حوار مع الدُّكتور رياض بن الحاج أحمد
_ بدايةً.. مبارك فوزك، هل كنت تتوقّع حصولك على هذا المركز المتقدِّم بين هذا الكمِّ من المشاركات العربيَّة؟
– شكرا جزيلا لكم. مثّل هذا الفوز مصدر سعادة واعتزاز، خاصة أنّ المسابقة استقطبت عددا مهما من المشاركات العربيّة، وهو ما يضاعف قيمة التتويج. كنت مؤمنا بوجاهة الموضوع وبقدرة المقاربة التي اعتمدتها على إضاءة جانب مخصوص من رواية "قناع بلون السماء"، لكنّني لم أدخل المسابقة بتوقّع ترتيب بعينه. كان رهاني الأساسي تقديم بحث متماسك يحترم خصوصيّة النص الأدبي، ويكشف ما ينطوي عليه من أسئلة تتّصل بالهويّة والعبور والذّاكرة وصراع السرديّات. لذلك رأيت في الفوز تقديرا للجهد المبذول، وحافزا إلى مواصلة البحث والكتابة بمزيد من الدقّة والمسؤوليّة.
_ عنوان بحثك الفائز(مسار العبور في " قناع بلون السَّماء"، لباسم خندقجي: امتحان الهُويَّة وصراع السَّرديَّات في الرِّواية الفلسطينيَّة).
سؤالي: كيف يفكِّك (باسم خندقجي) في روايته، مفهوم الهُويَّة الفلسطينيَّة، وكيف ينتصر لصراع السَّرديَّات من خلال ثيمة مسار العبور؟
– يفكّك "باسم خندقجي" الهويّة الفلسطينية بإخراجها من التصوّر الثابت والمغلق، ووضعها داخل تجربة من الضغط والانقسام والمقاومة وإعادة البناء. تبدأ هذه التجربة حين يعثر "نور الشهدي" على بطاقة هويّة إسرائيلية زرقاء تحمل اسم "أور شابيرا"، فيتّخذ منها قناعا يتيح له عبور أمكنة لا يستطيع دخولها باسمه الفلسطيني.
غير أنّ هذا العبور لا يظلّ انتقالا مكانيا، إنّما يصبح عبورا بين اسمين وصورتين وسرديّتين. فعندما يتحرّك "نور" باسم "أور"، يكتشف أنّ الفلسطيني يُضطرّ إلى إخفاء هويّته حتى يتمكّن من الحضور في أرضه. ومن هنا تكشف الرواية أنّ السّلطة تتحكّم أيضا في الاسم والوثيقة وشروط المرور والظّهور.
ويتّسع مسار العبور ليكشف صراعا حول من يملك تسمية الأرض وتأويل أثرها وكتابة تاريخها. وفي مواجهة السرديّة المهيمنة، تستعيد الرواية صلة المكان بذاكرته الإنسانيّة، وتمنح الفلسطيني حقّ رواية تجربته بصوته. هكذا تنتصر الرواية للسرديّة الفلسطينيّة جماليّا ومعرفيّا، فهي تكشف كيف يُنتج خطاب الهيمنة شرعيته، ثم تقوّضه بإعادة الحكاية إلى أصحابها.
_ إلى أي مدى تكشف رحلة العبور عن هشاشة الهُويَّة المفروضة، مقابل صلابة الهُويَّة الأصليَّة في الرِّواية؟
– تكشف رحلة العبور أنّ الهوية المفروضة تبدو قويّة لأنها مسنودة بالوثيقة والحاجز والمؤسسة وقوانين المرور، لكنّها تظلّ هشّة في أساسها، لأنّها تحتاج باستمرار إلى الإكراه وإعادة التسمية وإقصاء صاحب الأرض. تمنح البطاقة الزرقاء "نور" قدرة مؤقّتة على الحركة، لكنّها لا تمنحه وجودا حقيقيّا، فهي تفتح أمامه المكان، فيما تحاصره داخل اسم لا ينتمي إليه.
وفي المقابل، يكشف "خندقجي" ما تتعرّض له الهوية الفلسطينية من جرح وارتباك واستلاب. ومع ذلك، تتجلّى صلابتها في قدرتها على مقاومة المحو وإعادة بناء ذاتها تحت الضغط. فكلّما توغّل "نور" في شخصيّة "أور"، ازداد وعيه بانتمائه الفلسطيني وبالعنف الذي يجبره على التخفّي.
إنّ صلابة الهوية الفلسطينية لا تعني أنها لا تُجرح، بل تعني قدرتها على تحويل الجرح إلى وعي، والوعي إلى مقاومة. أمّا الهوية المفروضة، فعلى الرغم من امتلاكها أدوات السيطرة، تظلّ محتاجة إلى القوة والوثيقة والخطاب كي تثبت ما تعجز عن تثبيته بالتاريخ الحي.
_ هل نجح "خندقجي" من داخل أسْره في تحويل الرِّواية إلى منصَّة اشتباكٍ ثقافيٍّ تفكِّك رواية العدوِّ، وتُثبِّت السَّرديَّة الفلسطينيّة؟
– تتجلّى قدرة "باسم خندقجي" على تحويل الرّواية إلى فضاء للاشتباك الثقافي في بنائه مواجهة سرديّة وجماليّة تكشف آليّات تشكيل السرديّة الصهيونيّة للمكان والتاريخ. فمن خلال القناع، ينفذ "نور" إلى المؤسّسات والفضاءات التي تعيد تسمية الأرض، وتقتطع الأثر من سياقه، وتضفي على تأويل أحادي مظهر الحقيقة النهائية.
وفي مواجهة هذا الاحتكار، تستعيد السردية الفلسطينية صلة المكان بذاكرته، والتّاريخ بأصحابه، والحكاية بالتّجربة المعيشة. ويتحوّل المخيّم والجسد والاسم والوثيقة والأثر إلى علامات تحفظ الحضور الفلسطيني، وتكشف استمراره تحت طبقات المحو وإعادة التسمية.
وتكتسب هذه المواجهة دلالة أعمق لصدورها عن كاتب يخوض معركته الثقافية من داخل الأسر. فبينما يفرض السّجن حدوده على الجسد، تفتح الكتابة أمام المخيّلة إمكان عبور الأمكنة والأسوار. وبهذا تغدو الرواية ممارسة لاستعادة الحريّة، ويتحوّل السّرد إلى مقاومة معرفيّة وجماليّة تصون الصّوت والذّاكرة وحقّ الفلسطيني في رواية تاريخه.
_ كونُك أستاذًا محاضرًا للتَّعليم العالي في الفنون الجميلة، اختصاص(نحت)، ما هي الإحالات الفلسفيَّة أو الجماليَّة الَّتي يستدعيها العملُ النَّحتيُّ في ذهن المتلقِّي؟
– أمام المنحوتة يدخل المتلقّي في تجربة بصريّة وجسديّة تتغيّر بحسب حركته ومسافة وقوفه وزاوية نظره. ومن تعاقب الكتل والسطوح والفراغات تتولّد إحالات إلى الحضور والغياب، والثقل والهشاشة، والثّبات والتحوّل.
وتشارك المادّة في إنتاج المعنى عبر طبيعتها وملمسها وآثار تشكيلها، فالحجر والرخام يستحضر الصلابة والديمومة، والمعدن يوحي بالقوّة والتوتر، بينما تحيل المواد الهشّة إلى الزّمن والزوال. وتنبع القيمة الجمالية للعمل من تنظيم هذه العلاقات داخل الفضاء، حيث تتحوّل الكتلة أو الفراغ أو التشقّق إلى علامات مفتوحة على الذّاكرة والجرح والتّأويل، ويغدو المتلقّي شريكا في بناء دلالاتها.
_ هل يختلف الطَّرحُ النّحتيُّ المعاصر عن المفاهيم الكلاسيكيَّة للنَّحت؟
– تتحدّد المسافة بين النحت الكلاسيكي والنحت المعاصر في تحوّل طبيعة العمل ووظيفته وعلاقته بالفضاء والمتلقّي. فقد ارتكز التصوّر الكلاسيكي على الكتلة المتماسكة، ودقّة تمثيل الجسد، وتوازن النّسب، وإبراز المهارة التقنيّة ضمن منجز نحتي مستقلّ. أمّا الممارسة المعاصرة فقد وسّعت الحقل النّحتي بإدماج الفراغ والضّوء والصّوت والحركة والزّمن والمواد الهشّة والوسائط الرقميّة، فأصبحت المنحوتة تنصيبة مؤقّتة أو فعلا أدائيّا أو بناء متحوّلا يستجيب للمكان وتفاعل الجمهور.
واكتسب المتلقّي داخل هذا التحوّل حضورا فاعلا، إذ تدخل حركته ومسافة وقوفه وزمن مشاهدته ضمن تشكّل التّجربة ودلالاتها. كما غدا الفضاء عنصرا إنشائيا يشارك الكتلة في إنتاج المعنى، وصارت المادة حاملة لآثار الزمن والذّاكرة والتحوّل. ويستثمر النحت المعاصر مكتسبات البناء والتوازن ومعرفة الخامات، ثم يعيد توجيهها نحو أسئلة تتصل بالجسد والمكان والبيئة والهويّة. وهكذا تتجاوز قيمة المنحوتة حدود ما تمثّله لتشمل أثرها في الفضاء، وطريقة تنظيمها لحركة المتلقّي، وقدرتها على إعادة تشكيل إدراكه للمادّة والعالم.
_ هل تُحضِّر لمشروع كتاب، أو دراسة جديدة في الفنِّ التَّشكيليِّ قريبًا؟
– أعمل حاليّا على تهيئة كتاب مكتمل للنشر بعنوان "الجسد المنحوت في تونس: الجذور الغربيّة وتحولات الإنشاء". وسيقدّمه الدكتور "إياد الحسيني" من العراق. يتناول الكتاب تشكّل النّحت التونسي الحديث والمعاصر من خلال حضور الجسد، ويتتبّع أثر المرجعيّات الغربيّة في بناء هذا المنجز، وطرائق استيعابها وإعادة صياغتها ضمن خصوصيّات ثقافيّة وماديّة وجماليّة محليّة.
ويطمح هذا المشروع إلى الإسهام في توثيق تجربة نحتيّة تونسيّة، وقراءة تحوّلاتها عبر صلة الجسد بالخامة والفراغ والذاكرة والفضاء. كما يقترح رؤية نقدية تكشف تدرّج النّحت التّونسي في بناء لغته الخاصّة، وقدرته على تحويل الأثر المرجعي إلى منطلق لإنشاء فني يحمل أسئلة الإنسان والمكان والزمن.
_ لديك مشاركة بمداخلة عنوانها "جماليَّة الإنشاء والتَّلقي"، كيف يساهم التَّفاعل بين جماليَّة الأسلوب (الإنشاء)، وعمق التَّأثير في المتلقِّي (المتَّلقين)، في إيصال الفكرة وإقناع الجمهور بها؟
– تتولّد فاعليّة العمل الفنّي من انسجام بنيته الإنشائية مع الفكرة التي يحملها، إذ تسهم المادّة واللّون والإيقاع والفضاء في تحويل المعنى إلى تجربة حسية وفكريّة يتفاعل معها المتلقّي. ويشارك المتلقّي في استكمال هذه التّجربة انطلاقا من ذاكرته وثقافته وحساسيّته الجماليّة، فيتحقّق الإقناع عبر إثارة النظر والتساؤل وفتح مسارات التأويل، بما يمنح الفكرة أثرا أعمق وأكثر استمرارا.
_ فاز كتابك (صورة الخيل في التَّشكيل العربيٌّ المعاصر) بجائزة الشَّارقة ٢٠٢٥.
لماذا اخترتَ "صورة الخيل" لتكون موضوعًا لدراستك؟
– ينبع اختياري لصورة الخيل من كثافتها الرمزيّة ورسوخها في الذّاكرة العربيّة، فقد اقترنت بالفروسيّة والبطولة والفخر والنّسب والحريّة، وحضرت في الشّعر الجاهلي والسّير الشعبيّة والنّصوص الدينيّة والمتخيّل الصوفي والفنون الإسلاميّة. ومن هذا التّراكم اكتسبت صورتها أبعادا تاريخيّة وأسطوريّة وهوياتيّة متشابكة.
وقد أثار اهتمامي التحوّل العميق الذي عرفته دلالاتها في التشكيل العربي المعاصر، إذ أعاد الفنّانون مساءلة قيم القوّة والبطولة الكامنة فيها، وحوّلوها إلى جسد جريح، أو أثر ممحو، أو علامة تستحضر المنفى والغياب والهزيمة والمقاومة. وهكذا غدت صورة الخيل مجالا نقديّا يكشف تحوّلات الوعي العربي وعلاقته بذاكرته وأسئلة حاضره.
ومن هنا تأسّس السؤال المركزي للبحث: كيف انتقلت صورة الخيل من أيقونة تراثية للتماسك والبطولة إلى بنية نقدية تكشف الانكسار وتعيد مساءلة الذاكرة والهويّة؟ لقد أتاح لي هذا الرّمز دراسة علاقة الفن بالتّراث خارج الاستعادة الزخرفيّة، والكشف عن قدرة الفنّان العربي على تحويل الموروث إلى أداة للتّفكير في أسئلة الحاضر.
وما هي أبرز التَّحوُّلات التي رصدْتها في طريقة رسم، وتجسيد الخيل بين الفنَّانين العرب؟
– تمثّل أبرز التحوّلات في انحسار صورة الخيل البطوليّة وظهورها جسدا جريحا وأثرا متشظّيا يحمل الذّاكرة والغياب. وقد أسهمت تقنيات التجريد والاختزال والمحو والكشط وتفكيك الكتلة في بناء هذه الدّلالات الجديدة.
ارتبطت الخيل لدى "الصحبي الشتيوي" بالهويّة والمتخيّل الأسطوري، واستحضرها "عادل مقديش" ضمن سرديّة هلاليّة تختزن الفحولة والذاكرة، بينما قلب "عامر العبيدي" صورة البطولة. وعند "شاكر حسن آل سعيد" غدت أثرا قريبا من الكتابة الممحوّة، واكتسبت لدى "ضياء العزاوي" طاقة احتجاجية، فيما حمّلها "محمد نصر الله" دلالات المنفى والجرح والمقاومة الفلسطينية.
وقد أفضى هذا التنوع إلى صياغة مفهومي "الفحولة المتخفّية" و"الأسطورة المقلوبة"، حيث غدت صورة الخيل نصا بصريّا مفتوحا على أسئلة الهويّة والذّاكرة والانكسار والمقاومة.
_ أخيرًا..ماذا تعني لك جائزة (ديوان العرب)، كونها تحملُ اسمَ موقعٍ ثقافيٍّ عريقٍ مثل "ديوان العرب"، وهل من مقترحات للنُّسخة القادمة من الجائزة؟
– حمل هذا التتويج قيمة خاصّة لارتباطه بمنبر ثقافي عربي عريق أسهم في ترسيخ حضور الأدب والنّقد، وفتح فضاء للتّواصل بين كتّاب وباحثين من أجيال وبلدان مختلفة. وأستقبل الجائزة تقديرا للبحث الجاد، ومسؤولية تحفّزني على مواصلة الاشتغال على قضايا الأدب والفن والهويّة والذاكرة، والإسهام في الفعّال في الحوار النقدي العربي.
وأقترح تعزيز هذا المسار بإصدار ملف رقمي سنوي يجمع الدّراسات الفائزة، مرفقة بملخّصات وتقارير تبرز قيمتها العلميّة، إلى جانب تنظيم جلسة نقديّة تجمع الفائزين بأعضاء لجنة التحكيم. كما يمكن تنويع المحاور لتشمل الدراسات البينية والقضايا الثقافيّة الرّاهنة. وبهذه المبادرات يزداد إشعاع الجائزة، ويتّسع تداول منجزها المعرفي داخل المشهد الثقافي العربي.
