الاثنين ٢٠ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم منذر أبو حلتم

جسد من قماش

في عتمة القبو الذي تفوح منه رائحة القماش العتيق وزيت آلات الخياطة، كان مقصك يلتهم الفراغ بصوته الرتيب: «تك... تك... تك». لم تكن تخيط ثياباً للبشر، بل كنت تنسج، بيقين بارد، جلوداً بديلة لكيانات تنتظر خلف جدار المرآة.

كل شيء بدأ في ليلة تشرين غارقة في الضباب. نسيت نظارتك على طاولة الكي، فعدت إلى المشغل في منتصف الليل. وضعت يدك على مقبض الباب الخشبي، فسمعت ما لم يكن ينبغي سماعه: خشخشة حرير، وهسيس صوف، واحتكاك ورق قديم.

فتحت الباب مواربة، فتجمدت أنفاسك.

في الزاوية، كان فستان سهرة مخملي أحمر ينحني برشاقة أمام بدلة توكسيدو سوداء خالية من الجسد. كانت البدلة تقف بصلابة ملكية، كأن هواءً كبريتياً ينفخ فيها.

«لقد شددتِ وثاق خصركِ أكثر من اللازم اليوم»، قال التوكسيدو بصوت أجوف ينبعث من الفراغ بين الياقة والكتفين.

أجاب الفستان الأحمر وهو يتثنى بهزات خفيفة: «يظن أن الأجساد طين، ولا يدرك أننا نتحرر من خطوط الطباشير بمجرد أن يغلق القفل».

على الرفوف، كانت القمصان تثرثر بلهجات هجينة، وفساتين الزفاف البيضاء تقف كراهبات صامتات، تطوي أطرافها وتفردها كأجنحة فراشات ليلية.

لم تشعر بالخوف. أغلقت الباب بهدوء وعُدت إلى شقتك. في تلك الليلة لم تنم. كان في أصابعك وخز غريب، كإبرة تخترق الجلد وتربطك بالقبو إلى الأبد.

مع مرور الأسابيع، تحول الأمر إلى طقس مقدس. كنت تنهي عملك مبكراً، تتظاهر بالمغادرة، ثم تعود خلسة إلى خزانة المهملات. هناك كنت تراقب حياة الثياب السرية، فتكتشف أنها ليست مجرد أقمشة متحركة، بل مجتمع بائس وساخر.

البدلات الرسمية تمارس طقوساً برجوازية فارغة، تتبادل التحيات بجيوب خاوية. الفساتين الممزقة تبكي في الظلام خيوطاً منسولة. والمعاطف الثقيلة تحرس النوافذ، تفرد أكمامها لتبعد القمصان الرقيقة عن برد الليل.

كنت تشعر تدريجياً أن هذه الثياب تمتلك هوية أصدق وأوضح من البشر في الأعلى. أما البشر فهم مجرد هياكل عظمية دافئة تمنح الثياب معنى مؤقتاً. وأنت... أنت بدأت تشعر أنك أقرب إليهم من أي إنسان آخر. فقدت الرغبة في الكلام مع الجيران، وصرت تمشي بينهم كشبح بلا عظام. حتى خياطتك تغيرت: لم تعد تصنع ملابس تناسب الأجساد، بل تخيط جيوباً سرية للهمس، وياقات تخنق الصوت، وأكمام تلتف كالأفاعي.

في ليلة عاصفة، قررت أن تنزل ولا تختبئ بعد الآن.

مشيت بخطى ثابتة إلى منتصف المشغل. توقفت الثياب فجأة. ساد صمت ثقيل.

وقفت أمام البدلة السوداء ونظرت إلى الفراغ الذي يمثل الرأس:

«لماذا تتركونني في الخارج؟ أنا من منحكم هذه الانحناءات... أنا من رسم خيوطكم».

ارتفع كم البدلة ببطء، لمس وجهك. كان ملمسه بارداً وجافاً، لكنه يحمل حناناً غريباً. قالت الياقة بصوتها الأجوف:
«أنت لست في الخارج. أنت فقط ترتدي الجلد الخاطئ. الجلد البشري يترهل ويموت ويتعفن. أما الخيوط... فالخيوط تُعاد حياكتها إلى الأبد».

ابتسمت. صعدت إلى طاولة الخياطة الكبيرة، وتمددت عليها بكامل جسدك. أغمضت عينيك وأخذت نفساً عميقاً.

في تلك اللحظة انفجرت الثياب كأمواج ملونة. اقترب الفستان الأحمر، ونزلت القمصان، وتدلت المعاطف. ماكينة الخياطة دارت من تلقاء نفسها بجنون، وملأ صوت «تك تك تك» القبو كضربات قلب جديد.

بدأت المقصات تقص الهواء حولك. اخترقت الإبر جلدك بنعومة مؤلمة ولذيذة في آن واحد. شعرت بالخيوط السوداء والرمادية تتسلل داخلك، تُذيب العظام، تملأ الصدر قطناً بدلاً من رئتين، تُحوّل اللحم إلى نسيج مرن. كان الألم يختلط بنشوة غريبة، والرعب بنوع من التحرر.

اختفت ملامح وجهك تدريجياً، وصرت نسيجاً واحداً متماسكاً من الجوخ الفاخر.

في الصباح التالي، نزل صاحب البناية إلى القبو بعد أن لاحظ أن الأنوار لم تنطفئ. فتح الباب فلم يجد أحداً. المشغل كان مرتباً بشكل مريب، والمقص مغلق، والآلة نظيفة. أغلق المكان ووضع القفل الجديد.

لكن الجيران يؤكدون حتى اليوم أنهم أحياناً — في ساعات الليل المتأخرة — يسمعون صوت ماكينة الخياطة يتردد من تحت الأرض: «تك... تك... تك». يسمعون همسات خفيفة، وضحكات مكتومة، وخشخشة أقمشة تتحرك بمفردها. وفي بعض الليالي المظلمة، يرون ظلالاً طويلة تنعكس على نوافذ القبو المغلقة تماماً... ظلال أكمام ترفع ببطء، وياقات تُعدّل نفسها، وفساتين تنحني في رقصة خفية لا تنتهي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى