الثلاثاء ٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

سجناء التقنية

كان عمر يستيقظ على رنين الهاتف، يبدأ يومه بالنظر إلى الشاشة قبل أن ينظر إلى وجه زوجته، يتناول فطوره أمام الشاشة، يعمل عبر الشاشة، يضحك عبر الشاشة ويتعب عبر الشاشة، حتى إنه صار يزور أصدقاءه عبر الشاشة... كان يعتقد أنه يعيش حياة مليئة بالناس.

في أحد الأيام، تعرضت والدته لوعكة صحية مفاجئة ونُقلت إلى المستشفى

وصل مسرعاً، جلس قرب سريرها وهو يراقب الأجهزة الطبية التي تحيط بها

فتحت عينيها بصعوبة وسألته: كيف حالك يا بني؟

ارتبك، ... كان السؤال بسيطاً، لكنه لم يعرف جوابه.

منذ متى لم يسأل نفسه هذا السؤال؟

استغرب. فعلا.... كيف حاله؟

منذ متى لم يجلس مع أحد ليتحدث عن نفسه بعيداً عن الصور والمنشورات والتعليقات؟

وفي إحدى الأمسيات، بعدما خرجت والدته من المستشفى اجتمعت العائلة حول المائدة.

كان الجميع حاضرين.

الأب.... الأم.... والأبناء.
لكن الصمت كان يسيطر على المكان.
فقط أصابع تتحرك.
شاشات تضيء وتنطفئ.
ورؤوس منحنية.
فجأة أطفأت الأم جهاز توصيل الانترنيت الرئيسي:
في لحظة عم الاضطراب المكان.
صرخ الابن: انقطع الاتصال ...
وقالت الابنة: توقفت الشبكة ...
ورفع الأب رأسه لأول مرة: ماذا حدث؟

ابتسمت الام وقالت: أخيرا رأيت وجوهكم ...حدثوني ... لو اختفى أحدنا اليوم، ماذا سيبقى منه في ذاكرتكم؟
رفع الجميع رؤوسهم.

لأول مرة منذ زمن.
حاول الابن أن يصف أباه ففشل.
حاول الأب أن يتذكر آخر حلم تحدثت عنه ابنته... لم يستطع.
حاولت الابنة أن تتذكر متى كان آخر حديث طويل جمعها بوالدتها... عجزت.
اكتشفوا أنهم يعرفون كلمات السر الخاصة بأجهزتهم أكثر مما يعرفون بعضهم
في تلك الليلة، ظل عمر مستيقظاً.
فتح قائمة جهات الاتصال.
مئات الأسماء... أغلقها.

ثم فكر في أمر بسيط:

من بين كل هؤلاء، من سأستطيع طرق بابه الآن لو ضاقت بي الدنيا؟

بدأ يعدّ... اسماً...ثم ثانياً...ثم توقف.
مئات العلاقات وقليل جداً من البشر.
آلاف المحادثات وقليل جداً من التواصل.
في الصباح التالي، خرج إلى الشارع.
رأى شابين يجلسان على مقعد واحد يتبادلان الرسائل بينما يفصل بينهما أقل من متر.

ورأى أباً يدفع عربة طفله بيد، ويتصفح هاتفه بالأخرى.
ومجموعة أصدقاء يلتقطون صوراً للحظة لم يعيشوها أصلاً.
عندها فهم الحقيقة.
التقنية لم تسرق الوقت فقط.
بل سرقت التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع الحياة ذاتها.
نظرةً عابرة.
حديثاً مرتجلاً.
ضحكةً جماعية.
زيارةً بلا موعد…واشتياقاً حقيقياً لا يقاس بعدد الإعجابات.
ومنذ ذلك اليوم، صار يرى الناس كما لو أنهم يحملون زنزانات شفافة في أيديهم
يمشون أحراراً في الشوارع....
لكنهم يقضون أعمارهم خلف قضبان من ضوء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى