السبت ١ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

تنوير يحاكم المجتمع ويترك البنية خارج قفص الاتهام

خالد منتصر: تنوير يحاكم المجتمع ويترك البنية خارج قفص الاتهام

لا تكمن المشكلة الأساسية في كتابات خالد منتصر في دفاعه عن العلم، ولا في رفضه الدجل الطبي، ولا في انتقاده توظيف الدين في السياسة أو الطب أو المجال العام؛ فهذه موضوعات مشروعة، وبعضها ضروري في مجتمع تتسع فيه أسواق الوصفات الوهمية والخطابات الدينية التجارية والادعاءات التي ترتدي ثوب العلم من دون أن تخضع لمناهجه.

المشكلة الأعمق تبدأ حين تتحول هذه القضايا من موضوعات جزئية تستحق الفحص إلى عدسة وحيدة تقريبا يُعاد من خلالها تفسير المجتمع المصري كله، فيصبح التخلف مرضا في العقل، والفقر أثرا غير مباشر للخرافة، وتعثر الديمقراطية نتيجة لما يوجد داخل "جمجمة الناخب"، وتراجع الطب نتيجة حب الناس للأساطير، بينما تتراجع في المقابل الأسئلة المتعلقة بالسلطة والثروة والطبقة وتوزيع الموارد والديون والأجور والخدمات العامة. هنا لا نكون أمام تنوير شامل يلاحق علاقات القوة حيثما وجدت، بل أمام تنوير ثقافوي انتقائي يضع المواطن وتراثه وتدينه في قفص الاتهام، ويترك البنية السياسية والاقتصادية في مساحة أقل إضاءة.

ويكشف النظر في أرشيف مقالات خالد منتصر المنشور في «المصري اليوم» عن مادة واسعة تسمح بتجاوز الانطباعات الشخصية إلى نوع من تحليل المضمون الكمي والكيفي. فالأرشيف الظاهر يمتد من نوفمبر 2009 إلى يوليو 2026، ويضم نحو 45 صفحة، بما يقترب من 892 سجلا صحفيا قبل حذف التكرارات وتنظيف اضطراب الترتيب الزمني. وهذه المادة، على ضخامتها، لا ينبغي التعامل معها بطريقة انتقائية مضادة، أي اختيار مجموعة صغيرة من العناوين المثيرة ثم الادعاء بأنها تمثل المشروع كله. لذلك فإن الحكم الأكثر انضباطا يحتاج إلى عينة زمنية موزعة على مراحل مختلفة، وإلى مقارنة بين المرحلة القديمة والمرحلة الراهنة، مع الاعتراف بأن الأرقام هنا استكشافية وليست نتيجة ترميز نهائي لجميع المقالات.

وقد أظهر تصنيف عينة زمنية متعددة المراحل تضم 111 عنوانا فريدا أن المجالين الأكثر حضورا هما الطب والعلوم ومقاومة الخرافة العلمية، بنسبة بلغت 26.1%، ثم الدين والتراث والهوية والإسلام السياسي بنسبة 24.3%. وبجمع المجالين نجد أن 50.4% من العينة، أي أكثر من نصفها، تدور حول ثنائية العلم والخرافة أو ثنائية الحداثة والدين والتراث. وجاءت الثقافة والفنون والأدب والإعلام والشخصيات العامة في المرتبة التالية بنسبة 19.8%، بينما لم تتجاوز السياسة الداخلية والحكم والانتخابات 9.9%، والمجتمع والمرأة والحقوق 8.1%، والاقتصاد والخدمات والبنية المادية 5.4%، والسياسة الدولية والإقليمية 1.8%. ولا تعني هذه النسب أن الكاتب ممنوع من اختيار اهتماماته، ولا أن الطبيب مطالب بأن يتحول إلى خبير في الموازنة العامة، لكنها تكشف بنية الأولويات التي يقدم من خلالها نفسه باعتباره صاحب مشروع لتفسير أزمة المجتمع، لا مجرد كاتب طبي متخصص.

وتصبح المفارقة أشد وضوحا عند الانتقال إلى أحدث 80 مقالا، وهي العينة الأقرب إلى تمثيل اتجاهه الراهن. فقد استحوذت موضوعات الطب والعلوم والخرافة على 31.2%، واستحوذت موضوعات الدين والتراث والهوية والإسلام السياسي على 22.5%. أي إن 43 مقالا من أصل 80، بنسبة 53.8%، انتمت مباشرة إلى هذين المجالين. وفي المقابل، لم يظهر في هذه العينة إلا مقال واحد يمكن تصنيفه بوصفه تناولا مباشرا للسياسة الداخلية، بنسبة 1.2%، ومقال واحد عن المجال الحضري والبنية المادية، بنسبة 1.2% أيضا. ولا تكاد تظهر في العناوين موضوعات صريحة عن التضخم، أو تآكل الأجور، أو الدين العام، أو العدالة الضريبية، أو الخصخصة، أو أوضاع العمال، أو الاقتصاد غير الرسمي، أو توزيع الثروة، أو تراجع الطبقة الوسطى. هذه الفجوة الرقمية لا تثبت وحدها نية الإهمال، لكنها تثبت أن مشروعه الراهن يمنح القضايا الثقافية والدينية والعلمية وزنا يفوق بأضعاف وزنه للقضايا التي تحدد فعليا شروط حياة أغلبية المواطنين.

المسألة، إذن، ليست مجرد كثرة الكتابة في الطب والدين، بل الطريقة التي تتصل بها هذه الموضوعات داخل خطابه. فالمقال الطبي عنده لا يبقى دائما داخل حدود نقد وصفة غير مثبتة أو علاج زائف، بل يتحول سريعا إلى حكم على "العقل المصري"، وإلى حديث عن شعب يعشق الحكايات والأساطير، وعن مجتمع مصاب بفوبيا العلم، وعن خرافة مغلفة في "سيلوفان ديني". ومن خلال عناوين مثل "هشاشة العقل المصري"، و"مدمن الخرافة"، و"سماسرة العلم الزائف"، و"الهبد الطبي"، و"مخدر الغفلة"، و"المعمل والمعبد"، و"الطبيب والكاهن"، لا يبدو المجتمع شبكة معقدة من المؤسسات والمصالح والتفاوتات، بل يبدو جسدا مريضا ينتظر الطبيب المستنير الذي يشخص علته ويصف له جرعة الحداثة.

ولغة التشخيص ليست بريئة منهجيا؛ لأنها تمنح الكاتب موقع الطبيب، وتدفع المجتمع إلى موقع المريض. الطبيب يعرف، والمريض لا يعرف حقيقة علته؛ الطبيب يمتلك لغة العلم، والمريض أسير أوهامه؛ الطبيب يحدد العلاج، والمريض يقاومه لأنه غير واعٍ بمصلحته. وعندما تنتقل هذه العلاقة من العيادة إلى المجتمع، يتحول الخلاف الفكري إلى تفاوت في الأهلية العقلية: من يوافق الكاتب هو مستنير، ومن يعترض عليه قد يصبح أسيرا للخرافة أو التراث أو العصاب الجمعي. وبذلك يقترب الخطاب الذي يهاجم احتكار رجال الدين للحقيقة من تأسيس احتكار مضاد باسم العلم، فلا يعود العلم منهجا قابلا للمراجعة، بل يصبح رأس مال رمزيا يمنح صاحبه حق إصدار الأحكام على مجتمع كامل.

وتظهر المفارقة المنهجية في أن خالد منتصر يطالب الدجالين بالأرقام والعينات والبرهان، لكنه لا يقدم المعايير نفسها عندما ينتقل إلى تفسير المصريين. فقد يبدأ من فيديو لطبيب، أو وصفة شعبية، أو تصريح داعية، أو سلوك محدود في مناسبة عامة، ثم ينتقل إلى الحديث عن "العقل المصري" بوصفه كيانا موحدا. ولو طبقنا عليه قواعده العلمية نفسها، لوجب أن نسأله: ما حجم العينة التي تبرر وصف عقل شعب كامل بالهشاشة؟ وما الفروق بين الطبقات والأجيال والمناطق ومستويات التعليم؟ وما علاقة انتشار الدجل بتكلفة الرعاية الصحية؟ وما أثر ضعف الثقة في المستشفيات، وطول قوائم الانتظار، وتفاوت جودة الخدمة، والإعلانات الطبية، والسوق الإعلامية التي تصنع نجوم الوصفات السريعة؟ إن تجاهل هذه المتغيرات لا يجعل الخطاب علميا، حتى لو امتلأ بمفردات المعمل والتجربة والدليل.

والدجل الطبي نفسه ليس ظاهرة ثقافية خالصة. فالمواطن الذي يلجأ إلى وصفة غير مثبتة قد يكون مقتنعا بالخرافة، لكنه قد يكون أيضا عاجزا عن تحمل كلفة الفحص، أو خائفا من تجربة سابقة داخل مؤسسة صحية، أو واقعا تحت ضغط إعلان متكرر، أو باحثا عن علاج لمرض مزمن لم يجد له رعاية كافية. وتحليل هذه الظاهرة يقتضي الربط بين الثقافة والبنية: بين الاعتقاد ومستوى الدخل، وبين الوصفة الشعبية ونظام التأمين، وبين الخطاب الديني وسوق الإعلام، وبين الأمية العلمية وتمويل التعليم. أما اختزالها في "هشاشة العقل" فينقل المسؤولية من المؤسسات إلى الضحية، ويجعل المواطن مسؤولا عن شروط لم يصنعها وحده.

ولا يمكن تبرير ضمور السياسة في كتاباته الحديثة بالقول إنه طبيب لا يهتم إلا بالعلم؛ لأن أرشيفه القديم يكشف أنه كان قادرا على الكتابة السياسية المكثفة، خصوصا في عام 2011. فقد تناول الانتخابات، والدستور، والإخوان، ووزارة الداخلية، وأحداث ماسبيرو، وشباب الثورة، والمجلس العسكري، والدولة المدنية، وشراء الأصوات، والفتنة الطائفية، والإعلام. وتبدو بعض صفحات تلك المرحلة سياسية في نصفها أو أكثر. وهذا يعني أن انتقال السياسة الداخلية إلى هامش مشروعه الراهن ليس خاصية ثابتة في تكوينه، بل تحولا في اختيار المعارك. لقد كانت السلطة السياسية موضوعا مباشرا في مرحلة سابقة، ثم تراجعت تدريجيا لتحل محلها بصورة أكبر سلطة الداعية والشيخ والتراث وعقل المواطن.

حتى عندما يعود إلى السياسة في مقال مثل "هل الديمقراطية مجرد صندوق؟"، يبدأ من قضايا حقيقية تتعلق بالفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، والمجتمع المدني، وتداول السلطة، لكنه يعيد مركز الأزمة في النهاية إلى ما يوجد داخل "جمجمة الناخب": التعصب الديني، واحتقار المرأة، وتأثير رجال الدين، ووجود "قنبلة تخلف" داخل العقل. وهنا تظهر عملية يمكن وصفها بتثقيف الأزمة؛ أي تحويل أزمة المؤسسات إلى أزمة ثقافة، وإعادة تفسير ضعف الديمقراطية باعتباره ناتجا أساسا من وعي الناخب، لا من شروط المجال السياسي، وبنية ملكية الإعلام، وقوانين التنظيم، وضعف الأحزاب، وتفاوت القدرة على الوصول إلى المجال العام.

إن لوم الناخب لا يخلو من وجاهة؛ فالثقافة السياسية والتعصب يؤثران فعلا في الاختيارات. لكن تحويلهما إلى مركز التفسير يخفف الضغط النقدي على المؤسسات التي تشكل هذا الناخب. فالإنسان لا يولد حاملا وعيا طائفيا مكتملا، بل يتكون داخل مدرسة وإعلام ومسجد وكنيسة وأسرة وسوق عمل ونظام سياسي. وإذا كان الإعلام تابعا، والتعليم تلقينيا، والأحزاب ضعيفة، والمجال العام محدودا، فلا يجوز التعامل مع "جمجمة المواطن" كأنها جزيرة مستقلة أنتجت تخلفها بنفسها.

ويبدو الاقتصاد السياسي الغائب الأكبر في هذا المشروع. فثمة فرق بين أن يذكر الكاتب الفقر أو الأسعار في سياق عابر، وبين أن يقدم تحليلا منتظما لعلاقة الاقتصاد بالسلطة والمجتمع. وهنا لا تحتل في خطابه الراهن مساحة موازية موضوعات مثل خدمة الدين، وتآكل الأجر الحقيقي، والعدالة الضريبية، وبيع الأصول، والاحتكار، والعمل غير الرسمي، والسكن، والفوارق بين القاهرة والأقاليم، وتمويل الصحة والتعليم، وعلاقة رأس المال بالإعلام. وهذا الغياب شديد الدلالة؛ لأن هذه القضايا ليست هامشا في حياة المصريين، بل هي الشروط اليومية التي تحدد قدرتهم على التعلم والعلاج والسكن وتكوين الأسرة والمشاركة السياسية.

حين يُختزل التخلف في ثقافة المجتمع، يصبح العلاج دورة في التفكير العلمي أو حملة ضد الخرافة. أما حين يُفهم بوصفه نتاجا لعلاقات قوة، فإن التنوير نفسه يصبح مطالبا بمناقشة الموازنة، والأجور، والضرائب، والحق في التنظيم، وتوزيع الخدمات. هنا تحديدا يبدو تنوير خالد منتصر أقل راديكالية مما يدعي؛ فهو راديكالي في مواجهة الفتوى، لكنه محدود أمام الاقتصاد؛ صارم مع الداعية، لكنه أقل انتظاما في مساءلة البنية التي تنتج الفقر والجهل والعجز. إنه يهاجم مظاهر التخلف، لكنه لا يمنح الأسباب المادية التي تعيد إنتاجه الاهتمام نفسه.

وتظهر الانتقائية أيضا في تناوله المرأة. فهو يكتب عن الجسد والحجاب والتحرش والكبت والفتاوى والنظرة الذكورية، وهي قضايا مهمة، لكن المرأة تحضر لديه بدرجة أقل باعتبارها عاملة تتقاضى أجرا منخفضا، أو معيلة، أو عاملة منزلية بلا حماية، أو فلاحة، أو امرأة تحمل عبء الرعاية غير مدفوعة الأجر، أو متضررة من ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات. تحرير المرأة في هذا الخطاب غالبا رمزي وثقافي وجسدي، لا اقتصادي واجتماعي بالقدر نفسه. ولذلك تبدو معركته مع الحجاب أكثر حضورا من معركته مع سوق العمل، وتبدو مساءلة الفتوى أكثر وضوحا من مساءلة توزيع أعباء الفقر والرعاية.

أما فلسطين وغزة، فليستا غائبتين تماما، لكن حضورهما يكشف اختلالا في توزيع الحساسية. ففي تناوله السابع من أكتوبر، يحتل نقد حماس وانتمائها الإخواني والعقلية السلفية واللِّحى مساحة مركزية، بينما يحضر الاحتلال والحصار والتدمير بوصفها خلفية أقل تفصيلا. ومن حق أي كاتب نقد حماس واستراتيجيتها، لكن السؤال هو: لماذا تُمنح هوية المقاومة هذا القدر من التشريح، بينما لا يُمنح الاحتلال والدعم الغربي والقتل المنظم تحليلا مستمرا بالحدة نفسها؟

وتزداد المفارقة حين يخصص مقالا للإشادة بمنظومة زراعة الأعضاء وبنك الجلد في إسرائيل، داعيا إلى التعلم من تقدمها الطبي. لا خطأ مبدئيا في دراسة تجربة علمية إسرائيلية، لكن الخطاب يصبح موضع سؤال عندما تظهر إسرائيل، في السياق الطبي، دولة مؤسسات وعلم وتنظيم، بينما يظهر الفلسطيني في السياق السياسي من خلال حماس والإخوان واللحية والأنفاق. الإسرائيلي يُفصل إلى طبيب ومؤسسة وسياسة، أما الفلسطيني فيُضغط داخل هوية فصيله. المشكلة هنا ليست في المعلومة الطبية، بل في الانتقائية الأخلاقية في منح الأطراف التعقيد والإنسانية.

ولا يجوز وصف هذا الإهمال مباشرة بالخبث وسوء النية؛ لأن تحليل المضمون يرصد ما كُتب وما غاب، لكنه لا يدخل إلى نية الكاتب. غير أن عدم القدرة على إثبات النية لا يمنع إثبات الوظيفة. فالوظيفة الموضوعية لهذا الخطاب هي نزع الطابع السياسي والاقتصادي عن أزمات المجتمع، وإعادة تعريفها باعتبارها أمراضا عقلية وثقافية ودينية. وقد يكون ذلك نتيجة تحيز مهني لدى طبيب يرى المجتمع بمنطق المرض والعلاج، أو نتيجة تحيز أيديولوجي يجعل الإسلام السياسي والتدين المحافظ خصما ثابتا، أو نتيجة حساب إعلامي يدرك أن معركة عن الحجاب أو الدعاء تحقق انتشارا أكبر من مقال عن العدالة الضريبية، أو لأن نقد المواطن والداعية أقل تعقيدا وكلفة من تفكيك شبكات السلطة والمال والإعلام. قد تتداخل هذه التفسيرات، لكن الأثر واحد؛ تضخم نقد الهوية، وتراجع نقد البنية.

إن الأرقام لا تقول إن خالد منتصر لا يكتب إلا عن الدين، ولا إنه لم يقترب من السياسة أو الديمقراطية أو الفقر. لكنها تقول إن أكثر من نصف اهتمامه الراهن، وفق العينة، يتركز في الطب والعلم والخرافة والدين والتراث والهوية، بينما تقترب السياسة الداخلية والاقتصاد البنيوي من الهامش. وتقول إن حضوره السياسي كان أوسع في مرحلة سابقة ثم انكمش، وإن المواطن يُشخّص أكثر مما تُحلل شروط حياته، وإن المرأة تُقرأ بوصفها جسدا وهوية أكثر مما تُقرأ بوصفها موقعا داخل علاقات العمل والطبقة، وإن فلسطين تحضر كثيرا من بوابة الخصومة مع الإسلاميين أكثر مما تحضر بوصفها قضية استعمار واحتلال.

وهذا يقود إلى الحكم الأكثر قسوة، والأكثر موضوعية في الوقت نفسه: إن خالد منتصر يقدم تنويرا ثقافويا يضخم عيوب المجتمع ويقلل من وزن علاقات القوة؛ تنويرا يحاكم عقل المواطن ولا يضع شروط حياته في القفص نفسه، ويواجه الشيخ باعتباره مركز التخلف، بينما يترك السوق والسلطة والطبقة في خلفية باهتة. إنه لا يعفي البنية في كل مقالاته تصريحا، لكنه يعفيها عمليًا من خلال عدم منحها الوزن والاستمرارية والشراسة التي يمنحها للتراث والتدين.

والمشكلة في هذا النوع من التنوير أنه قد ينتهي، رغم شعاراته التحررية، إلى خطاب نخبوي يوبخ ضحايا التخلف بدل أن يفسر كيف صُنع تخلفهم. فهو يقول للمواطن إن عقله هش، قبل أن يسأل عن المدرسة التي علمته، والمستشفى الذي خذله، والإعلام الذي ضلله، والأجر الذي أذله، والسياسة التي أضعفت صوته. وبذلك لا يصبح التنوير أداة لفهم المجتمع وتحريره، بل منصة لإدانته.

إن التنوير الذي لا يرى إلا الخرافة تنوير أعور، والتنوير الذي يرفض سلطة الشيخ ولا يفحص سلطة المال والدولة والإعلام تنوير ناقص، والتنوير الذي يحاسب الهوية ولا يحاسب البنية يتحول من مشروع للتحرر إلى أيديولوجيا لتأديب الجماهير. وتلك هي المفارقة المركزية في خطاب خالد منتصر: كلما رفع صوت العلم والعقل، ازدادت حاجته إلى علم اجتماعي يفسر المؤسسات والطبقات، وإلى عقل نقدي يراجع انتقائيته هو قبل أن يحاكم عقول الآخرين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى