بيتٌ بحجم الحنين
البيتُ لم يَعُد بيتًا، بل صَدَفةً فارغةً على شاطئٍ تلاشى فيه الموج. أمُّ صلاح، ليست أمًّا فحسب، بل كائنٌ شفيف، تنهض كل صباح لتغسل أصوات أطفالها من زوايا الجدران، تُجفّف ضحكاتهم المنشورة على حبال (…)
البيتُ لم يَعُد بيتًا، بل صَدَفةً فارغةً على شاطئٍ تلاشى فيه الموج. أمُّ صلاح، ليست أمًّا فحسب، بل كائنٌ شفيف، تنهض كل صباح لتغسل أصوات أطفالها من زوايا الجدران، تُجفّف ضحكاتهم المنشورة على حبال (…)
كانت الطاولة الخشبية الوحيدة في الزاوية تبدو كما هي. خُيّل إليّ أنه لم يُمسّ منذ رحيلهم. الكرسي الذي يشبه نصف ذاكرة، كان مائلًا قليلًا للوراء، كأن أحدهم نهض عنه للتو. في الزجاج العتيق انعكست صور (…)
كان الجوُّ باردًا قليلًا، والنعاس يوشك أن يُطبِقَ جفنيّ. لا وقتَ للحُلم الآن، لكنّ الإرهاق قد نالَ من جسدي، والوهنُ تمدّدَ في مفاصلي كالماء البارد. اقتربت من السرير، ألقت بجسدها كمن يُسلم نفسه (…)
في البدء، لم يكن هناك شيء، أو ربما كان كلُّ شيءٍ متراكبًا كطبقاتِ حلمٍ متوارٍ، ينبض عند أول صرخةٍ للوعي. فتح رُؤوف عينيه، ولم يعرف إن كان قد استيقظ من نومٍ عميق، أم من حياةٍ أخرى. لا ضوء في (…)
كل شيء حوله كان ساكنًا، حتى الصباح بدا مترددًا في إشراقته الرمادية، ها هو يتسلل عبر أطراف الغياب، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا مات منذ زمن. في الخارج، كانت الأمهات يصرخن بأسماء أبنائهن، بأصوات مرتعشة (…)
يعتصر داخله ألمٌ، حدّق في الصور أمامه بتمعّن، كان كل إطار يحمل قصةً من قصص النسيان. أمسك العصا التي يتوكأ عليها، وشعر أن نُحول جسده قد تجاوز عمره، رغم أنه لم يبلغ الخامسة والثلاثين. دوره كرجلٍ (…)
بوجهٍ شاحبٍ مصفر، ويدان لا تقويان على حمل الصندوق، جلس يقلب أحد أضابير كتاباته القديمة بخُفَيّ حُنين. كان هذا الملف من أقدم ما تبقّى له من الأوراق والصور المثقوبة والمبعثرة داخل الصندوق. سيلٌ من (…)
لم يكن هذا اليوم كغيره. استيقظت مبكرًا، وفي رأسي فكرة واحدة: لا أحد يهزمني. كنت بحاجة إلى أن أنفض غبار الصمت عن صدري، أن أعلو فوق صخب الأيام بكلمات تنطلق من داخلي لا توقفها حواجز ولا تمنعها جدران. (…)