خوارزمية الجشع في سيرة معلم
رأى في نفسه مشروعا كبيرا أجهضه سوء الطالع. في غرفته الضيقة التي تفوح منها رائحة الورق القديم، يراقب طوابير المباريات تلتهم أحلامه واحدا تلو الآخر، من اجتياز اختبارات الوظائف الإدارية التي انتهت برفضه، إلى المقابلات المتكررة في شركات لا تذكر حتى اسمه. تحطمت كبرياؤه على صخرة واقع لا يرحم، ليجد نفسه أخيرا، وبكل ما يحمله من مرارة وانكسار، جالسا خلف طاولة مدرس في فصل دراسي لم يطمح إليه يوما.
في البداية، كان التدريس بالنسبة له مجرد مهنة قسرية، عقوبة يمارسها ليقتات. حين لامست يداه أول راتب، أدرك شيئا مختلفا. لم يكن المال مجرد ورق لتبادل السلع، انما بالنسبة له لغة القوة التي حرم منها طويلا. تحول الإحساس بالفشل في قلبه إلى نار تأكل كل القيم التي كان يظن أنه يؤمن بها.
بدأت الحكاية بدرس خصوصي واحد، ثم صار الفصل الدراسي مجرد واجهة، ومسرحا صغيرا لاستدراج الفرائس. صار يرى في عيون طلابه لا عقولا تحتاج إلى تنوير، إنما محافظ آباء تفيض بالدراهم. أصبح هشام الروندة أيقونة في حيه، ليس لتمكنه العلمي، لدهائه في تسويق النجاح لمن يدفع أكثر.
لم تعد طموحاته تتوقف عند سداد الفواتير. بدأت القطع الأرضية تتراكم في ملفاته، وبدأت السيارات الفاخرة تشق طريقها أمام منزله المتواضع، وكأنها قطع معدنية يصفع بها هشام وجه الحياة التي رفضته سابقا. كانت كل سيارة يقتنيها وكل بقعة أرض يضع يده عليها، تمثل انتصارا صغيرا على خيباته القديمة. أمام باب المدرسة عند خروج التلاميذ يقف مجموعة من الآباء وينخرطون في حديث مطول.
السيد علال عامل بسيط يرتدي ملابس العمل وبصوت خجول وقلق:
– أستاذ هشام، ممكن كلمة من فضلك؟ بخصوص ابني ياسين.
هشام ينظر إلى ساعته بملل:
– تفضل يا سي علال، لكن اختصر من فضلك، لدي التزامات كثيرة.
– أستاذ، ولدي يقول لي إنك طلبت من التلاميذ التسجيل في حصص التقوية (الدروس الخصوصية) في بيتك، وإلا ستكون الامتحانات صعبة عليهم.
هشام بجدية باردة:
– انظر يا سي علال، القسم فيه أكثر من 40 تلميذا. لا أستطيع شرح كل شيء بالتفصيل للجميع؟ من يريد العلامات الكاملة يجب أن يأتي عندي للمنزل لأمنحه الاهتمام.
السيد علال:
– يا أستاذ، أنا أعمل طوال اليوم لأوفر له الكتب والأدوات.
هشام بتنصل من المسؤولية:
– هذه هي ظروف التعليم اليوم يا سي علال، الجميع يفعل ذلك. ابنك ذكي، لكن بدون دروس إضافية، ستكون أسئلة الامتحانات بالنسبة له مثل طلاسم.
السيد علال بحسرة:
– يعني إذا لم أدفع، سيعاقب ابني بنقط سيئة؟ هذا ليس تعليما، هذا تهديد لمستقبل طفل.
هشام يقاطع حديثه ببرود:
– هذا ليس تهديدا، انه الواقع. ابني وابنك، ومن يدفع يحصل على النتيجة.
يغادر هشام بسرعة دون انتظار رد.
السيد علال يحدث نفسه بألم:
– الله يهديك يا أستاذ.. كيف أختار بين لقمة عيش إخوته وبين مستقبله؟
في المساء، حين يغلق على نفسه باب بيته المليء بمفاتيح سياراته الفارهة وعقود أراضيه، كان يقف أمام المرآة، لا يرى ذلك الأستاذ الذي طرد من أحلامه، بل يرى رجلا سحق المبادئ ليشتري مكانة لا يمكن لأحد أن ينتزعها منه. كان يدرك في أعماقه أن دروسه الخصوصية ليست إلا مذبحة للقيم، حيث تتحول المعرفة إلى مجرد سلعة رخيصة، لكنه لم يعد يكترث. لقد استبدل وجع الفشل بلذة الجشع، وأصبح يرى في كل طالب يتملق له من أجل نقطة، مجرد حجرة جديدة في قصره الذي بناه على أنقاض ضميره.
في قلب هشام الروندة، لم يعد للتعليم قدسية، بل صار مجرد حقل لتربية الجشع. تحول من أستاذ يلقن المعرفة إلى مقامر يراهن على مستقبل الطلاب مقابل حفنة من الأوراق النقدية. لم يعد يرى في الأقسام سوى أروقة للتسويق، ولا في الامتحانات سوى فخاخ محكمة الصنع تجبر الآباء على الركوع أمام سطوته المالية.
بدأ هذا الهوس يمزق خيوط ارتباطه بالوسط التعليمي، ليس فقط لأنه أهمل جوهر الرسالة، بل لأنه أصبح ينظر إلى زملائه من الأساتذة نظرة استعلاء ممزوجة بالشفقة. كان يتأملهم وهم يجرون أذيال الفقر والنزاهة، فيشعر بانتصار شيطاني؛ هو الذي امتلك الذكاء ليخرج من سجن الموظف البسيط إلى رحاب المالك الكبير. صار يتردد على المؤسسة كغريب لا ينتمي لجوهرها، يرتدي بذلات باهظة تثير حقد الحراس وتثير تساؤلات المفتشين، وكأنه يلقي بظلال سياراته الفارهة على بوابات المدارس المتهالكة، معلنا بطريقة صامتة أن المؤسسة قد ماتت، وأن زمن التجارة قد حل.
تفاقم الأمر حتى صار هشام يختلق الأزمات التربوية ليخلق الحاجة لدروسه الخصوصية. أصبح يعبث بعقول طلابه، يمنح النقاط لمن يشتري وده، ويحجبها عمن لا يملك الثمن، محولا العملية التعليمية إلى سوق نخاسة فكري. لم يعد يطيق الاجتماعات التربوية، كان يراها مضيعة للوقت الذي يمكنه استثماره في تفقد أراضيه أو مراقبة أسعار العقارات.
أصبح وجوده في المدرسة جرحا غائرا لا يندمل. ففي الممرات، لم يعد هشام يرى الوجوه التي تعبره، بل كان يرى أرقاما متطايرة؛ الطالب المجتهد صار بنظره مجرد هامش ربحي، والفقير الذي لا يملك ثمن الدرس بات عبئا يقتطع من زمنه الثمين. كان يمر بين زملائه ببدلته الفارهة، يراقب تلميذا يرتجف بردا بقميص رث، فيدير وجهه سريعا نحو هاتفه، يعيد حساب أرباحه المتوقعة من حصة المساء، وكأن دقات قلب ذلك الصغير لا تعني له شيئا أمام رنين العملة الذي صار يتردد في أذنيه كصلاة وحيدة.
لم يكن هشام الروندة يبحث عن شريكة عمر، بل كان يفتش عن حليف استراتيجي في معركته مع العالم. الزواج في عرفه لم يكن ميثاقا غليظا، بل استثمارا طويل الأمد، صفقة تضاف إلى سجل ممتلكاته. حين طرق باب تلك المعلمة المطلقة، ابنة العائلات الميسورة، لم يكن دافعه الشوق، بل كان انبهاره بتلك المزرعة المترامية الأطراف والفيلا التي تشبه في فخامتها قصور الحكايات. دخل البيت كمن يقتحم حصنا منيعا، ظنا منه أنه وضع يده على الكنز المفقود.
في الأشهر الأولى، ارتدى قناعا من الود الذي أتقن حياكته، كان يوزع العبارات الناعمة كأنها قطع نقدية معدنية في يد متسول. لكن، ما إن انقشع ضباب البدايات، حتى كشر الجشع عن أنيابه. مد يده نحو راتبها الشهري، لا حبا في الشراكة، بل رغبة في ابتلاع كل ما تملك. حين ردت عليه ببرود حاسم أن مالها حصن لا يخترق، شعر بصفعة دوت في أركان روحه، لا لأنها رفضت الإنفاق، بل لأنها أفسدت مخططاته التي بناها على أوهام الثراء.
هشام بصوت هادئ ومحسوب:
– ألا تظنين أن بقاء راتبك في حسابك الخاص، بينما نتقاسم أعباء هذا البيت، هو نوع من الغربة؟ نحن عائلة واحدة يا زهرة، والمال يجب أن يصب في وعاء واحد ليعظم شأنه.
زهرة ببرود حاسم:
– الوعاء الواحد الذي تتحدث عنه يا هشام، هو وعاء تملؤه أنت بأحلامك العقارية، لا باحتياجات بيتنا. راتبي هو الحصن الوحيد الذي تبقى لي في هذا البيت المليء بالغرباء.
زهرة بابتسامة باردة:
– الحصن؟ يا لسخرية القدر! أنت تتعامل مع زوجتك وكأنه غاز يطرق أبواب قلعتها.
هشام ببرود أعصاب:
– ألم نتفق أن زواجنا شراكة إستراتيجية؟
زهرة وهي تحدق فيه:
– نعم، شراكة. لكنها ليست صفقة لتمويل أطماعك. لقد دخلت معك بيتا ظننته ملاذا، لأكتشف أنني سكنت في مشروع يحتاج إلى ميزانية ضخمة كي يظل واقفا.
هشام يصرخ منفعلا وهو يرمي إشعارا بنكيا:
– أكلت ميزانيتنا في الكماليات! كل قرش يضيع في هذا المنزل هو طعنة في ظهري، وفي مشروعي الخاص.
زهرة تنفجر بضحكة مريرة:
– مشروعك؟ أي مشروع يا هشام؟ إننا نعيش على حافة هاوية! أتظن أن هذه الفيلا العائلة والمزرعة والسيارات، ملك لوالدي؟ إنها مجرد واجهة لهيكل نخرته الديون حتى العظم.
هشام بذهول وعيناه تجحظ:
– ماذا تقولين؟ أنت تبالغين...
زهرة تقاطعه بحدة وصوتها يرتفع اكثر:
– لا أبالغ. أنا أرى كشوفات حساب والدي الغارق في الديون، وكل مظاهر الفخامة مهددة في اي لحظة.
هشام بصوت خافت مهزوم:
– لقد أفسدت كل شيء.
زهرة بأسى وبنظرة احتقار:
– كنت تبحث عن ثروة، ووجدت نفسك في زنزانة من الورق. ارحل، فديون العائلة أقل إرهاقا من وجودك في حياتي.
استيقظ هشام في ذلك الصباح على حقيقة أطبقت على أنفاسه مثل وشاح من رصاص. لم يعد البيت في عينيه قصرا يحفظ كبرياءه، بل صار هيكلا عظميا لسراب كان يظن أنه ملكه. تلك الجدران الفارهة، والأثاث الذي كان يلمسه بزهو، تحولت فجأة إلى مرايا تعكس عراء روحه؛ لقد تزوج ثروة، فاكتشف أنه تزوج زنزانة من طراز رفيع، جدرانها مبنية من ديون لا تنتهي، وسقفها مغطى بغبار الفشل.
بدأ يدرك، بخيبة أمل تقطر مرارة، أن شراكة العمر التي هندسها بعقله الحسابي لم تكن سوى مقامرة خاسرة. سقط القناع عن وجه أحلامه، ووجد نفسه غارقا في صمت المنزل الموحش، صمت لا يقطعه إلا رنين هاتفه الذي بات يلاحقه بإشعارات التذكير بالديون، وكأن الأرقام صارت كائنات حية تنهش ما تبقى من سكينته.
تسللت ديدان الإحباط إلى مفاصل حياته؛ صار يرى في كل تفصيل من تفاصيل يومه فشلا ذريعا. انعكس هذا الانكسار الداخلي على سلوكه الخارجي، فأصبح كبركان خامد يغلي، ينفجر لأتفه الأسباب، ويفرغ غضبه في كل ما يحيط به. لم تعد الكلمات تخرج من فمه لينة أو متزنة، بل كانت كشظايا زجاج تجرح كل من يقترب منها. الزوجة، التي كانت في نظره يوما بوابة للمجد، أصبحت الآن رمزا لخديعة القدر، وكل نظرة منها كانت تذكره بعجزه الذي حاول طويلا إخفاءه خلف بدلاته الأنيقة وسيارته الفارهة.
أصبح هشام ضيفا ثقيلا على نفسه، يهرب من مرآة الغرفة التي صار يتجنب النظر إليها، خوفا من أن يرى ذلك الرجل الذي باع جوهر المعلم ليشتري وهما. كانت خيبته أشد وطأة من الفقر الذي طالما خافه؛ فالفشل في تحقيق المجد الشخصي أشد وجعا من الجوع. في تلك الليالي الطويلة، كان يقف على شرفة الفيلا، يراقب أضواء المدينة البعيدة، ويشعر بأن شيئا ما في داخله قد انكسر إلى الأبد، شيئا لن تجبره كل أموال العالم أو كل ساعات التدريس الخصوصي.
تحول هشام إلى كائن منغلق على ذواته الممزقة، يتذمر من الهواء، من صمت الجدران، من صوت طفله، ومن نبض قلبه الذي بات يذكره كل حين بضياع العمر في طريق لا يؤدي إلا إلى سراب. لقد أدرك أخيرا أنه كان يحاول بناء قصر من رمال على شاطئ يغمره المد، وأن كل جهده لم يكن سوى ركض في حلقة مفرغة، انتهت به إلى أن يكون الغريب الوحيد في بيت كان يظنه يوما وطنه.
تحول البيت إلى ساحة حرب صامتة. صار هشام يهرب من هذا الفضاء الفاخر نحو مؤسساته الخصوصية، يقضي الساعات بين سبورات لا روح فيها، لا يعود إلا تحت جنح الظلام، كأنما يغشى سجنه الخاص. احتدمت النقاشات، وتلاشت مودة لم تكن أصلا قائمة على أساس، حتى جاءت تلك اللحظة التي انهار فيها قناع الزوجة. في نوبة غضب صادقة، ألقت في وجهه حقيقتهم المرة:
– إن هذا البذخ ليس إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها جبلا من الديون المتراكمة على العائلة، وأن راتبها الذي طمع فيه، ليس سوى قطرة في بحر من المظاهر الزائفة التي تقتات على بقايا كرامتهم.
تجمد هشام في مكانه، أحس ببرودة الخواء تتسلل إلى عظامه. كل أحلامه في الاغتناء بالزواج تلاشت كدخان سيجار رخيص في ريح عاتية. أدرك أنه لم يخدعها، بل خدعه طمعه الأعمى. لم يعد يفكر حينها إلا في الهروب، في فك الارتباط بهذا الكابوس الذي ظنه يوما نعيما.
بينما كان يعد في ذهنه سيناريوهات الطلاق والهروب من الغرق، فاجأته بخبر حملها. خمسة أشهر من الخفاء، كانت فيها الحياة تنمو في أحشائها، حاملة معها ثقل المسؤولية الذي لم يكن يوما في حسبانه. وقف هشام أمامها، لا يرى أما لمولود جديد، بل يرى قدرا جديدا يربطه بهذا البيت المتهالك، وبزوجة أصبحت الآن، بفعل هذا الحمل، سجنا أبديا لا يمكنه منه فكاك. تحول أمله في الثراء إلى مرارة لاذعة، وأصبح كل طفل يراه في مدرسته يذكره الآن بهذا الاستثمار الخاسر الذي سيطارد أحلامه طوال ما تبقى له من عمر.
في تلك الليلة، كان الصمت في الفيلا يضج بضجيج لا يسمعه غير هشام. كان يجلس في مكتبه الوثير، محاطا بأكوام من ملفات الأراضي وعقود الاستثمار التي بدأت تتآكل مثل ورق قديم. في الغرفة المجاورة، كان طفله يطلق صرخة مفاجئة، صرخة لم تكن بالنسبة لهشام نداء فطرة أو عزفا للحياة، بل كانت مسمارا إضافيا يدق في نعش أحلامه الكبرى.
قام هشام من مقعده، اتجه نحو الغرفة، وقف عند العتبة يراقب زوجته وهي تحاول تهدئة الرضيع. في تلك اللحظة، لم ير زوجته، ولم ير ابنه، رأى التكلفة. رأى في تلك اللفات البيضاء التي تحيط بالصغير، أثمانا باهظة كانت كفيلة بشراء هكتار آخر في أرض الميعاد التي يطاردها. لقد صار الابن في نظره خطأ تقنيا في معادلته الحسابية، ثغرة في خوارزمية جشعه التي لا تقبل القسمة إلا على المادة. اقترب من المهد ببطء، لم تمتد يده لتلمس وجنة الصغير، بل بقيت معلقة في الهواء كأنها تخشى العدوى، عدوى الفقر أو عدوى الالتزام الذي سيقيده إلى الأبد. يتأمل ملامح الطفل باحثا عن شبه بينهما، لكنه لم يجد إلا وجه غريب جاء ليعلن نهاية سطوته على مستقبله.
خاطبه في سره بصوت مشروخ:
– أنت لست ابني، أنت حصار جديد. أنت النسخة المصغرة من كل الأبواب التي أغلقت في وجهي. جئت في توقيت خاطئ، مثل تذكرة سفر لرحلة لا أريد القيام بها، ومثل حمل زائد في سفينة تغرق أصلا.
خرج من الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة، وعاد إلى مرآته. نظر إلى وجهه المنعكس فيها، فرأى رجلا غريبا يرتدي بدلة غالية، لكن عينيه كانتا باهتتين، فارغتين من أي بريق أبوي. أدرك حينها أن الفراغ الذي يسكنه لم يعد يملؤه مال، وأن الصرخة التي سمعها لم تكن لطلب الحليب، بل كانت اتهاما صارخا له بأنه مات من الداخل قبل أن يولد طفله.
في تلك الليلة، أعلن هشام في صمت أعماقه الطلاق من إنسانيته. قرر أن يمضي في طريقه كآلة لا تعرف الرحمة، باحثا عن الهروب من تلك الحقيقة التي أسموه فيها أبا. وبينما كان يتأمل صور الأراضي المعلقة على جدران مكتبه، أدرك أن ابنه سيكون دائما الخطأ الذي يذكره بأن كل ما جمعه من أرقام، هو في الحقيقة ثمن بخس لبيع روحه.
لم ينم هشام، ظل يراقب أرقام حسابه البنكي على شاشة هاتفه، محاولا شراء السكينة من خلال الأرقام، بينما كان طفله في الغرفة المجاورة يغفو، غير مدرك أن والده قد اختار التخلي عنه وعن العالم كله، من أجل حلم كان في جوهره مجرد وهم رخيص.
تحولت جدران الفيلا التي ظنها يوما كنزا، إلى زنزانة شاهقة. صار هشام يتفنن في اختلاق المشاجرات، يفرغ غضبه في زوجته، يحملها مسؤولية الفقر الذي اكتشفه متأخرا، ومسؤولية هذا الطفل الذي أصبح بالنسبة له تجسيدا لخطئه الفادح. لم تعد الحياة بينهما نقاشا، أصبحت استنزافا طويلا؛ هي تدافع عن مظهرها الاجتماعي بآخر فلس تملكه، وهو يرى في كل درهم ينفقه على ابنه ضياعا لحلمه الكبير في الثراء والسيادة.
في إحدى الليالي، وبينما كان رنين هاتف هشام يعلن عن إشعارات بخصومات بنكية متتالية، وبينما كان بكاء الطفل يملأ زوايا المنزل كأنه صوت اتهام، انفجرت الحقيقة العارية. كانت الزوجة ترتدي قناعا من الضعف، لكنها في لحظة يأس، واجهته بانهيار تام، معترفة بأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في مسرحية الزواج، وأن ديون العائلة قد بلغت ذروتها حتى بات التهديد بالحجز على المنزل واقعا يطرق الأبواب ويشرد أبويها.
نظر إليها هشام، وفي عينيه لم يعد يسكن سوى الكره والندم. لم تعد تمثل له الزوجة الثرية، بل صارت العبء الذي يعيق انطلاقته نحو المجد الذي رسمه في خياله. شعر بأن القيد الذي كان يربطه بها قد انكسر، ليس بفعل الرغبة في الطلاق، بل بفعل القناعة المطلقة بأنها لم تعد ذات فائدة. في تلك اللحظة، اتخذ قراره الصامت، الرحيل.
كانت إجراءات رفع دعوى الطلاق بطيئة ولم تكن درامية، إنما باهتة، ثقيلة، تفوح منها رائحة الفشل المرة، هشام يرفض الاتفاق على قيمة الحضانة ودفع تكاليف الحياة، رحل الزوج تاركا وراءه طفلا لم يعرفه حق المعرفة، وزوجة تفتتت أحلامها تحت وطأة المظاهر، وبيتا يئن تحت ثقل الديون العائلية التي لم تشارك في صناعتها، لكنه كان أول الفارين من حطامها. خرج هشام إلى الشارع، يحمل حقيبة صغيرة، وعقلا لا يفكر إلا في شيء واحد: كيف يستعيد ضياعه، وكيف يبتعد عن هذه الخسارة البشرية التي تركه القدر خلفه، متوجها من جديد نحو المدارس والدروس، كأنما يركض نحو سراب لا يرتوي منه أبدا.
لم تكن السرعة التي كان يقود بها هشام الروندة هروبا من مكان إلى آخر، بل كانت محاولة يائسة للفرار من ظله الذي بات يطارده في كل زاوية. ورغم نداءات الأصدقاء التي كانت تحاول كبح جماح جنونه، كان يرى في الطلاق طوق نجاة، وفي الطريق الممتد أمامه خلاصا من خيبات تراكمت كأحجار الطوب في جدار مسدود.
حين تقطعت الفرامل فجأة، لم تكن مجرد عطل تقني، بل بدت وكأنها إرادة القدر التي قررت أن تضع حدا لهذا الركض المحموم. في تلك اللحظة الخاطفة، تحول العالم إلى مشهد سينمائي بطيء، صوت احتكاك المعدن بالإسفلت تحول إلى صراخ، واندفعت السيارة بجنونها المعهود لتلتحم بجسد الشاحنة في عناق عنيف. في طرفة عين، استحال جسد السيارة الفارهة الذي كان يتباهى به، كومة من الحديد المتشابك، كأنها تابوت من فولاذ يختزل كل صراعاته وخطاياه.
حين وصلت سيارات الوقاية المدنية والإسعاف، كانت الأضواء الزرقاء تمزق عتمة الطريق، والوجوه المذعورة تنعكس على ما تبقى من زجاج مهشم. وسط ضجيج أدوات القطع التي كانت تنهش هيكل السيارة، سحب جسد هشام الروندة من بين الأنقاض، جسدا هامدا خاويا من كل تلك الأطماع التي كانت تحركه.
في ردهات المستشفى الباردة، تحت سقف العناية المركزة، حيث لا صوت يعلو فوق دقات أجهزة التنفس الاصطناعي، استلقى هشام بين ضفتي الحياة والموت. هناك، في تلك المنطقة الرمادية حيث تتساوى الملايين مع القروش، وحيث لا أثر لأراض أو عقود أو سيارات، وجد نفسه وحيدا تماما. غابت صور الأرقام والعملات، وتلاشت ضوضاء الدروس الخصوصية، ولم يبق سوى أنفاسه المتقطعة التي كانت تخبره، بصمت لا يحتمل التأويل، أن كل ما بناه من قوة لم يكن سوى هشيم تذروه رياح النهاية.
كان جسده المسجى تحت الأضواء الكاشفة في الغرفة المعقمة، يبدو ككتاب أغلقت صفحاته قبل أن يكتمل فصله الأخير، تاركا خلفه تساؤلا معلقا في الهواء: هل كانت هذه اللحظة هي النقطة التي كان يبحث عنها في نهاية رحلته، أم أنها مجرد فصل جديد في قصة لم يعد هو كاتبها...؟
بعد شهور من الصمت المطبق الذي غلف غيابه، طويت صفحة هشام الروندة بلا دمعة واحدة تبلل تراب قبره. كان الرحيل باهتا كحياته، بلا وداع، بلا صديق يذرف حزنا، وبلا أثر يذكر لسنوات من الجشع والركض خلف السراب. ووري جسده الثرى وسط زحام المقابر، حيث تساوت أخيرا أقدامه التي طالما مشت في دروب الطمع، مع أقدام الفقراء الذين طالما احتقرهم. لم يمتلك في ختامه سوى بضعة أمتار من الأرض، وهي التي قضى عمره يكدسها ويقتطعها من قوت المحتاجين.
في المقابل، عادت الزوجة إلى البيت الذي كان شاهدا على انهيارها، لكنه الآن استحال مساحة للحرية. انتقلت إلى الوريث التركة، الأراضي التي كانت ترمز في نظر هشام للسلطة، والسيارات التي كانت تجسد كبرياءه الكاذب. لم تكن هذه الأملاك بالنسبة لها مجرد أرقام في حساب بنكي، بل كانت ثمن صمتها وصبرها وجرحها الغائر. أحست بثقل السنين ينداح عن صدرها، والابن بدا يتلو الكلمات على المسامع، ويركض في أرجاء الغرفة الفسيحة، تشعر بالراحة والفرح الطفولي، تنهدت تنهدة عميقة كأنما كانت تحمل جبلا من القهر، ثم وجدته فجأة يذوب في هواء الغرفة، تاركا خلفه خفة لم تعرفها من قبل.
بعد رحيل هشام، لم تعد الفيلا مجرد مسكن، بل استحالت متحفا للصدى. كانت زهرة تمشي في الأروقة الفسيحة، فلا تسمع سوى وقع خطواتها الذي يرتد من الجدران كأنها تعاتبها على عمر قايضت فيه سكينة الروح ببريق المظاهر. لم تكن الأراضي ولا السيارات المكدسة في المرآب سوى أشلاء لقصة ميتة، جثث معدنية وشواهد قبور لأحلام لم تولد.
في ليالي الخريف الشاحبة، حين كان الضباب يزحف على نوافذ الفيلا ليغطي زيف الرخام، بدأت زهرة تعيد ترتيب فوضاها. لم تعد تبحث عن منقذ يكمل مشهد التراجيديا، لقد أدركت أن التحرر ليس في استبدال رجل بآخر، بل في نزع فتيل الاستثمار من قلب الحياة.
ذات مساء، وببساطة لا تليق بضخامة القصور، جلست في الحديقة المهملة. لم تكن تنتظر أحدا. كانت تراقب الشجر الذي نخرته الصراعات، والريح التي تعبث بأوراق العقود المتناثرة على الطاولة. في تلك اللحظة، شعرت لأول مرة بخفة مرعبة، خفة من لا يملك شيئا ليخسره.
في ليلة خريفية كئيبة، بينما كانت زهرة تهيم في حديقتها المهملة، محاطة بأسوار الفيلا التي تشعرها بالاختناق، وجدت شخصا غريبا يجلس في زاوية الحديقة، بعيدا عن أعين الخادمة. كان بوعزة، الذي يتسلل بانتظام ليس لسرقة شيء، بل للقراءة بصوت خافت أمام شجرة قديمة ذابلة، معتقدا أن أحدا لا يراه. لم تكن قراءته موجهة لأحد، كانت حديثا مع الفراغ، مع الطبيعة التي يراها تذبل مثلما تذبل هي.
– كيف يصبح ضروريا...؟
حين واجهته زهرة، لم يعتذر، ولم يتوتر. نظر إليها بهدوء، وأشار إلى الشجرة التي كانت قد ماتت تماما في عهد هشام، وقال جملة واحدة:
– هذه الشجرة لا تحتاج إلى مياه كثيرة، هي تحتاج فقط لمن لا يحسب لها حساب الربح والخسارة.. هي تموت لأنها تشعر بأنها مراقبة.
تلك الجملة اخترقت جدار زهرة العازل. أدركت أن هذا الغريب، الذي لا يملك شيئا، هو الوحيد الذي يرى روحها التي سحقها هشام بالأرقام.
لم يعد بوعزة يزورها ليأخذ منها، ليترك لها فراغا في الحوباء. في عالم زهرة الممتلئ بالضجيج والعقارات والأقنعة، أصبح بوعزة المساحة الوحيدة التي لا تطلب منها شيئا. إنه يمثل العدم الجميل. هو يقرأ لها قصائد لا تفهم معناها التقني، لكنها تفهم خفتها. بدأت زهرة تنتظر تسلله ليس كخيانة لزوجها، إنما كهروب لإنسان داخلها من سجن فيلتها. هو لم يرمم سيارتها، إنما رمم قدرتها على الصمت. صار وجوده ضروريا لأنها لأول مرة، في حضور رجل، لا تحتاج إلى أن تتحدث عن المال، أو الأراضي، أو الديون. معه، تستطيع أن تكون لا شيء، وهو الرقي الوحيد الذي لم يعرفه هشام قط.
– لماذا هذا المدخل أقوى؟
بوعزة هنا يمثل النقيض الفلسفي لهشام؛ هشام كان يرى في الحديقة أرضا للبيع، وبوعزة يرى فيها كيانا يستحق الحديث. العلاقة بدأت من روح لروح، من عزلة لعزلة، مما يجعل بوعزة مرآة زهرة التي لم تستطع رؤية وجهها الحقيقي فيها من قبل وأصبح ضرورة لأنها بدأت تكتشف بوجوده أنها حية، بينما كان وجود هشام يجعلها تشعر بأنها مجرد عنصر في ميزانية.
لم يظهر كفارس من سراب ليمسح دموعها، ولم يأت الحب كصفقة لترميم ما انكسر. إنما وجدت زهرة نفسها، في صمت المساء، تغلق باب الفيلا الكبير، ليس لتدخل زنزانة جديدة، لتمشي في الحديقة دون أن تلتفت إلى الوراء. رأت الطفل يلعب بالتراب، دون أن تفكر في تكلفة تنظيف ثيابه، ودون أن تقيس مستقبله بميزان الربح والخسارة.
أدركت حينها أن الجشع الذي لوث حياة هشام لم يكن سوى ظمأ للخلود عبر الأشياء. أما هي، فقد اختارت أن تكون فانية، أن تكون إنسانة تحتفي باللحظة، وتترك للزمن أن يلتهم القصور والديون معا. غابت خوارزمية الجشع من رأسها، وحلت محلها طمأنينة العدم. لم تعد الفيلا سجنا، ولم تعد الممتلكات قدرا، صارت مجرد مادة صماء، بينما كانت هي، لأول مرة منذ سنوات، تبدأ في التنفس بعيدا عن صخب الأرقام، وحيدة، عارية من كل زيف، وحرة كريح لا تسأل عن وجهتها.
في مساء مطير، جلست في حديقة الفيلا، يغمرها شعور بالاختناق من كل ما تملك، سمعت صوت محرك السيارة رينو 4 البيضاء المتهالكة، حين التقت نظراتهما، لم يكن هناك رنين عملات، كان صمت الأرض بعد المطر. أدركت حينها أن بوعزة لم يكن قدرا، كان استراحة لروحها بعد معارك طويلة.
