منذر أبو حلتم، والمنشورة بموقع "ديوان العرب"، يوم الأحد 24 مايو 2026، عملاً يتسم بالفكر الفلسفي. في الواقع، تتناول القصة أحد أكثر المواضيع غموضاً، وهو موضوع الانتقال من الحياة إلى الموت. بعبارة أخرى، هي قصة قصيرة لا تركز على الموت كعملية بيولوجية، بل على إدراكه كشيء آخر.
في الجملة الأولى، يخاطب الراوي القارئ مباشرةً بشأن الانفصال عن الواقع: "لم يكن الألم هو أول ما اختفى. بل الوزن". يتضح كيف يبدأ النص في تغيير الفهم المعتاد للموت؛ فالألم ليس أول إحساس يزول، بل الثقل والشعور بالارتباط بالأرض. يبدأ النص بمقدمة أدبية رائعة تُعرّفنا بفكرة الموت كعملية تلاشٍ تدريجي، لا كنهاية وفقدان للذات في عالم مجهول.
الأمر اللافت للنظر هو كيف يصوّر الكاتب عالمه الآخر باستخدام لغة غامضة وشفافة، واصفًا عالمًا "يشبه الفكرة أكثر مما يشبه مكانًا". وفي هذه العبارة تحديدًا، نرى جوهر العمل الأدبي برمته؛ فالمكان لا يعني له أرضًا محددة، بل حالة ذهنية وروحية معينة. الضوء الرمادي، والهواء الذي "يتذكر الشمس"، والأصوات التي يلفها الماء، كلها تنتمي إلى "الواقعية الميتافيزيقية".
تكمن قيمة القصة في طريقة خروج الروح من الجسد. في هذا العمل، لم يعد الجسد محور الوجود الإنساني، بل يُوصف بأنه "كبدلة قديمة نسيها أحدهم على كرسي بعد رحلة طويلة". هذا التشبيه يثير شعورًا عميقًا بالحزن الصامت، مصحوبًا بإحساس ضمني بالقدرية. الراوي لا يخشى الجسد الذي يرقد فيه، بل يشعر "بشيء من الإحراج"، وكأن الحياة سوء فهم بين الروح والجسد.
من الناحية الزمنية، تستخدم القصة تفكيك مفهوم الزمن الخطي. تجدر الإشارة إلى أن الزمن في الآخرة لا يمر بشكل منطقي، بل يتحول إلى تراكيب من أجزاء متداخلة - الطفولة، والشيخوخة، والمستقبل، والذاكرة - تحدث جميعها في آن واحد في لحظة زمنية واحدة. يحمل البناء الزمني في هذا السياق قيمة فنية ودلالية، إذ يعكس الاضطراب الذي يعتري وعي الإنسان في مواجهة المجهول. من خلال هذه القصة، يحاول الكاتب إظهار أن الزمن البشري ليس إلا وهماً.
من المهم الإشارة إلى أن الانتقال الذي يحدث في منتصف القصة يحمل رمزية بالغة الأهمية. فهو ليس مجرد طريق إلى الآخرة، بل هو رمز بحد ذاته للانتقال الوجودي. تُضفي الشخصيات الغامضة طابعاً إنسانياً عميقاً والتي تبدو وكأنها "تشبه بشرًا يتذكرون أنفسهم بصعوبة"، أشخاص يحاولون استعادة هويتهم، ويتضح أن فقدان المرء لهويته أشد خطورة من الموت نفسه. في الحقيقة، لا يأتي الموت من توقف نبضات القلب، بل من فقدان ذكريات الأسماء والوجوه، والخوف، وحتى فقدان الذات.
لعلّ أهمّ رسالة يقدّمها الكاتب تكمن ضمنيًا في النص، إذ يوحي الكاتب بأنّ المرء يجد نفسه متعلّقًا بذاته حين تبدأ هذه الذات بالتلاشي. عند هذه النقطة، يتجلّى الجانب الفلسفي للحبكة بوضوح، إذ يُدرك البطل أنّه ما زال يهتمّ بوجوده من جديد، ويرغب في التمسّك بالحياة حتى آخر لحظة.
أسلوبيًا، يتميّز النصّ بكثافة شعرية، لكنّه لا يتّسم بالغموض المُفتعل. جمل القصة قصيرة، وإيقاعها هادئ وبطيء، ممّا يُضفي جوًا تأمليًا مناسبًا للنص. يستخدم الكاتب الصور البلاغية من خلال التشبيهات والاستعارات، ليس فقط لإضفاء مزيد من الشعرية على النصّ، بل لبناء المشاعر من خلالها. لذا، تُحدث الصور المستخدمة في النصّ أثرًا بالغًا، مثل "الذكريات التي تتحرك داخل الرأس"، و"الرسالة الورقية في المطر"، و"الباب السري الذي كاد يُغلق إلى الأبد".
تكمن إحدى أروع نقاط القصة في نهايتها. لا يُصوَّر قيامة الشخصية كحدثٍ دراميٍّ أو معجزة، بل كعودةٍ مُرهِقةٍ إلى العذاب والألم والجسد وضوء الشمس الساطع. عندما يضع يده على صدره كما لو أنه "يتحسس بابًا سريًا كاد أن يُغلق خلفه إلى الأبد"، يُترك القارئ أمام تساؤلٍ مُثيرٍ للفضول: هل عادت الشخصية بكامل حيويتها؟ أم أن شيئًا منها قد بقي هناك، في المنطقة الرمادية التي تفصل بين العالمين؟ هذه بالتأكيد ليست حكاية موت، بل هي بالأحرى حكاية هشاشة هويتنا الإنسانية وخوفنا من التلاشي والزوال. إنها ليست مجرد قطعة نثرية تروي قصةً ما، بل هي أيضًا نصٌ فلسفيٌّ مكتوبٌ بلغةٍ شعريةٍ، يُثير في القارئ إحساسًا بالوجود.
٢ حزيران (يونيو), ١٦:٥٤, بقلم منذر ابو حلتم
الاستاذ العزيز محمود سلامه الهايشه
كل الشكر لك صديقي على دراستك القيمة لقصتي ... اعتز برأيك وتحليلك
ودام قلمك نابضا بالادب والابداع