طريق ترابي خلف المطار
بعد ثلاثين عامًا من الغربة، لم يعد يتذكر الوطن جيدًا.
كان يتذكره كما يتذكر المرء حلمًا قديمًا: شجرة قرب بيت الطفولة، صوت بائع متجول عند الظهيرة، وجه أمه عند نافذة مضاءة، وغبارًا ذهبيًا كان يسبح في الهواء وقت العصر.
أما الباقي، فقد محته السنوات.
لذلك لم يشعر بشيء استثنائي عندما بدأت الطائرة هبوطها.
نظر من النافذة.
لم ير سوى الغيوم.
كانت طبقات كثيفة من السواد والرماد، كأن السماء كلها تحولت إلى بحر بلا قاع.
ثم بدأت العاصفة.
ارتجفت الطائرة بعنف.
توهج البرق حولها مرات متلاحقة حتى بدا كأن الزمن نفسه يلتقط صورًا خاطفة للعالم.
وفي لحظة معينة، حدث شيء لم يستطع تفسيره لاحقًا.
رأى ومضة طويلة جدًا.
أطول من أن تكون برقًا.
أقصر من أن تكون حلمًا.
وخلالها شعر أن الطائرة لم تتحرك إلى الأمام...
بل إلى الخلف.
كأنها لا تعبر الهواء، بل تعبر شيئًا آخر.
شيئًا غير مرئي.
شيئًا يشبه العمر.
ثم انتهت الومضة.
وعادت الأشياء طبيعية.
وأعلن القبطان أنهم هبطوا بسلام.
كان الضباب كثيفًا بصورة غير مألوفة.
حين خرج من باب الطائرة لم ير الأرض.
لم ير السلم.
لم ير حتى قدميه.
كان كل شيء أبيض.
أبيض إلى درجة أن العالم بدا وكأنه لم يُخلق بعد.
بدأ يمشي.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وكان يشعر بشيء غريب.
شعور لا يشبه الوصول.
ولا يشبه الضياع.
بل يشبه التذكر.
كأن المكان يتذكره قبل أن يتذكر هو المكان.
بعد مسافة غير معروفة بدأ الضباب يخف.
ببطء شديد.
كما تنسحب ممحاة عملاقة عن لوحة قديمة.
فتوقف.
لم يكن هناك مطار.
لا مدرج.
لا أبراج.
لا أضواء.
لا شيء مما كان ينبغي أن يكون موجودًا.
كانت الأرض منبسطة وواسعة.
حقول صامتة.
أعشاب برية.
طريق ترابي يشق السهل مثل ندبة قديمة.
وفي الأفق البعيد كانت تلمع نوافذ بيوت قليلة.
بيوت منخفضة لم ير مثلها منذ طفولته.
بدا المشهد مألوفًا على نحو مؤلم.
مألوفًا أكثر مما ينبغي.
ثم فهم السبب.
لقد رأى هذا المكان من قبل.
لكن ليس بعينيه.
بل في ذاكرة أبيه.
مرت أولًا شاحنة قديمة.
ثم عربة حصان.
ثم رجال بملابس تراثية.
تتبعهم نساء يسرن بما يشبه الإرتباك ..
وكان الجميع ينظرون إليه بدهشة.
كأنهم لا يرون غريبًا.
بل يرون شيئًا لا ينبغي أن يوجد.
أما هو، فكان يشعر بالعكس تمامًا.
كان ينظر إليهم وكأنه يرى أشباحًا خرجت من صور العائلة القديمة.
ولأول مرة خطر له سؤال غريب:
من الشبح هنا؟
أنا أم هم؟
مع مرور الساعات بدأ يكتشف شيئًا أكثر غرابة.
لم يكن الناس يعرفون المطار.
ولا المدينة الحديثة.
ولا الأبراج.
ولا الطرق السريعة.
كل شيء كان كما لو أن خمسين أو ستين عامًا لم تمر بعد.
لكن الأمر لم يكن مجرد ماضٍ.
كان أكثر غرابة من ذلك.
لأن بعض الناس كانوا يعرفون أشياء لم تحدث بعد.
في المقهى الصغير أخبره رجل عجوز:
سيبنون هنا طريقًا كبيرًا.
وأشار إلى السهل.
وسيقتلعون تلك الأشجار.
وأشار إلى البستان.
وسيقيمون مطارًا في هذا المكان.
وأشار إلى الأرض التي جاء منها.
تجمد الرجل.
من أخبرك؟
ابتسم العجوز.
المكان نفسه.
في تلك الليلة لم يستطع النوم.
جلس على تلة صغيرة يراقب القمر.
وهناك لاحظ شيئًا.
كان الزمن يتحرك بطريقة غريبة.
الأطفال الذين يلعبون في القرية تتغير وجوههم أحيانًا للحظة.
فيصيرون شيوخًا.
ثم يعودون أطفالًا.
الأشجار تذبل ثم تزهر خلال ثوان.
النجوم تتقدم وتتراجع في السماء.
كأن الزمن هنا لا يسير.
بل يتنفس.
شهيقًا وزفيرًا.
إلى الأمام.
ثم إلى الخلف.
وفهم فجأة ما حدث.
لم يسافر إلى الماضي.
ولم يسافر إلى المستقبل.
لقد سقط خارج النهر كله.
خارج الزمن.
إلى المكان الذي تأتي إليه السنوات قبل أن تصبح سنوات.
وقبيل الفجر رأى شيئًا أخيرًا.
على حافة السهل.
كانت هناك مدينة شفافة.
مدينة من الضوء.
تظهر وتختفي.
أبراجها هي أبراج مدينته الحديثة.
وشوارعها هي شوارع وطنه الذي يعرفه.
لكنها كانت بعيدة كالحلم.
كلما اقترب منها ابتعدت.
وكلما ابتعد عنها اقتربت.
فجلس يتأملها حتى طلعت الشمس.
وعندها أدرك الحقيقة التي لم تخطر له طوال سنوات غربته:
أنه كان يظن دائمًا أنه مشتاق إلى وطنه.
لكن الإنسان لا يشتاق إلى المكان.
بل يشتاق إلى الزمن الذي ضاع فيه داخل ذلك المكان.
والوطن ليس الأرض التي نعود إليها.
الوطن هو النسخة من أنفسنا التي لم يعد بالإمكان العودة إليها.
وعندما أشرقت الشمس تمامًا، اختفت القرية.
واختفى الطريق.
واختفى السهل.
واختفى الضباب.
وبقي واقفًا وحده في صالة الوصول الحديثة للمطار، ممسكًا بحقيبته.
وكان الركاب يمرون من حوله بشكل طبيعي.
أما هو فظل ينظر عبر الزجاج نحو المدرج البعيد.
وكأنه ما زال يرى، خلف الطائرات، طريقًا ترابيًا قديمًا يسير عليه الزمن ببطء.

مشاركة منتدى
٤ تموز (يوليو), ١٢:٥٣, بقلم محمود الهايشه
عندما يصبح الوطن زمانًا لا مكانًا: قراءة نقدية لقصة "طريق ترابي خلف المطار"
حين يصبح الوطن زمانًا لا مكانًا: قراءة نقدية لقصة "طريق ترابي خلف المطار"
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تبدأ قصة "طريق ترابي خلف المطار" للكاتب منذر أبو حلتم بمشهد بسيط - عودة بطل القصة إلى وطنه بعد ثلاثين عامًا من الغربة. إلا أن هذه العودة لا تخضع لقوانين الواقع، فمنذ بداية النص، ينغمس البطل في عالم خيالي تتداخل فيه الأحلام والذكريات، والزمان والمكان، وتطمس الحدود بينهما، مما يجعل العودة أشبه برحلة إلى الذات.
لذا، فإن السؤال الرئيسي الذي تطرحه هذه القصة ليس ما إذا كان البطل قد عاد إلى وطنه، بل إلى أي وطن سيعود المرء إذا ما تغير الزمن نفسه؟
تجدر الإشارة إلى أن الكاتب استطاع أن يخلق عملًا تلعب فيه الأفكار الفلسفية دورًا أكبر بكثير من الأحداث. علاوة على ذلك، لم يقع في فخ التجريد، بل زوّد كل هذه الأفكار بصور شعرية بديعة.
ليس الجغرافيا، بل المكان كذاكرة
منذ لحظة نزول البطل من الطائرة وسط الضباب، يفقد المكان أي سمات واقعية. يختفي المطار، وتختفي مدارجه، لتفسح المجال للحقول والطرق الترابية والمنازل القديمة. في هذه الحالة، يصبح المكان كيانًا مستقلًا بذاكرته الخاصة. يتحدث الراوي عن شعور بالغ الأهمية:
" كأن المكان يتذكره قبل أن يتذكر هو المكان."
في هذه الحالة، نجد المفتاح الحقيقي للقصة، لأنه بهذه الطريقة، يتوقف المكان عن كونه مجرد منشأ للشخص، ويصبح قوة تستحضر ذكرياته وتغير نظرته إلى نفسه.
الزمن... البطل الحقيقي للقصة.
إذا كان المكان مشهدًا، فإن الزمن هو الشخصية الرئيسية.
هنا، لا يقدم الكاتب مسارًا معتادًا إلى الماضي، بل يخلق عالمًا فريدًا منفصلًا عن الزمن تمامًا. لا يعود البطل إلى الماضي ولا ينتقل إلى المستقبل، بل يسقط في منطقة يتعايش فيها الزمن (سقط في مساحة تتجاور فيها الأزمنة وتتداخل).
تتجلى الرؤية بأبهى صورها في المشهد الذي يتحول فيه الأطفال إلى شيوخ ثم يعودون أطفالًا، حين تشيخ الأشجار وتزهر في لحظات، وحين تتحرك النجوم ذهابًا وإيابًا، وفي النهاية، يلخص الراوي كل هذا في اقتباس بديع:
"كان الزمن هنا لا يسير... بل يتنفس." هذه الرؤية ليست مجرد رمز فني، بل رمز فلسفي أيضًا، إذ تصور الزمن ككائن حي قادر على التنفس، لا كسهم مستقيم يبدأ من الماضي وينتهي في المستقبل.
الغربة كفقدان للشخصية القديمة
في بداية القصة، يبدو البطل غريبًا عن وطنه، لكن الكاتب يغير الوضع تدريجيًا.
الغربة ليست ابتعادًا عن الوطن، بل ابتعادًا عن الزمن الذي صنع الإنسان.
لذا، تأتي النهاية المفاجئة كخاتمة للأحداث السابقة:
"الوطن ليس الأرض التي نعود إليها. الوطن هو النسخة من أنفسنا التي لم يعد بالإمكان العودة إليها."
تُعدّ هذه الخاتمة من أجمل عناصر هذا النص، إذ تترك القصة مفتوحة لتفسيرات عديدة، وتُوحي بأن كل شخص يحمل في داخله وطنه المفقود.
لغةٌ تعتمد على الشعر
من أبرز مزايا هذه القصة لغتها.
في هذه الحالة، لا يُثقل الكاتب القصة بالاستعارات المُفتعلة، بل يُبدع شعرًا هادئًا ينبع من الصورة نفسها.
على سبيل المثال:
• "البحر بلا قاع" في وصف الغيوم.
• "الطريق يشق السهل مثل ندبة قديمة" أي أن الطريق يشقّ السهول كجرحٍ قديم.
• "مدينة من الضوء"، مدينة الأنوار.
• "الزمن يتنفس."
لا تُعدّ هذه الصور مجرد زخارف لغوية، بل تُؤدّي وظيفةً دلالية، وتحوّل العالم بأسره إلى رمزٍ لحالة البطل النفسية.
علاوة على ذلك، تُضفي الجمل القصيرة المتتالية في المقاطع على القصة إيقاعًا يُشبه خطوات شخص يسير في الضباب، وهي تقنية فعّالة تُناسب طبيعة الرحلة.
الأسلوب السردي
يستخدم الكاتب أسلوبًا هادئًا ومتأنيًا في بناء الأحداث.
لا يُظهر طبيعة العالم الغريبة بشكل مباشر، بل يُظهرها تدريجيًا:
• أولًا، اضطراب الطائرة.
• ثم يأتي الضباب.
• ثم يختفي المطار.
• ثم تظهر القرية.
• ثم يأتي اضطراب الزمن.
• وأخيرًا، تتكشف الحقيقة المطلقة.
يُضفي هذا البناء السردي تماسكًا على القصة، ويُمكّن القارئ من تصديق التحولات السريالية بسهولة بفضل منطقها المتسق.
الرمزية والانفتاح على التأويل
تزخر القصة بالرموز والاستعارات، لكنها لا تستخدم الغموض المصطنع. فالطريق الترابي ليس مجرد طريق، بل رمز لبداية جديدة.
يرمز المطار إلى الحداثة والتهجير.
يرمز الضباب إلى الحد الفاصل بين الذاكرة والواقع.
المدينة الشفافة رمز للوطن الذي لا يزال قريبًا جدًا ولكنه بعيد المنال.
لذا، يمكن تفسير النص كقصة اغتراب، وشيخوخة، وذاكرة، وزمن، أو حتى هوية، دون المساس بسلامته الفنية.
ملاحظات نقدية: على الرغم من أن هذا النص يتميز بالعديد من الخصائص الفريدة، إلا أن هناك مشكلة في غلبة الجانب التأملي في الثلث الأخير. فبعد اكتشاف اضطراب الزمن، يتلاشى الحدث ليحل محله التفلسف (التأمل الفلسفي)، مما قد يجعل بعض القراء يشعرون بأن النهاية تميل نحو الفكرة أكثر من الحدث نفسه.
علاوة على ذلك، فإن بطل هذه القصة أقرب إلى التفكير المجرد منه إلى شخصية ذات سمات محددة. فنحن لا نعرف إلا ما هو ضروري للفكرة. إنه حل فني شائع، ولكنه يقلل إلى حد ما من الشحنة العاطفية للشخصية.
الخلاصة
في قصة "طريق ترابي خلف المطار"، نجد مثالًا رائعًا للقصة الفلسفية الحديثة التي تجمع بين عناصر الواقعية السحرية والوجودية دون أن تفقد بُعدها الإنساني.
لا تدور القصة حول رجل عائد إلى وطنه من الخارج، بل حول شخص يكتشف استحالة العودة إلى الوطن لأن الحقبة التي منحت المكان الحياة قد ولّت إلى الأبد.
هنا تكمن قيمة النص، إذ يدفع القارئ إلى التفكير في العلاقة المعقدة بين الإنسان وذكرياته، وكذلك بين المكان والزمان نفسه، حتى تصبح الجملة الأخيرة ذات طابع إنساني: لسنا نفقد الأمكنة، بل نفقد الأزمنة التي كنا فيها أشخاصًا آخرين.
٨ تموز (يوليو), ١٠:١٩, بقلم محمود سلامه الهايشه
الطريق اللي راح || أغنية
أغنية بالعامية المصرية، بروح الأغنية الشعبية ذات النفس التأملي والاجتماعي، مستوحاة من قصة "طريق ترابي خلف المطار" بقلم/ منذر أبو حلتم، والمنشورة بموقع ديوان العرب، الثلاثاء ٢٣ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
المذهب
يا طريق ترابي ورا المطار
مين خبّى ضحكة الدار؟
مين سرق منّا أول نهار؟
وقال لنا: ارجع... لو تِعرف ترجع
ده العمر فات... وساب الغبار.
الكوبليه الأول
راجع شايل شنطة وسنين
والشوق مرسوم في العينين
قلت البلد هتفتح بابها
وتحضن غريبها بعد حين
لقيت الضباب سابق خطوتي
ولا مطار... ولا سكة بيتي
غير طريق من طين الحكاية
ماشي عليه زماني وصوتي
المذهب
يا طريق ترابي ورا المطار
مين خبّى ضحكة الدار؟
كان الوطن مطرح الخطاوي
طلع الوطن... زمنٍ وطار.
الكوبليه الثاني
شفت الوشوش من غير صور
كأنها خارجة من العمر
طفل يشيّب... شيخ يصغّر
والليل يطلع قبل الفجر
قالّي عجوز قاعد في القهوة:
"بُكرة هنا هيبنوا مطار..."
ضحكت... قالّي: "الأرض عارفة
كل اللي جاي... وكل اللي صار."
اللازمة
يا بلد... يا حضن بعيد
يا أول غنوة في الوريد
مش كل راجع يلقى نفسه
ولا كل باب يرد الحديد
الكوبليه الثالث
جريت على نور المدينة
كانت تناديني بحنينها
كل ما أقرب تبعد عنّي
وأبعد... ألاقيها قدّامي
ساعتها عرفت الحكاية
مش كل غريب ضيّع عنوان
إحنا بنوَحِّش عمر فاتنا
مش بس بنوَحِّش الأوطان
المذهب الختامي
يا طريق ترابي ورا المطار
واقف شاهد ع المشوار
الوطن مش حتة أرض
ولا سور... ولا ألف دار
الوطن ضحكة في وش صبي
ريحة أمّ... ونخلة وجار
واللي يضيع منه زمانه
لو يرجع ألف مرة... يفضل
واقف... ورا المطار.