أنا وبعد الطوفان
لم يبدأ الطوفان يوم انهارت الأشياء من حولي، بل يوم بدأت تنهار الأشياء بداخلي.
كنت أتباهى بمبادئي التي أحملها كما يحمل الجندي وساما على صدره أكثر مما أفهمها، كنت أؤمن أن الصدق يكفي لينجو صاحبه، وأن العدالة تنتصر وحدها، وأن الإنسان يقاس بما يعطي لا بما يملك.
إلى أن جاءت المواقف لتختبر أقوالي كما يختبر الحداد الحديد بالنار. وفي كل منعطف كانت تضع أمامي سؤالا لا أجد له الجواب.
سوومت على بيع قناعتي مقابل تأميم الوظيفة عندما احتجت المال، وعندما احتجت السند طلب مني خيانة شخص وثق بي، وعندما احتجت الحب كان الشرط أن أتخلى عن بعض من نفسي كي أكون مقبولا.
في البداية... كنت أرفض وأعود إلى بيتي منتصرا في عيني، مهزوم في عيون الناس، لكن مع مرور الوقت تولدت في داخلي كراهية لذلك الانتصار الذي جعلني وحيدا.
ما قيمة المبدأ الذي يتركني وحيدا؟
بل ما قيمة الكرامة التي لا تطعم من جوع؟
وما قيمة الصدق إذا كان الكذب يفتح الأبواب الموصدة؟
كانت أسئلتي تتكاثر كالتيارات وكل موجة منها تقتلع جزءا من يقيني.
أردت أن يجيبني انعكاسي في المرآة عندما سألت ذات يوم: هل كنت متمسكا بمبادئي فعلا...أم متمسكا بصورتي التي أصدرها للغير.
صمت انعكاسي لكني أحسست بشيء ينكسر... شيء كشف لي أنني لم أكن أدافع عن مبادئي كلها، بل عن غروري أحيانا.
كان العناد يسمى لدي بالثبات، والخوف من التغيير وفاءا للقيم، وأسمي جهلي بالناس حسن ظن.
كان الطوفان قاسيا لأنه لم يهدم العالم من حولي فقط، بل هدم البرواز المثالي الذي كنت أعيش بداخله.
حتى جاءت المرحلة الأصعب... مرحلة إعادة الترميم.
أنا هنا لم أعد الشخص القديم، بل رفضت أن أصبح الشخص الذي نحتته الظروف.
تعلمت أن المبادئ التي لا تصقلها الاختبارات مجرد شعارات.
وأن القيم التي لا تدفع ثمنها ليست قيما، بل زخرفة أخلاقية... وأن الانسان لا يقاس بعدد المرات التي حافظ فيها على نقائه، بل بعدد المرات التي استطاع فيها التحرر من الوحل دون أن يتحول إليه.
بعد سنوات، استدرت خلفي فرأيت الطريق الذي سلكته. حيث وجدت:
خيبات علمتني الحذر، خسارات علمتني الاستغناء.... وخذلان علمني ألا أبحث عن انعكاسي في عيون الآخرين.
عندها فقط أدركت أن الطوفان لم يكن عدوي، فقد كان معلمي الأكثر قسوة.
فقد سلبني الانسان الذي اعتقدت أنني عليه، ومنحني الانسان الذي اكتشفت أنني قادر على أن أكونه.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سألني أحدهم: هل غيرتك الحياة؟ أجيب مبتسما: لا... لقد جردتني من الأوهام فقط.
ثم أضيف في سري: أما أنا الحقيقي... فلم ألتق به إلا بعد الطوفان.
