الثلاثاء ٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

ليلةٌ مقمرة

حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء

كانت ليلةً مقمرة…

وكان القمر يومها يبدو كأنه يعرف سرًّا لا يعرفه أحد.

جلس فوق كتف السماء، يراقب الأرض بصمت، ويفرش عباءته الفضية على دروبٍ لم تكن تعرف إلى أين تمضي، بينما كانت الريح تحمل في جيوبها رائحة انتظارٍ طويل.

في تلك الليلة، لم يكن النوم يشبه النوم.

كانت الأمهات يخبئن قلقهن تحت الوسائد، والبيوت تُصغي إلى الصمت، والقلوب تفتح أبوابها للغائبين قبل أن يصلوا.
وكان هناك…

من يمشي نحو الضوء.

لم يكن يحمل في خطاه مجرد خطوة، بل كان يحمل وطنًا كاملًا.

كل خطوة كانت تمحو أثرًا من وجع، وكل نظرة كانت تسترد شيئًا من كبرياءٍ حاولت الأيام أن تنزعه من الروح.

كانت العتمة تعرف أنها أمام رجالٍ لا يخافونها.

فالعتمة مهما طال ليلها، لا تستطيع أن تمنع الفجر من أن يولد.

وحين تحركت الرايات، بدا كأن الأرض نفسها قد نهضت من نومها، وكأنها استعادت صوتًا كان مختبئًا في صدرها منذ زمن.
لم يكن العبور عبورَ أجسادٍ من ضفة إلى ضفة…

كان عبورًا أكبر.

عبورًا من وجعٍ ثقيل إلى كتفٍ أكثر صلابة،
ومن انتظارٍ أرهق النوافذ إلى فرحٍ طرق الأبواب،
ومن صفحةٍ كتبتها الحسرة إلى صفحةٍ خطّتها الكرامة.

وفي مكانٍ ما، كانت أمٌّ ترفع عينيها إلى السماء.

لم تكن تعرف أين يقف ولدها، لكنها كانت تعرف أن الدعاء يعرف الطريق.

قالت في سرها:

يا رب… اجعل خطاه أقرب إلى النصر من الخوف.

وربما في بيتٍ آخر كان أبٌ صامتًا، يحدق في الباب، وكأنه ينتظر أن تدخل منه بشارة لا يعرف شكلها.

أما الوطن…

فكان واقفًا في منتصف الحكاية، لا يطلب شفقةً من أحد.

فبعض الأوطان حين تُوجع، لا تنحني.

تجمع جراحها، تخبئ دمعتها، ثم تمضي.

تلك الليلة لم يكن القمر وحده مكتملًا.

كانت الإرادة أيضًا قد اكتملت.

وكانت القلوب قد خلعت عنها ثوب الهزيمة، وارتدت ثوبًا لا يعرف إلا العزة.

ثم جاء الصباح…

وكان مختلفًا.

كأن الشمس لم تشرق من الشرق هذه المرة، بل خرجت من قلوب الذين صنعوا للبلاد طريقًا جديدًا.

وعندما عاد الغائبون في الحكاية، لم يعودوا كما ذهبوا.

عادوا يحملون على أكتافهم شيئًا أكبر من النصر…

عادوا يحملون طمأنينة وطن.

ومنذ ذلك اليوم، كلما أطل القمر مكتملًا، شعرتُ أن في السماء حكايةً لا تنتهي.

حكاية رجالٍ مضوا في الليل،

فتركوا خلفهم الخوف،

وعادوا ومعهم الصباح.

ليلةٌ مقمرة…

كان الليل فيها طويلًا،

لكن الذين عرفوا طريقهم إلى النور
لم يخشوا العتمة.
فالنصر لا يبدأ حين ترتفع الرايات…

النصر يبدأ حين يقول القلب، في أكثر لحظاته ظلمة:

لن ننكسر.
وتلك الليلة…
لم ينتصر الرجال وحدهم.
انتصرت مصر في قلوب أبنائها.

سلامٌ على من عبروا…
وسلامٌ على من انتظروا،
وسلامٌ على وطنٍ عرف أن النصر يبدأ حين لا تنحني الروح


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى