ما يتسرّب من الضوء
كنّا نخبّئُ النهار
في علبةِ بسكويتٍ قديمة،
ونفتحهُ عند الحاجة،
كما تُفتحُ المعجزاتُ الصغيرة.
أمّي
تُقشّرُ الوقت
بسكّين المطبخ،
وتقطّعهُ
إلى وجباتٍ تكفي الجميع،
وأنا…
أراقبُ
كيف يتحوّلُ التعبُ
إلى رائحةِ أرزّ،
وكيف يصيرُ الصمتُ
ماءً يغلي
ولا يفيض.
في الزاوية،
كانت الريحُ
تتمرّنُ على أسمائنا،
تدخلُ خلسةً
من ثقوبِ الجدران،
وأمّي
ترتقُ الهواء،
بإبرةٍ من دعاء،
وتقول:
“سيمرّ…”
كنتُ أصدّقها،
كما يُصدّقُ طفلٌ
أنّ القمرَ
ينامُ في جيب أمّه.
كبرتُ،
وصار عليّ
أن أفهمَ الأشياء،
ففهمتُ متأخرةً
أنّ الأيادي
التي كانت تُطعمنا،
كانت تأكلُ
آخرها.
وأنّ الجبينَ
الذي يلمعُ عرقًا،
لم يكن حرارةَ مطبخ،
بل احتراقًا
بطيئًا…
لا يُرى.
كنتُ أتمنّى
أن أكونَ
ظلًّا خفيفًا على كتفها،
أو نسمةً
تمرّ ولا تؤذي،
لكنني كنتُ
أثقلَ من قدرتي،
وأكبرَ
من احتمالي.
وفي الليل،
حين تُطفئُ جسدها
وتنام،
أسمعُ قلبها
يعدُّنا واحدًا واحدًا،
كأننا
آخر ما تملك.
وأفهم—
أنّ الضوء
الذي كان يملأ البيت،
لم يكن كهرباء…
بل
شيئًا منها
يتسرّب
إلينا.
