مي التلمساني وسوسيولوجيا الاعتراف
مي التلمساني وسوسيولوجيا الاعتراف: تراكم الحضور وإعادة إنتاج المكانة الأدبية
يكشف تتبع حضور مي التلمساني منذ صدور "دنيا زاد" عام 1997 حتى اليوم عن تكريس ثقافي ممتد قرابة ثلاثة عقود، يتجاوز نجاح عمل أدبي بعينه. فسيرتها الأكاديمية المنشورة حتى أغسطس 2022 تسجل أكثر من خمسين حوارا صحفيا مكتوبا بين 1990 و2020، و21 مقابلة إذاعية وتلفزيونية ومرئية بين 1997 و2022 في وسائل مصرية وفرنسية وكندية، إضافة إلى نحو 15 مداخلة إذاعية دورية في النقد الأدبي والسينمائي قدمتها لراديو كندا بين 2020 و2022. كما تتضمن السيرة 11 دراسة أو فصلا أكاديميا أو رسالة جامعية حول أعمالها، وهي قائمة معلنة بوصفها اختيارا لا حصرا نهائيا. وبإضافة دراسات أخرى موثقة خارجها، يمكن تثبيت حد أدنى يقارب 14 عملا أكاديميا وبحثيا مستقلا، من دون احتساب المقالات والقراءات النقدية الصحفية.
ولم يتراجع هذا الحضور بعد 2022؛ فمنذ 2023 يمكن توثيق ستة حوارات مطولة جديدة على الأقل، إلى جانب لقاءات تلفزيونية وندوات ومناقشات ثقافية أخرى. كما أن الحضور الترجمي مستقر؛ فـ"دنيا زاد" ترجمت إلى ثماني لغات، وترجمت "هليوبوليس" و"أكابيللا" إلى الفرنسية، إلى جانب أعمال أخرى. ويضاف إلى ذلك الاعتراف المؤسسي ممثلا في جائزة Arte Mare الفرنسية عام 2001، وجائزة الدولة التشجيعية عام 2002، ووسام الفنون والآداب الفرنسي عام 2021، ووصول "الكل يقول أحبك" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2023.
تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن حضور التلمساني لم يعد مجرد أثر متأخر لنجاح "دنيا زاد"، بل أصبح شبكة متماسكة من الاعتراف الصحفي والنقدي والأكاديمي والترجمي والمؤسسي. والأرقام السابقة تظل حدا أدنى، لأن السيرة نفسها تقدم بعض قوائمها بوصفها مختارات، ولأن جزءا مهما من الصحافة الثقافية المصرية القديمة غير مفهرس رقميا. لذلك فالأهم ليس الوصول إلى رقم نهائي بقدر ما هو إثبات أن كثافة حضورها قابلة للرصد، وأن استمرارها بهذا الاتساع يحتاج إلى تفسير يتجاوز القيمة الأدبية وحدها إلى آليات التكريس وإعادة إنتاج المكانة داخل الحقل الثقافي.
كان للنص الأدبي نفسه دور حاسم في البداية. فقد قدمت "دنيا زاد" موضوعات قابلة لقراءات متعددة: الفقد، والأمومة، والجسد، والحداد، والحدود بين السيرة والتخييل. ثم وسعت "هليوبوليس" المجال نحو المدينة والذاكرة وتحولات الطبقة الوسطى، واتجهت الأعمال اللاحقة إلى العلاقات النسائية والهجرة والاغتراب والهويات العابرة للحدود. كما أضاف التكوين السينمائي للتلمساني حساسية بصرية مميزة إلى السرد. ومن ثم وجدت أعمالها طريقها بسهولة نسبية إلى القراءات النسوية والسردية والنفسية والثقافية، وهو ما يفسر جانبا من استمرارها في الدرس الجامعي والنقدي.
غير أن كثرة الدراسات لا يمكن اعتبارها دليلا محايدا على القيمة الأدبية وحدها، لأن التراكم النقدي نفسه يميل إلى إنتاج مزيد من التراكم. الكاتب الذي تتوافر حوله دراسات وترجمات وحوارات وأرشيف موثق يصبح أكثر سهولة للباحث من كاتب لا يملك هذا الرصيد، حتى لو كان الأخير صاحب نص جدير بالاهتمام. وبذلك يتحول الحضور السابق إلى أحد أسباب الحضور اللاحق، وتصبح كثرة الكتابة عن اسم ما، بعد مرحلة معينة، نتيجة لقيمته الأدبية وسببا لاستمرار الاهتمام به في الوقت نفسه.
وقد وصف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ك. ميرتون Robert K. Merton آلية قريبة من ذلك في دراسته «The Matthew Effect in Science»، ثم في «The Matthew Effect in Science, II: Cumulative Advantage and the Symbolism of Intellectual Property». فقد لاحظ أن أصحاب المكانة السابقة يحصلون غالبا على قدر أكبر من الاعتراف، لأن النجاح المبكر يمنحهم فرصا وموارد وظهورا تسهل النجاح التالي. ومع مرور الوقت تتسع الفروق بين من دخلوا دائرة الاعتراف ومن بقوا خارجها. ويمكن تطبيق هذا التصور بحذر على الأدب؛ فالكاتب المعروف لا يقدم كتابه الجديد بالشروط نفسها التي يقدم بها المجهول كتابه الأول، لأن الاسم المكرس يصل محملا بتاريخ من الجوائز والترجمات والمراجعات والعلاقات، أي برصيد يسبق النص.
ولا تحتاج هذه الآلية إلى فساد أو محاباة مباشرة. فمحرر الصفحة الثقافية قد يختار الاسم المعروف لأنه يضمن اهتماما أكبر، والناشر يفضل صاحب السمعة والجمهور، ومنظم المهرجان يبحث عن أسماء قادرة على جذب الإعلام، والباحث الجامعي يميل إلى موضوع تتوافر حوله المراجع، والمترجم يجد في العمل المعروف مخاطرة أقل. كل قرار على حدة يبدو منطقيا، لكن مجموع هذه القرارات يؤدي إلى تركيز الانتباه حول الأسماء نفسها، بينما تبقى أسماء أخرى بعيدة عن دوائر الرؤية. فالكاتب المهمش لا يحتاج إلى هجوم مباشر كي يظل في الهامش؛ يكفي ألا تصل أعماله إلى النقاد والمقررات والجوائز والمهرجانات.
وتكتسب حالة مي التلمساني أهميتها من أن بدايتها جاءت في لحظة كانت فيها الكتابة المصرية تشهد إعادة ترتيب واسعة. فقد أدت دار شرقيات دورا بارزا في تقديم كتابة التسعينيات، وكان إدوار الخراط من أبرز من منحوا بعض أصوات الجيل الجديد اهتماما نقديا مبكرا. وجاءت "دنيا زاد" مؤهلة أدبيا لهذا الاهتمام، لكن النجاح الأول تحول مع الوقت إلى رأسمال رمزي راكمته الصحافة والجامعة والترجمة والجوائز وإعادة النشر.
وهنا يصبح تصور بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في كتابه «The Field of Cultural Production: Essays on Art and Literature» أساسيا لفهم الظاهرة. فالقيمة الأدبية عنده لا تتحدد داخل النص وحده، وإنما تتشكل أيضا داخل حقل تشارك فيه مؤسسات التكريس: الناشر، والناقد، والمجلة، والجامعة، والجائزة، والمهرجان. وهذه المؤسسات لا تصنع موهبة غير موجودة، لكنها تؤثر بقوة في تحديد ما يصبح مرئيا ومن يتحول إلى اسم معترف به. ولهذا فإن الكاتب الذي راكم مكانة سابقة لا يعود إلى نقطة الصفر عند صدور كل عمل جديد، بل يستثمر رأسماله الرمزي السابق في استقبال العمل اللاحق.
ويظهر أثر ذلك في طريقة القراءة نفسها. فالعمل الصادر عن اسم مجهول يطالب أولا بإثبات أنه يستحق الانتباه، بينما يدخل كتاب الكاتب المكرس مباشرة في سياق "مشروعه الأدبي"، فيبحث النقاد عن علاقته بما سبق وتحولاته ودلالاته. وبذلك يحصل صاحب الاسم المعروف على نوع من الائتمان الرمزي المتمثل في مساحة أوسع من الثقة والاستعداد للتأويل. قد يسمى الغموض لدى المجهول ارتباكا بينما يوصف عند المكرس بالتجريب، وقد يعد التكرار عند الأول ضعفا بينما يصبح عند الثاني استمرارا أو تعميقا للمشروع. ولا يفترض ذلك تحيزا واعيا؛ فالقراءة نفسها لا تنفصل كليا عن اسم المؤلف وتاريخه.
وقد تجاوز حضور التلمساني مع الوقت حدود "دنيا زاد". أصبحت تجربتها في الهجرة والسينما والجامعة الكندية وذاكرة الأسرة والكتابة العابرة للحدود موضوعا مستقلا للحوار، ثم جاء بيت التلمساني ليضيف بعدا مؤسسيا جديدا، باعتباره فضاء يستضيف كتابا ومترجمين وباحثين. وبهذا انتقلت تدريجيا من كاتبة تتلقى الاعتراف من مؤسسات الحقل إلى فاعل يشارك بنفسه في إنتاجه ومنح فرص للآخرين.
ولا ينفصل هذا المسار عن الخلفية الاجتماعية والثقافية. فقد تحدثت التلمساني عن انتمائها إلى عالم الطبقة البرجوازية أو الوسطى المرفهة التي تعرفها وتكتب عنها، ونشأت في أسرة فنية على صلة بالسينما والكتب واللغات الأجنبية، ثم درست الأدب الفرنسي وعملت أكاديميا. ويصف بورديو هذه الموارد بمفهوم "الرأسمال الثقافي"؛ فهي لا تتمثل في المال فقط، وإنما في التعليم واللغة والألفة بالفنون والمؤسسات والقدرة على فهم القواعد الضمنية للمجال الثقافي.
ولا تضمن هذه الخلفية النجاح، لكنها تجعل البدايات غير متساوية. فالكاتب الذي ينشأ في بيت يمتلك الكتب واللغات والعلاقات الفنية لا يواجه الطريق نفسه الذي يواجهه صاحب الموهبة الآتي من بيئة تفتقر إلى هذه الموارد. كما أن العالم الاجتماعي الذي تكتب عنه التلمساني، بما فيه من مثقفين وأكاديميين وفنانين ونساء حضريات ومهاجرين وأبناء طبقة وسطى متعلمة، قريب نسبيا من قطاعات الوسط الذي يملك أدوات التكريس. ولا يجعل ذلك تجربتها أقل مصرية، لكنه يعني أن بعض التجارب الاجتماعية تملك قنوات أكثر فاعلية للوصول إلى الناشر والجامعة والمترجم والناقد.
ثم أضاف الاعتراف الخارجي قوة أخرى إلى هذا الرصيد. فقد ترجمت "دنيا زاد" وأعمال أخرى إلى لغات عدة، وحصلت التلمساني على جائزة Arte Mare ثم وسام الفنون والآداب الفرنسي، إلى جانب موقعها الأكاديمي في كندا. ولم يصنع الخارج حضورها الأول، لأن الاعتراف المصري سبق الهجرة، لكنه ضاعف المكانة الموجودة وأعادها إلى الداخل بقيمة رمزية إضافية. فالاعتراف المحلي يفتح أحيانا باب الترجمة، والترجمة تمنح شرعية دولية، ثم تعود هذه الشرعية فتزيد جاذبية الاسم في الصحافة والجامعة والمجال الثقافي المصري.
وقد بينت عالمة الاجتماع الفرنسية جيزيل سابيرو Gisèle Sapiro في دراستها «The Metamorphosis of Modes of Consecration in the Literary Field: Academies, Literary Prizes, Festivals» أن التكريس الأدبي الحديث أصبح نتاج شبكة واسعة تضم الجوائز والمهرجانات والجامعات والإعلام ومؤسسات الترجمة، وليس حصيلة حكم النقاد على الكتب وحده. وهذا يفسر جانبا مهما من مسيرة التلمساني التي تتحرك في وقت واحد بين القاهرة وباريس وكندا وبين النشر والجامعة والإعلام والمشروعات الثقافية.
ولا يعني ذلك أن من بقي خارج هذه الشبكات كان أكثر موهبة أو تعرض بالضرورة للظلم، فالغياب ليس دليلا على الجودة كما أن الشهرة ليست دليلا كافيا عليها. لكن موضع الخلل يكمن في تفاوت فرص الظهور والاختبار. فهناك فرق بين أن تصل عشرات الأعمال إلى النقاد ثم يفضل بعضها، وبين ألا تصل معظم الأعمال إلى دوائر التقييم أصلا. ومن هنا يظهر أحد أوجه الحقل الثقافي المصري في ميله إلى إعادة تدوير الأسماء التي نجحت في الوصول إلى المركز؛ فالكاتب نفسه قد يظهر في الندوة والجائزة والحوار والمهرجان والمؤتمر، ويجعل كل ظهور جديد ظهوره التالي أكثر سهولة. ولا يتطلب ذلك مؤامرة، بل يكفي تراكم اختيارات مؤسسية تبدو معقولة منفردة لتنتج دائرة ضيقة من الأسماء شديدة الحضور.
وتختصر حالة مي التلمساني هذه الآلية بوضوح؛ نص أول مؤثر، وناشر مرتبط بجيل أدبي، واعتراف مبكر من إدوار الخراط، ورأسمال ثقافي عائلي، ثم الترجمة والجامعة والهجرة والجوائز والصحافة وإعادة الطبع، وصولا إلى امتلاك مشروع ثقافي خاص. ولا ينفي ذلك القيمة الأدبية، لكنه يوضح أن القيمة تفسر الانطلاقة أكثر مما تفسر وحدها استمرار الاسم لعقود. فما يستمر ليس النص فقط، بل شبكة الاعتراف التي تنمو حوله حتى تتحول إلى مورد قائم بذاته.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما إذا كان الكاتب المعروف يستحق كثافة الاهتمام، وهو حكم يصعب ضبطه، وإنما بما إذا كانت بنية الحقل تمنح الآخرين فرصا حقيقية لإثبات قيمة أعمالهم. فالظلم الثقافي يبدأ حين يتحول الاعتراف السابق إلى أفضلية متراكمة تجعل بعض الأسماء أكثر قابلية للقراءة والدراسة والترجمة، بينما تبقى نصوص أخرى خارج مجال الرؤية قبل أن تحصل على فرصة المقارنة. عندئذ يصبح الحضور، الذي بدأ نتيجة للنجاح، واحدا من أهم شروط استمرار هذا النجاح، ويتحول رأس المال الرمزي إلى قوة تعيد إنتاج نفسها.
