السبت ١٨ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

ماذا لو كنتُ مخطئًا؟

في إحدى الملاهي، كانت هناك متاهة من المرايا. يدخلها الزائرون، فيرون صورهم في كل زاوية، وبعد دقائق يبدؤون في الظن أن العالم كله ليس سوى تلك الصور التي تتكرر أمامهم.

هكذا نفعل أحيانًا مع قناعاتنا؛ ننسج حولها شرنقةً فكرية حتى تتحول إلى قفصٍ غير مرئي. نبدأ بفكرة عابرة، ثم نقرأ لمن يوافقوننا، ونتابع في المجموعات والتطبيقات من يشبهوننا، حتى تصبح الخوارزميات حارسًا لذلك السجن الفكري.

في فيسبوك نقرأ الرأي نفسه كل يوم عشرات المرات بصيغ مختلفة، وفي يوتيوب تظهر لنا مقاطع تؤكد ما نؤمن به فحسب، وفي مجموعات واتساب يُقصى أو يُسكت أي صوتٍ مخالف، فتغدو الفكرة عالمًا كاملًا، ونقع في فخ «فقاعة التأكيد». وعندها لا يعود الرأي الآخر مجرد اختلاف، بل تهديدًا وجوديًا لتلك الفقاعة التي أحطنا أنفسنا بها.

والمفارقة أن كثرة المنتقدين قد تدفع بعضنا إلى مزيد من التشبث برأيه، حتى يعتقد أن ازدياد الضجيج برهانٌ على صحة فكرته. يتجلى ذلك بوضوح في "الترندات" الرقمية؛ فكلما انهالت الشتائم على كاتب، ازداد جمهوره تمسكًا به، وعدُّوا الهجوم صكَّ براءةٍ لأفكاره، فيصم أذنيه عن كل صوتٍ مختلف، ويكتفي بسماع الصدى الذي يعيد إليه ما يؤمن به ليشعر بالاطمئنان.

المشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان، بل في أن تتحول الفكرة إلى جزء من هويته. فحين يحدث ذلك، يصبح التراجع عن قناعة قديمة أشبه بالتخلي عن جزءٍ من ذاته، ويغدو الاعتراف بالخطأ هزيمةً في نظر صاحبه، لا خطوةً شجاعة نحو النضج والحقيقة. فالإنسان المعاصر قد يراجع معلومةً بسهولة، لكنه يجد مشقةً كبيرة في كسر المرايا من حوله ومراجعة الصورة التي رسمها لنفسه أمام الآخرين.

ولا يقتصر هذا الجمود على العامة، بل يمتد إلى الأوساط العلمية والفكرية؛ إذ شهدت حقبة من التاريخ الإسلامي اتجاهًا عند بعض الفقهاء مال إلى سد منافذ النظر، وعدَّ الاجتهاد مقصورًا على من سبقهم، حتى شاع الحديث عن إغلاق باب الاجتهاد. وفي المقابل، لم يتردد الإمام الشافعي، أحد أعظم عقول الفقه، في مراجعة كثير من آرائه السابقة، حتى ميّز العلماء بين مذهبه القديم في العراق ومذهبه الجديد في مصر. ولم يرَ في تغيير رأيه تناقضًا أو ضعفًا، بل وفاءً للحقيقة كلما قاده إليها دليلٌ أقوى.

وكان الإمام مالك يرسخ المعنى نفسه بقوله: «لا أدري» في جوابه عن مسائل كثيرة، وبقوله: «كلٌ يؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر»، مشيرًا إلى قبر رسول الله ﷺ.

وكما نستنكر القيود التي تُفرض على حرية الصحافة والكلمة، ينبغي أن نستنكر أيضًا ما تبنيه عقولنا من قضبان وأسوار داخلية، قد تكون أشد ظلمة من استبداد الأنظمة نفسها.

فالمرونة الفكرية لا تعني التذبذب، وإنما تعني امتلاك الشجاعة للاعتراف بالخطأ حين يظهر الدليل، وتقويم المسار بين الحين والآخر، والبحث عن الحقيقة دون أن تتحول القناعة الشخصية إلى صنمٍ يُعبد.

لذلك بقيت مقولة الفاروق عمر بن الخطاب خالدة في تحرير العقل من قيود التعصب والهوى:

«رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي.»

فكم من أيديولوجيات استهلكها الزمن وسقطت في عقر دارها، بينما ظلت شعوبٌ أخرى تستميت في الدفاع عنها. وكم من زعماء رحلوا بعد إخفاقاتهم، ثم جاء غيرهم بإخفاقات جديدة، والجماهير ما تزال تهتف وتصفق لهذا وذاك.

لم يكن الخلل يومًا فيهم وحدهم، بقدر ما كان في العقول المغلقة؛ في الأيادي التي تصفق دون تمييز، والحناجر التي تهتف دون وعي.

ويبقى السؤال الأكثر شجاعةً وأهميةً اليوم ليس: كيف أثبت أنني على صواب؟ بل:

«ماذا لو كنتُ مخطئًا؟»


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى