خطيئة ثامنة
رأيتُ شعبي بين العجاج،
أوراقُه تنكشف كلما دار الكلام،
وتتلاطم بينهم الاختلافات،
حتى استحال الخلافُ فيهم خطيئةً..
كأنهم ناقضوا البابا في لاهوته،
ليصنعوا لأنفسهم.. خطيئةً ثامنة!
وعلى أثر خلافٍ سنَّ العقول،
يأتي البُلَهاء،
فلا غروَ أن يُستمَع
لمن يُعطي الأوهام.
غدا أصغرُ أقرانهم متفلسفاً،
عارياً من أدلة النقد،
ولو قلَّبنا البصر لما وجدنا فيهم نقداً..
المصطلحُ منسيٌّ.. كما هم.
فما للاختلاف إلهٌ معلوم،
يتبدَّل مع كل فردٍ ووجه.
يزعم الفردُ أنه أحق،
ليُجادلَه السائرُ في ذات الدرب:
أين أنتم من العلم؟
وهو الآخر مزعومٌ بالحق..
يتقاذفون أوراق الزيف،
كما تلاعب بهم أربابُ العُلُوّ!
فإذا بالعلوّ لا غاية له،
والأمر يأتي بيننا وعلينا،
فالحكم بنا،
والصوت لنا،
أما من خالف ذلك،
فصحيح خلاف،
وهنا يأتي الأعلون ملقِّنين.
فمن هم الأعلون؟
مجموعة شراذم يتواترون السلطة بينهم،
يشيدون شذوذ الأفكار منهجاً،
ويخطّون بدماء المعارضين دستوراً،
يشدّ حبال الضياع حولكم..
وبعدها.. يبدأ عرض الدمى:
أيدٍ تُقبَّل خشية فعل،
زغرودة تدوي بين الحشود،
غُترة تُلقى تحت الأقدام،
ويُعاد المشهد تاراتٍ عديدة،
يُوجِز في نفوس الرائين،
ويكملون طريقهم بلا وجَز.
غير أن المشهد وإن تكرّر،
وإن استمر مسرح الدمى،
ما من صوت لكم،
ما من رفض.
فكرُكم ليس إلا حركة إصبع،
وأربع أصابع أخرى..
تكمل مسيرتكم.
ولا سؤال لكم..
لا متى، ولا كيف،
وأثقلها: لماذا.
أسطرٌ شاغرة تملؤكم،
وبينما تتحرك الأصابع،
الساعة تدور بلا إذنكم،
تنتظرون فرجاً لم يأتِ،
وعمركم لا ينتظر.
عقربُ الساعة هرب،
فلا مبرر لوقتكم غيره،
يجتاحكم الكَهلُ وأنتم واقفون،
تتركون أنفسكم لأجلٍ منقضٍ،
تنفون ذواتكم بحجة النعيم،
أفعلاً تأملون نعيماً؟
كيف لظلامٍ أن ينال نعيماً؟
ما من زهدٍ يُغلق فماً،
الحقُّ أساسُ الأديان.
أتفرحون لأنفسكم وتحزنون وحدكم؟
أين أيديكم المتكاتفة؟
تذمُّرٌ يومي،
وشكوى تصاحب الركود،
لن ننال الصلاح،
فما نحن بحلٍّ.
سقوطٌ يتلو سقوط،
ولم يُشهَد لنا وقوف.
نارُ الفتن تتغلغل في الأحشاء،
علناً نتمنى العصمة،
وخِفيةً نتمنى الهلاك.
ولا خلافَ للمحتجين..
صوتُهم يذوب في الهواء.
التنويرُ يأتي،
ويذهب كما أتى،
والعودة من البدء.
فنقنص يوم الخير،
ونترك دهر الذل،
نُسطِّر ما مضى ونرفع النصر،
ولا نُعيد فهم الخسارة،
نمجِّد ما لم نعشه،
ونتفاخر بالأنساب..
لا غَلَبَ لنا على أحد،
فنحن المغلوبون دوماً،
حتى مِمَّن جمعتنا بهم رايةٌ أو منبر..
انكسارُنا..
انحسر على بقايانا،
ما من بصيرةٍ تَلُمّ،
ولا منفعةٍ تعمّ،
أكتافُنا متنافرة،
والقادرُ معتكفٌ لذاته،
ولا حبَّذا عينٌ..
تعود لصاحبها،
أو تنتقل على الغير.
أمللتم من شعارات الأزمنة الغابرة؟
أسألكم باسم هذه الأرض،
أترون أنفسكم أبناء قصبها،
بَرديّها، فالتها، نهريها،
نخيلها، نوارسها،
الرشيد، الشناشيل،
حضارتها.. وما قُمع من أثرها؟
أم هي غير كافية؟
أتيقّنتم بأنها وهم؟
إن كانت وهماً فما هو زمانكم؟
أتجدونه حقيقةً أم تدليسٌ أُحكِم؟
أفعلاً كنا صادقين؟
أم علوُّ الصوت هو الفاعل؟
فإن عُدنا..
لما خُطَّ على القماش،
لأدركنا أننا..
نسينا ما رفعنا شعاراً،
ومطلبُنا تحت الأخفاف،
فقدنا بعضنا،
وعليه نتلاشى..
بأثر ما فقدنا.
وما جرى خارجاً..
لا صبرَ لما يحلّ،
ولا انعدامَ فينا..
ومع هذا..
نحن بدأنا،
لنا مآسينا،
فهل يحق لنا العفو؟
ألا نضالَ يلوح ببلادنا؟
ألا مسكنَ لقضيتنا؟
ألا يُفزعنا الفكرُ الدموي؟
ألا يُهلكنا أطفالُ الشارع؟
أما من فزعٍ..
أمام كهلتنا المسلوبين؟
أهل بالمكان قتيلٌ،
يئنُّ على رمادِ جسد؟
من منّا بات يرى نفسه إنساناً؟
حاشانا جميعاً..
جميعنا انتزعنا الأنفس،
ولفظنا الأجساد خارجاً!
لم نجنِ على أحد،
ولسنا حاملي شؤم،
ولا آتين بمستحدث،
هذا ما نحن عليه..
وهذا حصادنا،
أسخفُ قضايانا،
تُدثِّر شعوباً.
ونقيض ذلك.. جمالُنا،
شعبٌ حمل النقيضين،
مفتونٌ بهلاكه،
كطيور مهاجرة
من غير هجرة.
فكرٌ يتلو فكراً،
وهم يصاحب الآتي.
لم نكن غلطة،
إنما مغالطة.
فإذا بنا بعد السؤال،
لا نجد فينا إلا ما مضى،
ولا حياة إلا في جيفٍ بَلَتْ،
فما الكرامةُ بيننا..
تأتي مع جنازة،
وغيرها فلا.
فما أسهل الزيف..
نستذكر محاسن فقيدنا،
وبيننا لا كرامة تلوح.
ضباعٌ نحن ننهش الجيف،
حجرُ أساسنا فوق المصالح،
وهذا إرثٌ..
نتوارثه جيلاً بعد جيل.
فإذا بنا نرفع الأعلام،
نلهث تحت الشموس،
نأتي بأعالي الأصوات،
نُسطِّر الكلمات،
ونُمطر الشتائم..
وهنا تختلف المطالب!
فمن طلب الصلاح..
مرتدٌّ في أعينهم،
ومن مجَّد سواه،
فحالمٌ شاردٌ لا يُعبأ به.
فإذا بقولهم أتى،
ومعه مضموناً..
بلا صلاحٍ يُذكر،
فعندئذٍ
يتولَّد القمع..
من رحمِ الفجر،
ويتوارى بغسقِ الغروب،
بهم الرزيّةُ اقترنت،
والأثقال تتدلّى
فيهم للغير،
بدءاً ونهاية،
رجاءً وسلاماً،
وفينا يطرأ الضد،
فلا يدركنا سكون،
سوى لُحودٍ وأهوال،
حتى بدا للعين أنهما
نذيران للفناء.
لا مسكنَ يخلو من أمٍّ فاقدة،
ولا من أبٍ منكسر،
ولا من بيتٍ مهجور،
والمقابر... يا لفجيعتي،
باتت أكثر أُنساً من الشوارع.
هل من مكان يضمني؟
أهل من مكان..
يضعني بجوار أخي،
فأخذت المقابرُ أوطاناً لنا،
فلا نجد لنا ملاذاً
في مستقرٍّ لنا.
لماذا وصلنا إلى هنا؟
لماذا بات الموت أليفاً بيننا؟
ولماذا ينكسر الحماس
حين يلامس فقداً حقيقياً؟
فكرةٌ ضالة..
تُردي شعوباً بأسرها.
مَا هَذَا بِنَعْيٍ،
إِنَّمَا تَجْسِيدٌ،
هُوَ نَقْلُ مَشَاهِدَ
يَتَبَصَّرُهَا حَتَّى الْغَافِلُ،
فَهِيَ أَطَاحَتْ بِنَجْوَانَا،
سَلَبَتْنَا سُبَاتَنَا،
وَكَانَتْ سَبَبًا..
فِي فَنَاءِ مَا سِوَانَا.
وَالنُّدُوبُ لَا تُنْكَرُ،
فَإِذْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ،
لَكَانَ لِلْأَمَلِ مَطْرَحٌ،
يَشْغَلُ لِلْحَيَاةِ نُورًا.
غَيْرَ أَنَّ الْمَجَازَ..
انْكَسَرَ عُنْوَةً،
وَعُدْنَا لِعُرْيِ الْحَقِيقَة،
وَعَلَيْهِ نَسْأَلُ:
أَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَجْدَرِ
أَنْ يَكُونَ لِلْحِوَارِ دَوْرٌ؟
فَلَا حِوَارَ بِلَا حَقٍّ،
وَلَا قَصْرَ فَالْحَقُّ.
بِتنا رُكناً شاغراً،
يتوسَّدُ زاويةَ البيت،
تناسَينا الوجود،
كأننا لم نكن ذاتَ يوم..
مجرد أطفالٍ حالمين،
بهجةُ أبسط الأمور،
وطموحُ الصبا،
حتى الممكن..
راح مستحيلاً.
والرغيفُ..
أشبع بطون أسلافنا،
أهلَ الجذور الأولى،
لا صلاحَ له الآن.
نزجُّ بالتحيُّل،
حتى أمسينا في حين..
فكرةً منقضية.
لا لومَ بيننا،
وريدُنا واحد،
لا بقيةٌ ولا فئة،
نحن فقط..
نتشارك الأخطاء،
فنختلف فيها وحسب.
نأتي بأساليب عيش،
والحياةُ بدورها نصوغها..
على رذاذِ المطر،
جميلةٌ رطبةٌ في صيف،
للحظةٍ نهلك مع جفافها.
ويلٌ لنا..
وعلى ما حلَّ بنا،
ما من مسلكٍ سالم،
ما من وقتٍ..
لخطرٍ لا لأمان،
جميعُها سامّة.
بين مجاميع البغي،
بين التمنهج والقمع،
لا عتبَ لذلك..
فمن افتعلوا ومن قتلوا،
من انتهكوا ومن تعرَّوا،
ليسوا إلا نحن،
بذاتٍ محتقَرة،
لم تخلُ منّا،
فراحت أفكارُنا تُمنهَج،
اعتلالُنا وانحرافُنا..
غدا سيفاً للمتسلطين.
ومما بقي..
نحن الموتى،
أصحاب التوابيت،
نحن الراكدون،
كرامتُنا في صمتنا.
أصحاب الجنائز..
انتهينا وما لنا من شيء.
وأما المدَّعون..
فالحق لهم،
فما أسهل حق الباطل.
كل فردٍ له شِبر،
فما لنا أن نُحِلَّ متراً،
ليس بحقٍّ شرعي،
إنما بسلب.
والشِّبر كذلك..
لا يتَّسع.
أخوتي.. المكان بات لا يصلح،
نتأخر كعادتنا،
وما من قوة تلطف،
ولا من فرد يشفق،
وعراقنا يا أخوتي..
لا يكفي.
