نزيف الضلـوع...
جسدٌ نحيل؛ يحمل كيساً ثقيلاً، استقرَّ على الظّهر لِمُدَّة... غيْر أنّ ثقلَ الكيس يغْلب حامِلَهُ؛ فيترنّحُ الفتى يميناً وشمالاً؛ قبل أنْ يتعثَّرَ ويسقط على الأرض. تتشتّتُ محتَوياتُ الكيس في عرض الطّريق الكبير.. ينهض الفتى بسرعة؛ يُلَمْلِمُ ما تبعثر.. وما أكْثَره...! يتذمّرُ سائقو السيارات.. ترتفع الأصوات بغضب شديد: " أخْلِ الطّريقَ يا هـذا..!" يُحاول جهده أنْ يُسْرع.. بين الفينة والأخرى؛ يهزُّ رأسه، يضع يده على صدره ولسان حاله يقول: "سامحوني.. قطعت طريقكم.. سامحوني.. ضيّعْتُ وقتَكمْ..." يزداد الضّغْطُ عليْهِ والأصواتُ تتعالى.. يشعر بِدُوارٍ يحجُبُ عنه الرّؤية، يتهاوى على الأرض ولكن دون أن ينهض هذه المرّة.
ينزل بعض السائقين ولهيبُ الشمس يَحرق الأرض والأعصاب.. يُحاولون معرفة ما به.. يتأكّدون أنّ الفتى فاقد للوعي. يتكلّف أحدُهُمْ باستدعاء الإسعاف، بينما تتطوع جماعة منهم بإزاحة ما تبعثر على الأرض و وابلُ التّعْليقات المعجونة من القلق والعَرَق؛ تُغْرق المكان في بوتقة اليأس من القدرة على اللحاق بزمن الحاجات التي كان السائقون يسعوْن إليْها. آخرون يكتفون بالتحديق في ملامح الفتى... شعر كثيف أشعث.. اتِّساخُهُ يُلخّصُ القطيعة بينه وبين الاستحمام منذ أمد طويل.. وَجْهٌ برَزتْ عِظامُهُ وتفحّم جِلْدُهُ... انْطمستْ سِحْنتُهُ وأصبح مجرّد لوحة بدون عنوان.. يرتدي قميصاً رثّاً؛ لونُهُ بعَددِ ألوانِ النّفايات المبعْثرة في عرض الطريق والتي كان بصدد حمْلها إلى أحد المتعاملين مع مؤسّسات الرّسْكلة.. القدَمانِ بِجواربَ مثقوبَة داخل نصْف حذاء بلاستيكي؛ يُوثِّقان مشهد البؤس الكامل لِنفسٍ تتصارع مع لقمة العيش، ولِعَقْلٍ يبْتزُّهُ القهر في زمن لا يرحم...
عندما نزل سائق سيارة الأجرة من السيارة للمساعدة؛ كانت "رتيبة" تتأمّل المشْهد والألمُ يعْصِر قلْبها.. لم يعُدْ يهمُّها إنْ هي وصلتْ في الوقت المطلوب إلى وِجْهتها.. بلْ إنها عزفت عنْ هذه الوجهة تماماً وغرقت في متابعة التفاصيل تحت شمسٍ حارقة وألسنة ساخطة، وضوضاء أبواق السيارات؛ تثقب الآذان وتُرْبك الأذهان. بعد بُرْهة؛ وشيئا فشيئا؛ عادتْ حركة السير إلى طبيعتها.. سألتْ "رتيبة" سائقها: " هلْ علمْتَ إلى أي مستشفى أخذوا المُصاب..؟" نظر إليْها من المرآة وقد ارتفعتْ حاجباه: " أخذوه إلى قسم الاستعجالات بالملحقة الاستشفائية وسط المدينة.. فهي متخصّصة في العناية بِهكذا حالات.." أطرقتْ برأسها قليلاً؛ ثمّ طلبتْ من السائق أن يعود أدراجه إلى وسط المدينة رغم بُعْد المسافة. قبِلَ السائق طلبها؛ فهي زبونتُهُ منذ سنتيْنِ تقريباً؛ يعرف كرمها وطيبة قلْبِها؛ ولمْ يحْدُثْ يوما أن رفض لها مطلباً..
قبل أن يصلا إلى المُلْحقة الاستشفائية؛ كانت "رتيبة" قد اتصلتْ بقسم الاستعلامات؛ تسأل عن وضع الفتى المُصاب الذي أخذه الإسعاف إلى هناك منذ ساعة تقريباً.. تعلم أنه ما يزال تحت الفحص وأنه لا يمكنها معرفة أكثر من هذا..
تحت سقف الانتظار...
في الرّواق الطويل؛ تتأمّلُ "رتيبة" الداخلين والخارجين.. هذا يشكو.. هذا يئنّ.. هذا يحتجّ لأنّهم لم يسمحوا له برؤية مريضه؛ فوقتُ الزيارة لمْ يحِنْ بعْدُ؛ وهو القادم من مكانٍ بعيد، ويتوجّبُ عليْهِ العودة قبل أوان توقّف المواصلات العامّة... وبين هؤلاء وهؤلاء؛ امرأة تجوب الرّواق ذهاباً وإياباً؛ وقد تخرجُ خارج الملحقة؛ ثمّ تعود وبيدها قارورة ماء مُثلّجة؛ تُمَرِّرُها على خدّيْها وعلى جبينِها، تجلس القرفصاء حيناً وتستخرج من حقيبتها قارورة ماء أخرى باردة نسبياً؛ تشربها بلهفة الظمآن الذي فقد صبره، وتمتم بكلمات لا يفهمها أحد.. يخرج الطبيب فجأة من إحدى الغُرَف ومعه الممرضات، تعترض المرأة طريقه وتسأله: "هل يمكن أن أراه..؟" يرُدُّ الطبيب بهدوء وهو يُثبِّتُ وضْعِية نظارَته:" لا.. ليس اليوم.." ترمي بالقارورة في وجهه، ترْتبِك المُمرّضات.. يبْتعد الطبيب والحسْرة تعْفيه منْ أيِّ شرْحٍ أو تعليق.. يتصوّرُ حُرْقة المرأة عندما تعلم أنّ ابنها حديث عهدٍ بالمُخدّرات؛ وأنه سيُنْقلُ إلى مصحّة متخصصة قبل فوات الأوان.. بعد طولِ انتظار؛ واستفساراتٍ من كذا مُمَرّض ومُمرّضة؛ تتوصّلُ "رتيبة" إلى أنّ الفتى المقصود مُتواجدٌ بالطابق الثاني في الغرفة الكبيرة بمعية مرضى آخرين... الغرفة واسعة؛ والأسرّة متقابلة... صمتٌ شاحبٌ ينحَتُ حكايا الألم على الجدران البيضاء... تتفرّسُ "رتيبة" الوُجوه بقلق؛ حتى تقف عند آخر سرير تحت النافذة الكبيرة.. تتطلّعُ إلى المريض.. تتعَرّفُ عليْهِ مِنْ هَــيـْـئـتِه الرّثة... يدخلُ أحد المُمَرّضين، يدعوها إلى الخروج، تُناشِدُهُ أن يُعطيها معلوماتٍ عن أحوال هذا الفتى. يختصر المُمرِّضُ القوْل: " تعْرِفين ذلكَ في المكْتب الأوَّل على اليَسار". تخرج وهي مُمْتنّة.
بِرِفْقٍ؛ تطرُقُ بابَ المَكْتب.. يُؤْذَنُ لها بالدخول... تلقي التحية على المرأة التي كانتْ واقفة أمام أدْراجٍ عالية؛ تبحث عن شيء ما... تستديرُ المرأة بقامتِها الممْشوقة لترُدّ التَّحية.. تشهقان... الواحدة بعد الأخرى... تُسارِعُ رئيسة الأطباء إلى احْتِضانِ "رتيبة"... تساؤلات واستفهامات تغرق فيهما المرأتان.. صُدفة.. تحيكُها خيوط القَدَرِ دون موْعدٍ سابق...!
عبق الماضي يعود...
جمعتْ بينهما زمالة في الدراسة على عهد الطفولة، ثم صداقة.. ثمّ غياب مع مرور الزمن بسبب ظروف كل واحدة منهما.. اكتفتْ "رتيبة" بحصولها على شهادة جامعية؛ واشتغلتْ بالتعليم الابتدائي لسنوات، وعندما تزوّجتْ؛ سافرتْ مع زوجها إلى وِجْهة خارج البلد لفترة معينة؛ بعد عودتها اشتغلتْ في إحدى المدارس الحُرّة بسبب فقدانها لِمَنْصبِها في المَدارِس الحُكومية وماتزال في نفس المهنة. أمّا "حكيمة"؛ فقد اختارت ميدان الطبّ.. درست وتخصّصتْ وتخرّجت واجتهدتْ وارتقتْ مع مرور الايام إلى درجة رئيسة الأطباء... ها هو القدر يصنع اللقاء؛ في ظروفٍ مُخالِفة لكلّ التّوقُّعات..! أشواق... ذكريات... عتاب مُتَبَادَل.. نفحاتٌ تُدغْدغُ الرّوح ساعة الإحساس بتوقّف الزّمَن عندَ أجمل المحطّات...
تعْلمُ "حكيمة" سبب تواجد "رتيبة" في الملحقة الاستشفائية، تستخرجُ ملفّاً من أحد الأدراج، تقرأه... الفتى "أحمد بن عامر".. السنّ: سبعة عشر عاماً... سبق ودخل الملحقة الاستشفائية في العام الماضي. تهزُّ "رتيبة" رأسها... تتابع "حكيمة" الاطّلاع على باقي المعلومات الخاصة بهذا الفتى. تعِدُها بالتكفّلِ به والسهر على صحّته حتّى يُشفى تماماً. تُسْتدْعى رئيسة الأطبّاء لِمُعاينة حالة طارئة، تتوادعان وتتفقان على اللقاء غداً للاطمئنان على حال المريض. بعد سماع قصة الفتى المصاب؛ يُقرِّرُ زوج "رتيبة" اصطحابَها في اليوم الموالي لزيارته... في طريقهِما يقْتنِيانِ بعْض الملابِس مع حذاء رياضي ومُسْتلزَماتٍ لِلنّظافة وبعضٍ من الفاكهة.
كان مُمَدّداً على السرير، عيْناهُ مُحْمرّتان؛ شاخصتان في السّقْف.. وعند رأسه؛ تقف رئيسة الأطباء "حكيمة".. تأمُرُ المُمرّضة بإحْضار قنينة "سيروم" جديدة بعد أن راقبتْ ضغطه وقاستْ حرارته. يُلْقي الزّوْجان التَّحِية... يسْألان عن حالِ "أحمد"... يضعان المقتنيات على طاولة صغيرة بجانبه، تشكرهما "حكيمة" وتبلغهما أنّها ستُكلِّفُ مُمَرِّضاً يُساعده على استبدال ملابسه وتنْظيفِ ما يلزم تنظيفه؛ فقذارة النّفايات؛ تمكّنتْ من جسده ولم يعد بالإمكان تجاهل الرائحة المُزْعِجة.. يوْمَها كان يُريد أن يقول شيئاً... كان يُريدُ أن يعتذر.. أن يشكرَ كل الذين اعتنوا به...غيْر أنّ القهْرَ غلبَه..! فأخْرَسه..! ففضّلَ التّحْديقَ في السّقف دون سواه..
اطمأنّتْ "حكيمة" وهي تلاحظ علامات التّعافي البادية على الفتى؛ أطْلَعتْ صديقتها "رتيبة" على وضعيته الصحية المستقرّة، ومع نهاية الأسبوع؛ قرّرتِ الطبيبة مَنْحَهُ الإذن بمغادرة الملْحقة الاستشفائية، بعد أن كتبتْ له وصفة أدوية ومقوّيات، وسلّمتْهُ قُصاصة حدّدتْ فيها تاريخ المراقبة الصحية المقبلة مع نهاية الشهر القادم؛ وهو ما يتزامن وعودتها من الإجازة. نصَحتْهُ بِجِدّية واضِحة: " لا تُغامِرْ مرة أخرى.. ضربات الشّمس لا ترحم.. ابْحَث عنْ عمَلٍ آخَر، ودَعْكَ مِنْ بيْعِ النفايات تحْتَ حرارة صيْفٍ حارِق..!" يهُزُّ رأسَهُ مُمْتنّاً، يخرُج؛ وهو يُخبّئ الوصفة والقُصاصة في جيْب سُتْرته الجديدة... قدماهُ تنْعَمانِ لأوّلِ مرّة بِالمِشْيَة المُريحَة..
قلـمُ القُمــــــامَة يُجدِّدُ حِـبـْره...!
في شبْهِ منْزِلٍ متآكل؛ بدأتِ الشُّقوقُ تتنافس على جُدْرانه؛ يعيش "أحمد بن عامر" مَضْغوطاً بخوْفيْن: الخوف من أن تسقط جدران الغرفة عليْه؛ خاصة في فصل الشّتاء حيْثُ تتسرّبُ الأمطار من رُكْنٍ في السّقف.. والخوف مِنْ أنْ يفقد هذا المأوى -على هشاشته ورداءته- فالشِّبْهُ منزل؛ أصبح يًشكِّلُ خطراً حتى على سُكّان الجِوار.. منظره من الخارج يوحي بِقُرْبِ مصيره.. هو الشيء الوحيد الذي ورِثَهُ عن أبويْهِ. كان والدهُ يقوم بين الفينة والأخرى؛ بترْقيع ما فسُدَ منهُ؛ اعتمادا على مُساعداتٍ يحْصُل عليْها مِنْ هنا وهُناك... لحظات بعد دخوله المنزل؛ تتوالى عليْه زيارة الجيران البُسطاء.. منهمْ مَنْ يأتيه بما تيسّر من الطعام والشراب.. ومنهمْ من يكتفي بتقديم إبريق قهوة أو شايٍ مع شيء من الفطائر، كلٌّ حسب مقدرته.. يمتنّ في قرارة نفسه؛ لهذه البساطة المعجونة بالطّيبة.. تجمّعوا حوله، دعوا له بالشفاء التام.. وَعَدوهُ بِالتّفقّد له؛ ثمّ غادروا.. كُلٌّ صَوْبَ وِجْهَته.
جدران المنزل مُشْتَعِلة بحرارة الصّيْف.. النّومُ يُجافيه.. ينْهَضُ إلى دُرْجٍ مكْسور، يُقلّبُ الأشياء المُبَعْثَرة داخله.. يجدُ قلماً قديماً مُغْبَرّاً؛ يمعن النّظر فيه...يُجَرّبه بتسْطيرِ خطٍّ على أحد كفّيْهِ... يشعر بأريحية لأنّ القلم ما يزال صالحاً للكتابة... فقد وجدهُ في السَّنة الماضية مع أشياءَ أخرى في القمامة، استغرب وهو يلتقِطهُ.. كان قلماً جميلاً، داخل علْبةٍ فضية مُسْتطيلة؛ وتحْتهُ قطعة صغيرة مُربّعة من قماش فخْمٍ؛ مسحَ العُلْبة بِكُمِّ قميصِه؛ لِيُزيلَ عنها ما علق بها من الأوساخ؛ تساءل بحيْرةِ: " أمِثْلُ هذا القَلَم يُرْمى..؟! " زفر، ثمّ أعاد القلم داخل العلبة، ووضعه في جيْبه بعناية كبيرة؛ مخافة أن يسقط منه عندما ينحني لتجميع الأغراض المُبَعْثرة عند قدميْه. أوْصلَ النّفايات إلى مكان التّسْليم وعَرَقُهُ يتصبّب، وعمودُهُ الفقري يكاد ينْخلعُ عن بقية جِسْمه.. اسْتلم أجْرَتَهُ وتناسى وجَعَهُ ولوْ إلى حين. عندما رأتْ والدتُه العُلْبة الفضية؛ أغْرَتْها... أعادتْ مَسْحها بِمِنْشفةٍ مُبَلّلةٍ؛ ووضَعتْ داخلها نظاراتها ورمتْ بالقلم في الدُّرج.. ضحك.. تذكّر نصّاً فُكاهياً؛ درَسَهُ أيامَ المدرسة... قصة "مُعاذة العَنْبَرية" التي صوّر فيها "الجاحظ" حيلة امرأة بخيلة؛ أبتْ إلا أن تستفيد من جميع أجزاء الأضحية التي قُدّمت لها في العيد.. فوضعت هندسة دقيقة؛ أوْصلتْها إلى الاسْتفادة الكلية حتى من فرْث الأضْحية ودمائها..! كان "أحمد بن عامر"؛ كلّما فتح الدُّرْج لسببٍ أوْ لآخرَ؛ ووقعتْ عيْناه على ذلك القلم؛ همس لنفسهِ بحسْرة: " أهكذا تُعامَلُ الأقلامُ الرّفيعة..؟! عجباً لِمنْ ضاقوا بها ولمْ يعْرِفوا قدْرها فرَمَوْهَا؛ رغم أثريتِها وخِفّةِ مَحْمَلِها..!"
أغْلَقَ الدُّرْج، توجّه إلى الخزانة الحديدية الصّدئة؛ حيْثُ تعودتْ والدته تجميع فواتير الكهرباء والماء ووصفات الأدوية والتقارير والتحاليل الطبية التي كان زوجها قد خضع لها طوال سنتيْن كاملتينِ قبل وفاته. بحث الفتى في المتفرّقات... وعثر على حفْنَة أوْراق؛ قدْ شابَها الاصفرار، غير أنّها خالية من أيّةِ كتابة.. نفض عنها الغُبار وبعض حُبَيْباتِ أعْشابٍ تالفة؛ لا شكّ أنّ أمّهُ كانتْ تدْعَمُ بها علاج زوجها بعد خروجه النِّهائي مِنَ المُسْتشفى. قرّبَ الأوراق من أنْفه.. لا رائحة فيها.. إذنْ؛ ما تزالُ صالحة للكتابة..! جلس؛ والأوراق بين يديْه... فكّرَ لِلَحظات... سيَسْتعْملُ القـلـمَ الأثرِيّ لأوّلِ مرّة...! سمع طرْقاً خفيفاً على الباب؛ فتحه... أحد الجيران؛ كان قد تكلّف بوصفة الأدوية؛ ها هو يُحْضِرُها له.. يتسلّمُها الفتى؛ تخونه الكلمات.. لا يعرف كيف يشكره.. يُقبّلُ رأسه ويدعوه إلى الدّخول، غير أنّ الرّجل يعتذر وينصرف وهو يوصيه بالعناية بنفسه. يعود إلى جلْستِه؛ بعد أنْ تناول نوعاً من الدواء؛ وترك النوْع الآخر للمساء؛ حسب التوزيع الذي خطّهُ الصيْدلي على عُلب الأدوية.. يشرع في الكتابة... لعلّها رسالة.. سيكتب وسيكتب كلّ يوم جزءاً من حياته الماضية، وسيحرص على تدوين أحداث يوْمه، لنْ يتوقّفَ عن البوح على الورق؛ حتى يحين موعد الفحص القادم. ربّما في الأخير؛ سيحسم الأمر حين يهْتدي إلى تصْنيف ما كتبَهُ؛ تحْتَ شكلٍ من الأشكال..
وتتفتّقُ الحروف رغم صمتِ اللسان...
صوْتُكِ الجادّ ونبْرَتكِ الصَّارِمة؛ يسْكُنانِ أذني... "لا تُغــــامِـرْ.. ! لا تُغــامِــرْ". سأروي لكِ سيّدتي؛ ما لا تعْلَمينَهُ عنْ أسْباب مُغامَرَتي.. قدْ تعْذرينَني.. وقدْ تتحاملين عليّ.. لا يهمّ.. لم يكنْ للعائلة دخْلٌ يسُدُّ احتياجاتها، منذُ وعيتُ؛ وجدْتُ والدي يمْتَهِنُ جمع النّفايات البلاستيكية وبيْعها. قضى سنواتٍ عاكفاً على تصيُّدِ النّفايات حتّى في أقْذَر البُقع.. نقتاتُ منْ مداخيلِها الزّهيدة.. عندما يعود في آخر المساء؛ تُجهِّزُ له أمّي دلْواً من الماء وقطعة صابون؛ وتُساعده على غسْلِ أطرافه.. لم يكن يستطيع الاستحْمام التّام بسبب شحِّ المياه في المنطقة التي نسكنها.. كانت دائماً تحرص على توفير ذلك الدّلْو مهما كانت الضرورة. سمّيْناهُ "دلوَ أبي المُقَدّس"... مع مرور السنين؛ بدأتْ صحة والدي في التّدهور.. يشكو ظهره، يشكو ساقيْه، يشكو ذراعيْه.. عيناه تدْمعان في كل وقت... تورّمتْ قدماهُ ولمْ يعُدْ قادراً على المشي.. تحامل على نفسه في البداية، وواصل العمل؛ غير أنه لم يلبث أن دخل المستشفى بعْد أنْ وجده بعْضُ المارّة؛ مُغْمى عليْه في طريق مِفْرَغة المدينة. بَيَّنتِ الفحوصات أنّ الوالدَ مريض بالسّكري. مع الأيام؛ اشتدّ تورُّم قدميْه ثمّ ساقيْه... لم يعُدِ الدواء ينفع.. حانت الساعة التي كان يخشاها الجميع.. بتْرُ رِجْليْهِ إلى غاية الفخذيْن...!!
شعُر "أحمد بن عامر" أنّه لا يستطيع متابعة الكتابة، ازدادتْ ضرباتُ قلبه؛ امتلكه الدّوار، مدّ يده إلى قارورة ماء؛ كان قد جلبها إليْهِ جارهُ...شربها عن آخرِها رغم أنها لم تعد باردة كما كانتْ... فحرارة الجوّ أفسدتْ عليْه حتى الشّرْبة الماتعة.! ترك القلم وتمدّد في فراشه... اختلطتْ عليه الكوابيس بالأحْلام.. بالذكريات... تمثّلتْ أمامه صورة مُعلّم الرّسم وهو يشيد بكفاءة هذا التلميذ النابغة... فقد كان "أحمد الصغير" مُحبّاً لمادة الرّسم، يسْعد أثناء حصصها أيّما سعادة، فيُفضِّلُها على باقي موادّ البرنامج الدراسي.. حتى أنه نجح في الرّسم فقط؛ وتمنّى أنْ ينتسب إلى إحدى مدارس الرّسم؛ لكنْ أنـّـى له ذلك.. ففي مدينته الصغيرة؛ لا يوجد معهد للرسم، وفي جيْبِ والده؛ لا يوجدُ سوى ما يسُدُّ به قوتَ عائلته... ماتتِ الأمْنية وماتت معها الرّغْبة في الإقبال على الدراسة؛ بشكلٍ كُلّي. غفا للَحظات؛ فتمثلت له صورة والده وهو يوضعُ في قبره بعد ستة أشهر منْ عمَلية البتر.. قام مُرْتَبِكاً، لم يعُدْ يستطيع التّنفُّس؛ خرج من الغرفة وارتمى على الأرض؛ تحْت سقْفِ مدْخل البيْت؛ ظنّاً منه أن تغيير المكان؛ سيمنحه بعضاً من الانتعاش.. وفعلاً تهيّأ له أنّ هذا الجزء المُربّع من مدْخل البيت؛ باردٌ نِسْبِياً إذا ما قورن ببقية المنزل... تريّثَ قليلاً، ثمّ ذهب وجلب القلم والأوراق وعاد يكتبُ من جديد...
نعم، سيّدتي وطبيبتي الكريمة؛ مأساة والدي؛ هدّتْنا جَميعاً. وما كِدْنا نتجاوزها؛ حتى أُصيبتْ أمّي بِشللٍ نصفي... اعتنتْ بها اختي المتزوجة؛ مدة قصيرة في بيْتنا؛ ثمّ لمْ تلبث أنْ أخذتْها معها إلى بيْتها في إحدى المُدن النائية؛ وذلك بعْد مُوافقة زوْجها... كان الرَّجل كريما شهماً؛ رَحّب بالفكرة رغم قساوة ظروفه، ودعانا إلى زيارتها متى شئنا.. بقيتُ مع أخي الذي كان يشتغلُ في إحدى المخابز؛ إلى أن تشاجر ذات يومٍ مع زميلٍ له؛ فاستخرج هذا الأخير سِكّينهُ وطعن أخي طعنة في الذّراع؛ نُقِل على إثرها إلى المستشْفى. لمْ أُخْبِرْ لا أختي ولا أمي الماكثة عندها. ظلّ أخي مدة تحت العلاج؛ وعندما شُفِيَ غادر إلى وجهةٍ أخرى؛ بَحْثاً عن رزقه.. كان يعود إلى المنزل في فتراتٍ مُتباعِدَة؛ ثمّ لمْ يلْبثْ أن انقطعت أخباره. كم اشتقتُ إليْه..! لا أزال أنتظره.. أوْ لا أزال أتخيله يطرق الباب؛ وعندما كنتُ أُذكّرهُ بأنّ نسْخة ثانية من المفتاح معه؛ ويجب أن يستخدمها، يُقهْقِهُ عاليا ويقول:" كيف أفتح وبيدي كل هذه الأغراض... أتيْتُك بخبز، وبطعام متنوّع، وبِقارُورَاتِ مِياهٍ مَعْدنية... يَدَانِ لي فقط ؛ كما ترى..!" ثمّ يذهبُ إلى المطبخ ويأمُرني بتجْهيزِ المائدة.. أضْحكُ وأدْعو له في سِرّي: "اِحْفظْهُ لي ياربّ.. " عشْنا على هذا الحال زمناً حتى انقطعَ قُدومُهُ فجأة.. بحثْتُ عنه في كل الأماكن التي كان يتردّدُ عليْها... قدّمتُ بلاغ اختفائه إلى الشرطة، َوعَدُونِي بِالتّقصّي.. طال الأمد حتى جاء ذلك اليوم؛ الذي استدْعَتْني فيه الجهة المختصّة للتعرّف على الجثة. لا أدري كيف وصلْتُ هناك... لا أدري كيف حمَلتْني قدمايَ.. حين وصلْتُ؛ لم أستطعْ الدخول إلى غرفة حِفْظِ الجُثث؛ اقتادني المسؤول عن المكان؛ رفع الغطاء... جثوْتُ على رُكْبَتَيّ.. صِحْتُ بهستيريا : " هذا ليس أخي...!"
سيدتي وطبيبتى الفاضلة؛ خرجتُ من محنة فرضية موت أخي؛ إلى محْنة حقيقية جديدة.. فقد وصلني نعْيُ والدتي؛ أخذْتُ ما تبقّى لي من المال الذي كان أخي يَمُدُّني بهِ كلما جاء إلى البيت.. لمْ أكُنْ مُبذّراً، تعوّدْتُ على الاقتصاد في كل شيء.. أذكر أنّ أخي عاتبني مرّةً وهو يُقلِّبُ معطفي الرّثّ.. " أنا أترك لكَ في كل فترة نصيباً من المال؛ فلماذا لا تشتري لنفسك معطفا مناسباً.. لا تحْمِلْ همّاً.. سأعوّضك في كل مرة حسب استطاعتي.." وحتّى أُجْبِرَ بخاطره؛ اقتنيْتُ معطفاً من دكّانٍ للألبسة المُسْتَعْمَلَة. لم يتفطّنْ أخي.. ولا أنا أخبرْته بشيء. بعد دفن أمّي بيوْميْنِ؛ عُدْتُ إلى منزلي مُمْتطياً شاحنة سِلَعٍ؛ صاحبُها من معارف صهري. فهمتُ أنّ صهري إنما أراد أن يرفع عنّي تكاليف المواصلات، شكرْته وأوْصيْتُه بأختي خيْراً. طال غياب أخي...بعْتُ بعض أثاث البيت وكُلّهُ قديم؛ ومن ضمْنِ ما بِعْتهُ: كرسي والدي المتحرّك. أهْدَتْهُ إيّاه جمعية خيرية؛ ولم يستعْمله إلا لِفترة قليلة؛ بسب وفاته. سعِدتُ بثمن الكرسيّ وظننتُ أنّي ودّعْتُ رائحة أبي من خلال بيْعه. كان الثمنُ زهيداً، ومع ذلك؛ دبّرْتُ به أموري.. يوْمها زرتُ أبي في المقبرة؛ وكأنّني أعتذر عنْ فِعْلَتي.. هناك رأيتُ شابّاً بين القبور؛ يجمع أواني صغيرة ؛ وضعها أصحابُها عند رؤوس موْتاهُمْ؛ وفي اعتقادِهِمْ أنّ الطيور ستشرب الماء من هذه الأواني؛ وأنّ في ذلك صدقة على الموتى.. عجِبْتُ من جرأة الشابّ وهو يضع ما جمعه داخل كيس كبير مُرقّع.. اِنتبه إليّ وأنا أُحَدِّقُ فيه.. طلب منّي أن أُساعدهُ برفْعِ الكيس فوق ظهره.. أعَنْتُهُ؛ وسِرْناَ معاً للخروج من المقبرة. لا حظ الشابُّ استغرابي، ودون مُقدّمات حكى الذي عنده.." أنا أبيع هذه الأواني الصّغيرة؛ لأصحاب الخردوات.. آخذها وهي فارغة من المياه كما ترى.. أواني أصابها التّلف وأكلها الغبار؛ ولم تعد صالحة لسقي الطيور.. فلماذا نتركها هنا... هذه الأواني أصبحتْ صدقة من الأهالي ليس على الطيور فقط؛ وإنّما صدقة عليَّ أنا أيْضاً...!! فمِن أثمانِها البخْسة؛ أسُدُّ رمق عائلتي.." عاد وأنزل الكيس ووضعه بين رِجْليْهِ؛ أحْكَم ربْطه، رَماهُ فوْق ظهْره؛ وذهب وهو يُدنْدن: " رحمة الله على مَنْ نَفـعـني حتّى وهو ميّــــت..!"
رُبّما كانتْ مُصادفة هذا الشابّ بين القبور؛ هي السّبب في وُلوجي عالم جمْع وبيْع النّفايات لأنّي لمْ أتفطّنْ لهذه الفكرة؛ رغم أسبقية والدي في هذا الميدان.. ظننْتُ أنّ الاشتغال بمثلِ هذا العمل؛ إنما هو خاص بالكبار فقط.. قارنتُ بيْني وبيْن الشابّ، وجدته أكبر منّي سنّاً وأقوى مِنّي بِنْيَة.. سخِرْتُ منْ بلاهتي وعُدْتُ إلى البيت؛ أبحث عنِ الأكياس التي كان أبي يجمع فيها النّفايات. وجدْتُها فوق سطح الدّار وقوافلُ النّملِ والدّيدان تطوف داخلَها..! شعُرْتُ باشمئزاز كبير، جمعتُها كلّها وخرجتُ إلى مِفْرَغة الحيّ حيث تخلّصْتُ منها.. قصدتُ المخبزة؛ طلبْتُ منْ أحد العمّال كيس دقيق فارغ إنْ كان مُمْكِناً...حوّلَ طلبي إلى "الحاج بوعلام" مالك المخبز ة؛ تذكّرني هذا الأخير، سألني عنْ أخي.. ترحّم على والدي ووالدتي وسلّمني عدّة أكياس كبيرة؛ علِقَ بها غبار القمح المطحون. شكرْتُهُ... نفضْتُ الأكياسَ في رُكْنٍ من الطريق حتى لمْ يبق بها شيء من الغبار الأبيض. تلك كانتْ بداية الرّحلة؛ إلى كوكبِ النّفايات...!! اِشتغلْتُ بعفوية وبشجاعة، وكنت كلّما حصلت على أُجْرتي مساء؛ إلّا وزاد حماسي.. أجوبُ الشوارع الواسعة والأزقّة الضيقة، أنزِلُ إلى المُنْحَدرات الوعرة، صرتُ أحفظ الأماكن التي تُدرُّ عليّ الرِّبْح الوفير.. غرِقتُ في الشُّغل ولم أنْس أخي.. مع مرور الأيام؛ بدأت أشعر بالتّعب خاصة في فصل الصّيف. ذهبتُ إلى استشارة طبيبٍ عامّ في السنة الماضية؛ من أجل فحْصٍ عادٍ... غير أنّه وجّهني إلى المُلحقة الاسْتشفائية ومعي رسالة إلى زملائه؛ فهمتُ منها ضرورة استقبالي هناك؛ لتلقّي العِلاج اللازم. بقيتُ تحت إشراف الأطباء أربعة أيام. تحسّنَ حالي بعْدها؛ غادرتُ ؛وكُلي شوْقٌ إلى كوْكبِي الخاصّ ! بحلول فصل الشّتاء؛ قلّصْتُ فترات عملي.. فسُيولُ المطر وتراكم الوحل في الأماكن القذرة؛ صعّبا عليَّ المهمة. اِغتنمتُ هذه الفرْصة؛ وحاولتُ غلقَ شقوق الجدران الداخلية للبيْت، اشتريْتُ ما تيسّر من المستلزمات ورحْتُ أملأُ الفراغ بالتّرقيع العشوائي..! غير أنّ هذا التّرقيع لم يصْمُدْ طويلاً أمام العاصفة التي ضربت المنطقة. سقط الجِدار الخلفي للمنزل وتسبّب في هلعٍ كبير لساكنة الجِوار، فقدّموا شكواهم إلى الجهة المُخْتَصة.. تَمَّ اسْتِدْعَائي فلمْ أجِدْ ما أقول.. انصرفْتُ وظلّ الجيرانُ ينْتظِرون الحلّ... وظللتُ أنا شِبْهَ مكْشوفٍ للمارّة؛ عوّضْتُ الحائط بِقُماشٍ غليظ؛ يسْتُر ما ظهر من خُصوصِياتي...! لا يوجد في هذا البيت ما أخشى فقدانه.. أجرتي القليلة؛ دائما في جيوبي، تنام معي وتقوم معي.. جيراني يعرفون حالي. انقضى فصل الشتاء، تجدّد نشاطي مع النّفايات.. اكتشفْتُ أماكن جديدة، تضاعفتِ الأجرة، فكّرتُ في اكتراء غرفة واحدة؛ أقتسِمُ تسديد أجرها مع من هُم على شاكلتي وما أكْثَرَهُم!. لمْ أُفْلِحْ في العُثورعلى من يسْتسيغ الفكرة.. تناسيْتُ الأمر، ورُحْتُ أستقبلُ الصيف بتفانٍ كبير في جمع النفايات... وكانت النّتيجة؛ دُخولي الملحقة الاستشفائية لِثانِي مرّة في حياتي.. والبقية تعرفينها سيدتي الطبيبة. أنا اليوم بخير؛ لأنّي عمِلتُ بنصيحتكِ ووجدتُ عملاً أقلّ ضرَراً: تنظيفُ إسطبل خُيولٍ؛ تابعٍ لأحد أثرياء المدينة، دلّني عليْه؛ "الحاج بوعلام" صاحب المخبزة بعد أن عجز عن تشغيلي عنده؛ بسبب كثرة اليد العاملة لديْه. صرتُ أُنظف يوْمِياً وأتقاضى أجرتي في نهاية الأسبوع؛ مع إكراميات إضافية بين الوقت والآخر؛ يعطيها لي أبناء مالك الخيول. صِدْقاً؛ طبيبتي الغالية؛ لقد ارتحت من التنقل تحت جحيم الصيف؛ وها أنا أستعدّ لموعد المراقبة الطبية في الملحقة الاستشفائية بكلّ فخر. أتمناكِ بخير، ودمتِ سالمة ُمتألقة ُمشرقة. " أحمد بن عامر"؛ بائع النفايات سابقاً. منظف الاسطبلات لاحقاً.
طوى الأوراق، ثم وضعها مع "كارط "المراقبة في انتظار مطلع الأسبوع القادم؛ موعد عودة رئيسة الأطباء "حكيمة" من إجازتها الصيفية.
الدّلـوُ المُقدّس يعود إلى الوَاجِهَة...
يحينُ دورهُ، تُدْخِلُهُ الممرّضة إلى قاعة الفحص؛ بعد أن أخذتْ منه "الكارط" وأعطتْهُ للطبيبة "حكيمة".. بعد التحية؛ تدعوه إلى حيث طاولة الفحص. بارْتِباكٍ كبير؛ ينْزعُ قميصهُ، تقوم "حكيمة" بالمُعايَنة الدّقيقة.. تسأله إن كان يشعر بِضيْقٍ في التّنفُّس.. يُجيبُها: "نعم؛ في بعض الأحيان فقط وليس دائماً.. مع دُوارٍ مِن وقتٍ لآخر.." يطولُ الفحص.. تشكُّ الطبيبة في أمْرٍ ما.. تطلب من الممرّضة أن تأخذه إلى الغرفة المُجاوِرة؛ لِتُسْعِفَهُ بجهاز الأكسجين مدة معيّنة يعود بعْدها إلى مكتب الطبيبة، تدلُّهُ على بعض التّحاليل التي يجب أن يقوم بها سريعاً مع ضرورة إجراء فحص بالأشعّة عند أحد الخواصّ.. فجهاز المستشفى أصابه عطب؛ ولا يعلم أحد متى يشتغل..! يذْعَنُ للأوامر، يخرُجُ شاكراً، ممتنّاً لهذه السيّدة الطّيّبة. أرْبَكهُ أمْرُ الأوراق التي كتبَها منذ مدة على فترات.. أحسّ أنه لا يملك الجرأة ولا الشجاعة حتّى يُسلِّمَها إيّاها.. لمح الممرِّضة في الرّواق؛ تنادي مريضاً آخر ليدخل... تقدّم إليْها وناشدها أن تُعْطي هذه الأوراق ِلطبيبته "حكيمة"؛ مُدّعِياً أنّه كان قد نسيها في جيْبه. تردّدتِ الممرِّضة في البدء؛ ترجّاها.. أخذت الأوراق ووعدتْه بتسليمها حالما يخرج المريض الآخر من عندها.. شكرها وانصرف. كانت وجهته الأولى؛ الإسطبل... لا بدّ أن يستأذن قبل الغياب عن العمل. أطلع صاحب الخيول على أوراق الفحوصات التي سيجريها؛ ووعده بأنه سيعوّض كل غيابٍ؛ بمضاعفة العمل في الفترات المسائية. أكرمه الرّجل ببعضٍ من المال للمساعدة... رَفضَهُ الفتى بكلّ أدب...
بعْد يوْميْن؛ عاد إلى المُلحقة الاسْتشْفائية بكلِّ ما طُلِبَ منه من تحليلات وفحوصاتٍ بالأشعّة. أُدْخِلَ على الطبيبة؛ رحّبتْ بهِ، أخبرتْهُ أنّها اطّلعتْ على ما كتبه.. أثْنَتْ على أسلوبهِ السّلس، شكرتْهُ على ثقته؛ فلولا هذه الثقة؛ لما رضيَ بالبوح بما كان يعيشه. كانتْ "حكيمة" تخفي -بصعوبة – تأثّرها الشديد بما قرأتْ.. علِقَتِ السّطورُ بذاكرتها.. تألّمتْ.. تساءلتْ؛ عن مصير هذا الفتى المسكين..! " هلْ يوجد ضِمْنَ مرْضانا مَنْ يُعاني إلى هذا الحدّ.. ونحن لا نعلم شيئاً..! كيف استبْدَلَ الفتى قذارة بقذارة أخرى..؟ كيف انتقل من قذارة جمع النفايات وبيْعِها إلى قذارة تنظيف الإسطبلات..؟! التجأتْ إلى أخيها "معاذ" طالبة منه المساعدة. كان "معاذ" صاحب دار للطباعة والنشر، وعدها بتشغيلِه وبإيوائه في المخزن الواسع إنْ هو رضيَ بذلك. فرحت الطبيبة الطيبة وتمنّتْ ألا يخذلها الفتى..
وهي تقرأ نتائج التّحاليل ودون أن ترفع رأسها نحوه؛ تأكّدتْ أنّ الفتى مُصابٌ بمرض السّكّري.. تلعْثَمتْ قبل أن تخبره.. وبعد تهيئة نفسية قصيرة؛ أطلعتْه على الأمر. وَجَم.. نكّس رأسه.. غافلتْهُ دمعة ساخنة؛ سارع إلى تجفيفها... بـكـى قلبُ الطبيبة الطيّبة.. تظاهرتْ باللامبالاة... غيّرتْ مجرى الحديث وروَتْ لهُ ما اتفقتْ عليه مع أخيها "مُعاذ". لمْ يستوْعِبْ في البدْء.. لكن شيئا فشيئاً أدرك أنّه أمام "مــــــلاك" على الأرض...!
يستلمُ شُغْلَهُ في المطبعة؛ يتّخذها مأوى مؤقّتة، يطّلعُ على أنواعٍ شتّى من المطبوعات التي تنتظر التّسويق. على جُدران المطبعة؛ يتأمّلُ صوراً لِرُسوماتٍ مُجَسّدة بتقنية عالية.. يتذوّقُها، يحِنُّ إلى موهبته الدّفينة: "الرّسم".. يستأذن صاحب المطبعة في أخذ ما يلْزَمُهُ؛ يقضي ليلهُ في اسْتحْضار الذكريات.. كان أوّل شيء يرسمه؛ "دَلـوُ والده المُقدّس."! يضع الرسمة داخل إطارٍ فضي؛ يحتفظ بها حتى يُهْديها لِمَلاكِهِ عند الفحْص القادم... ينامُ مُسْتأنِساً بطيْفِ الملاك الذي يأبى أنْ يُغادر مُخيّلته...
