رجل صالح
عندما استقر الرّجل الصالح بالقرية، صارت نِساء القَرية تَذهبن إِليه يُباركهن ويَهبهن الصلاح، بعد بضع سنين أصبحت "قرية الصالحين"
مرضى القلوب
في قُلوبهم مرض، أحرقوا الزرع، وجفّفوا الضرع، وعطّلوا العقل، ذات صباح حلّقت طيور جارحة دَكّت قلاعهم تحت الأرض.
تلاسن
كانا يتلاسنان ، تقول ويقول، يُخبرها أنها لا تفهم شيئا، تَردُّ عليه بأنه مجرد نرجسي مغرور، عندما تأتي ساعة الوِدِّ تُقبّل يده ، يُقبل جبِينها ويقول: "نحن خلقنا لِنَتَحَابّ"، تقول: " ما دام الماء يجد له طريقا تحت الجسر، لا خوف على حُبّنا".
نقطة تحول
كلما حل العِيد الكبيرُ، تَذكّر أمه، كانت لا تستريح إلّا بعد أن تقوم بكل شيءٍ، تُنظّف المكان ،تغسل السّقْط، تشوي الكبد المَلفوف بالشّحْم (بُولفَاف)، تُعدّ صِينية الشَّاي، تُرحّب بالجميع، وتقول كلاما يَقْطر عَسلا، ذات عيدٍ توقف هاتفها عن الردِّ وناب عنها المُجيب الآلي يُخبِرُ بِتعذرِ الاِتّصال، في المساء رنَّ هاتِفٌ
يُخبره بسفَرها المفاجئ دون مُقدمات، فتحوّل العيد صغيراً لَديه وكذلك بقيَّ.
رجل فوق العادة
اِقتحم المصحّة وفي أثره عَاصفة من الكِبرياء، يَتبعه حارسُه الشَّخصي، طلب مدير المصحة بالاِسم، جاء المدير، قدم له نفسه، أبدى رغبته في إجراء فحص بالرنين المغناطيسي، ومَدّ له رسالة الإحالة المُوجهة من طبيبه المعالج، كان يتكلم من تحت أنفه، قال أن مسؤولياته لا تسمح له بالانتظار، تكسرت قاعدة الدور ، تمدد على طاولة الفحص الباردة ، حقنته التقنية بمحلول التّباين، أحس بحرارة تسري في جسمه، همس له طبيب الأشعة: " الحقنة ضرورية لتتّضِحَ المقاطع"، ارتعدت فرائصه، نسي المسؤوليات والسلط، أحس أنه انسان، مجرد انسان ينتظر وَجِلاً على عتبة الغيب، رحمة الخالق وتقرير الطبيب.
صحوة مفاجئة
في ليلية شتوية باردة كنت أمشي في شَارع من شوارع خريبكة، الشارع تَحُفه أشجار الكاليتوس، المصابيح باهتة يمتزج ضوؤها بالضباب الكثيف الذي يكتنف سماء المدينة، كنت أشعر ببهجة غريبة وصحوة تَشُدّ عن المألوف، كنت أردد بفرح طفل:
دعوني أحدثكم عن تلك المرأة
التي ارتمت بين ذراعيّ
ذات مساء عند الغروب
كعصفور مقرور
مرتعشة
باكية
دمعها وعرقها بطعم
نقطةٍ وفواصل
وفكرةٍ ونوازل
سيدة قادمة من زمن المطلق
تخترق الرّباب والسحاب
وترسم بألوان قوس قزح
قبلات في الهواء
وفراشات مُحلقة
وسنابل شقراء
سيدة تتحدث لغة الحب
وتحكي عن بقايا أشواق
من زمن الممانعة
توقفت فجأة وقلت لنفسي: "هل خريبكة كانت يوما ما مدينة رومانسية؟!"
ظل السؤال معلقا، وتابعت أنا المسير، كنت سعيدا، ربما كان السّر يكمن في عودة الحيوية المفتقدة إلى جسدي، الشارع يبدو خاليا، وأنا مندفع بحماس في الاستمتاع بسحر المكان والزمن، الزمن يأخذ يمارس حربائيته بشكل عبثي
تارة ساكن آني، وتارة أخرى متعاقب منفلت، كنت أحاول أن أتلافى التركيز في التفاصيل، كان المنظر في شموليته يدعم ذلك الشعور الذي يغمرني.
فجأة رأيت ضوء كاشفا يغمر وجهي ، كان ضوء سيارة تسير في الاتجاه المعاكس نسي صاحبها ضوء الطريق القوي، وقعتْ أنظاري على لوحة كتب عليها: "خريبكة خمسة كيلومترات".

مشاركة منتدى
١٥ حزيران (يونيو), ٠٧:٢٩, بقلم محمود سلامه الهايشه
"لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا"
ومضات الإنسان في مرآة السرد القصير جدًا
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تتألف مجموعة القصص القصيرة "رجل صالح" للكاتب محمد محضار من عدة نصوص تندرج ضمن فئة القصص القصيرة جدًا. وتتميز هذه المجموعة باستخدامها للغة الموجزة، وثراء دلالاتها، وسخريتها التي تظهر في النهاية، مما يفتح آفاقًا تفسيرية واسعة للقراء. لا تسعى النصوص الستة في هذه المجموعة إلى اتباع الشكل الكلاسيكي للقصة، بل تحاول استيعاب لحظة إنسانية أو ظاهرة اجتماعية ما.
منذ بداية القصة الأولى، التي تحمل عنوان "رجل صالح"، يُظهر الكاتب المفارقة الاجتماعية المفعمة بالسخرية. فوجود الرجل الصالح في القرية لا يُفضي إلى صلاح الآخرين، بل يخلق صورة شاملة للبركة والخصوبة والمعجزة، حتى تتحول القرية بأكملها إلى "قرية الصالحين". ويمكن اعتبار ذلك دليلًا آخر على فهم الكاتب أن المجتمعات تميل إلى بناء أساطير حول الشخصيات، وتحويل القيم الروحية إلى ظواهر اجتماعية تتجاوز جوهرها الأصلي. ما يُميّز هذه القطعة الأدبية هو قدرة الكاتب على النقد بأسلوبٍ رقيق، تاركًا هذا الشعور ينساب بسلاسةٍ بين السطور. أما في قصة "مرضى القلوب"، فيبلغ الإيجاز فيها ذروةً شعريةً آسرة. ففي الجمل القصيرة المتتالية: "أحرقوا الزرع، وجففوا الضرع، وعطلوا العقل"، تُنقل صورة رمزية للضرر الذي يُلحقه أصحاب القلوب المريضة. للغة الكاتب إيقاعٌ خاص، يُضفي على النص طابع الرثاء أو الحكمة المُكثّفة، بدلًا من السرد القصصي.
ثم ينتقل الكاتب إلى عالم العلاقات الشخصية، مُقدّمًا سيناريو مألوفًا حيث يتجادل عاشقان. لكن المفارقة تكمن في أن هذا الجدال لا يُنكر الحب، بل هو جزء لا يتجزأ من حيويته. إن استخدام العبارة الختامية، "ما دام الماء يجد له طريقًا تحت الجسر، لا خوف على حبنا"، يضفي على القصة طابعًا شعريًا بليغًا، إذ يُمكن تفسير الماء هنا كرمز للحب الذي يصمد أمام الصعاب.
أما بالنسبة لقصة "نقطة تحول"، فهي تُعدّ من أكثر النصوص تأثيرًا عاطفيًا. يستخدم الكاتب أسلوب الاسترجاع الفني، ويرسم صورة المرأة من خلال وصف تفاصيل صغيرة كتحضير الشاي، وتنظيف المنزل، واستقبال الضيوف. هذه التفاصيل الصغيرة تُتيح للكاتب رسم صورة إنسانية لها، ثم تأتي الصدمة حين تختفي فجأة، مُحوّلةً فرحة الاحتفال إلى حزن عميق. من خلال هذا النص، يُحوّل الكاتب موقفًا عاديًا إلى حدثٍ جللٍ يُجسّد الفقدان الذي يُدركه معظم الناس.
وتتجلى قوة المفارقة الإنسانية بوضوح في قصة "رجل فوق العادة". فالرجل الذي دخل المستشفى مُتغطرسًا، وكأنه فوق النظام وفوق الجميع، انكشفت إنسانيته أمام مرضه ومصيره. أثناء فحص التصوير بالرنين المغناطيسي، وجد الرجل نفسه مجرداً من كل القوة التي كان يتمتع بها، مدركاً أنه مثل أي رجل آخر ينتظر "رحمة الخالق وتقرير الطبيب".
مع ذلك، يتميز النص الأخير، بعنوان "صحوة مفاجئة"، بطابع شعري وتأملي. يخلق الكاتب أجواءً ليلية في مدينة خريبكة، حيث يتداخل الضباب مع الأضواء وتختلط الذكريات بالأحلام. شيئًا فشيئًا، يتحول السرد إلى سيل شعري، مستحضرًا صورة المرأة المثالية التي ظهرت في "زمن المطلق". تنتهي هذه الرحلة بسؤال ساخر يطرحه الكاتب: "هل كانت خريبكة يومًا مدينة رومانسية؟"، وهو سؤال تُذكّره به لافتة الطريق، مُشيرةً إلى قسوة الواقع.
من الناحية الفنية، ثمة عدد من السمات الرئيسية التي تُميّز هذه النصوص. أولًا، استخدام التكثيف اللغوي، حيث تُختصر القصة إلى أقل عدد ممكن من الكلمات التي لا تزال تحمل معنىً عميقًا. ثانيًا، المفارقة، أي أن معظم هذه النصوص تقوم على انتقال فوري من فكرة إلى أخرى. ثالثًا، يبرز في النص حسٌّ شعريٌّ يتجلى من خلال الصور والاستعارات وإيقاع الجملة.
ومن السمات البارزة الأخرى في أعمال هذا الكاتب تركيزه على جوانب مختلفة من الإنسانية: المؤمن، والمنحرف أخلاقيًا، والعاشق، والابن الثكلى، والطاغية الذي يدرك ضعفه، والحالم الباحث عن الجمال. وهذا يعني أنه على الرغم من تعدد المواضيع المطروحة في العمل، إلا أنه يتسم بتماسكٍ يعكس رؤية الكاتب.
وختامًا، تُعدّ قصة "رجل صالح" مثالًا ناجحًا للقصة القصيرة جدًا، إذ تعتمد على "لمحة" الأشياء بدلًا من "الشرح". فهي تُظهر أنه لا حاجة إلى فقرات مطولة عند تناول قضايا بالغة الأهمية. يكفي استخدام بضعة أسطر مختارة بعناية لتوضيح هشاشة الإنسان، ورغباته، وأوهامه، وأحلامه.
٥ تموز (يوليو), ٠٩:٠٤, بقلم محمود سلامه الهايشه
كلنا على باب الغيب || أغنية
أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "رجل صالح" بقلم/ محمد محضار، والمنشورة بموقع ديوان العرب، السبت ٦ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦.
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
"موال"
يا ناس يا ماشية في سكة العمر الطويل
مين فينا ضامن بكرة ومين عارف المستحيل؟
ده اللي شايف نفسه عالي
واللي فاكر روحه غالي
في الآخر كله راجع
لرب كريم وجليل
الكوبليه الأول
جه راجل صالح على القرية يوم
قالوا ده بركته تداوي الهموم
بقت النسوان تروحله بالدعوات
وتستنى من حضوره ألف نجوم
والحكاية كبرت وبقت مواويل
واتعلقت في القلوب والليل طويل
والناس نسيت إن الخير جوّاها
وإن النور عمره ما كان بالدليل
اللازمة
يا دنيا دوّارة بينا
مرة تضحك ومرة تبكّينا
ولا سلطان يدوم ولا جاه
كلنا على باب الغيب مستنينا
يا دنيا دوّارة بينا
ولا حدّ خَد عمره بإيديه
من أول خطوة لآخر خطوة
كلنا راجعين للي خَلَقنا وساوينا
الكوبليه الثاني
ناس في قلوبها مرض وسواد
حرقوا الزرع وخانوا البلاد
جفّفوا الضرع وكسّروا العقل
وسابوا الهم يزيد ويعاد
لكن مهما يعلى الظلم يوم
لا بد للنور يطرد الغيوم
واللي زرع شوك في دروب الناس
هيحصد وجع في نفس الرسوم
اللازمة
يا دنيا دوّارة بينا
مرة تضحك ومرة تبكّينا
ولا سلطان يدوم ولا جاه
كلنا على باب الغيب مستنينا
الكوبليه الثالث
كانوا اتنين بيتخانقوا كلام
وكل واحد شايل ملام
لكن ساعة الود ترجع تاني
يضحك قلبهم وينام الخصام
قالت له: ما دام الميّة تفوت
من تحت الجسر مهما الصوت
يبقى المحبة لسه بخير
ولا خوف عليها ولا تموت
الكوبليه الرابع
وأمٍّ كانت شمس البيوت
تسهر وتخدم لحد السكوت
تفرش فرحة العيد للكل
وتخبي وجعها وتموت
وفي يوم غابت من غير ميعاد
صغر العيد ومالت الأعياد
وعرفنا إن حضن الأم
أكبر من كل البلاد
اللازمة
يا دنيا دوّارة بينا
مرة تضحك ومرة تبكّينا
ولا سلطان يدوم ولا جاه
كلنا على باب الغيب مستنينا
الكوبليه الخامس
واحد داخل بكبريا وعناد
حارس وموكب وهيبة زيادة
فاكر نفسه فوق البشر
وفوق القوانين والعادة
لما تمدد جوّه الجهاز
والخوف جاله من غير حراس
نسي المناصب والسلطة كلها
وبقى إنسان وسط الناس
واقف يستنى كلمة طبيب
أو رحمة من رب قريب
وعرف إن الكل سواسية
واقف على باب الغيب
الخاتمة
في ليل شتا والضباب كثيف
كنت ماشي والحلم خفيف
أسأل روحي عن معنى الشوق
وعن قلب عاش العمر ولهيف
والطريق كان يحكي حكايات
عن ناس وأشواق وذكريات
وفجأة نور العربية صحّاني
رجّعني للأرض بعد الأمنيات
يا ناس يا ماشية في سكة العمر الطويل
مين فينا ضامن بكرة ومين عارف المستحيل؟
ده الغني والفقير والأمير والأسير
كلنا على باب الغيب...
مستنيين الرحمة والدليل.
٧ تموز (يوليو), ١١:٣١, بقلم محمد محضار
أستاذ محمود كل الشكر لك على هذه القراءة القيمة التي تتسم بالنقد الموضوعي الهادف الذي استطاع من خلال الناقد تفكيك العلاقات المترابطة والمتدخلة النصوص، والوصول إلى الكشف عن مضمراتها، وتبئيرها بشكل أزاح عتماتها وفتح أمام القارئ بابا مشرعا لفهم توجهات الكاتب ومحددات السياقات التي ينطلق منها ليقارب وقائع ترتبط بالواقع والمتخيل، وتخترق متوليات زمانية ومكانية مفترضة، إن الصديق محمود كان موفقا في مقاربته القيمة باعتباره باحثا مطلعا على آليات السرد بمختلف أجناسه، والفضة القصيرة جدا تعتبر جنسا أدبيا مستجدا على أدبناالعربي وإن تردد صداه عبر متفرقات عديدة في كتب التراث، صديقي محمود سأوفيك بمجموعتي السردية القصيرة جدا وألتمس منك كتابة مقدمة لها أو إضاءة تنشر صحبتها وهي تتضمن حوالي40نصا.مع الشكر
٧ تموز (يوليو), ١١:٣٣, بقلم محمد محضار
أشكرك أستاذ محمود على تلك الأغنية الشعبية بالعامية المصرية ، هي بحق ذات إيقاع جميل وصور شعرية ناطقة