الاثنين ١ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

بيني و بين ظلي

كل ليلة، حين يندس الكل تحت لحافهم ليخلدوا للنوم، أجلس قرب النافذة و أترك الضوء الخافت خلفي، فقط لكي يتجلى ظلي على الجدار المقابل.

لا أعلم متى بدأت اعتياد هذا الأمر ، لكني أعلم أنني لم أعد أخافه.

كان ظلي يشبهني تماما ...

غير أنه أكثر صدقا.

في النهار، أرتدي العديد من الوجوه.

وجه الإبن المطيع.

وجه الصديق المرح.

وجه المتعب الذي يردد دائما ....أنا بخير.

لكن الليل كان يسحب تلك الوجوه الواحد تلو الآخر و يتركني لوحدتي أمام نفسي و أمام ظلي.

كنت أحدق فيه طويلا، فأشعر أنه يعرف كل شيء أخفيه، يعرف الغضب الذي أبتلعه كي لا أجرح أحدا.
يعرف الكلمات التي لم أقلها خوفا من الندم.

يعرف كم مرة ابتسمت فقط حتى لا يسألني أحد عما يؤلمني.

في إحدى الليالي، قلت له هامسا:

 هل تكرهني؟

ظل ساكنا فوق الجدار، ثم بدا لي و كأنه يهتز مع لهب المصباح.

أغمضت عيني و تابعت:

 أنا أكره ضعفي .... أكره خوفي ... أكره أنني كلما حاولت الهروب من الماضي، عاد إليّ في أبسط الأشياء، في أغنية قديمة، أو رائحة عطر، أو شارع مررت به يوما مع شخص لم يعد هنا.

شعرت بشيء ينكسر بداخلي.

لأول مرة لم أكن أتحدث مع ظل ... بل مع نفسي.

اعترفت له بأنني متعب.

متعب من التظاهر بأنني تجاوزت كل شيء.

من دفن مشاعري تحت الصمت.

من إقناع الناس أن البرود قوة، بينما هو في الحقيقة تعب طويل.

كان الظل يكبر فوق الحائط كلما تكلمت، كأنه يتغذى من اعترافاتي.

ثم فجأة أدركت أمرا غريبا.

الضوء لا يصنع ظل الانسان فقط، بل تصنعه أيضا الأشياء التي يخفيها في داخله.
و حينها شعرت بخفة لم أعرفها من قبل.

نظرت إلى الجدار مرة أخيرة، فوجدت ظلي هادئا مستقرا، لا يبدو مخيفا كما كان دائما.

كأنه كان ينتظر مني اعترافا واحدا فقط ... كي يتوقف عن مطاردتي.

تجرأت أخيرا و قلت ساخرا:

 ما لذي تنظر إليه؟

أجابني بصوت يشبه صوتي تماما.

 و أنا أنظر إلى رجل يتقن الهروب.

ضحكت ببرود:

 و أنا أنظر إلى مجرد ظل.

رد فورا:

 و أنا أظن أنك مجرد قناع.

ساد الصمت للحظة.

شعرت بالاختناق لكنني تماسكت و أجبت:

 على الأقل أنا أعيش بين الناس، أما أنت فلا وجود لك دوني.

رد الظل: بل أنت من لا وجود له دون كل تلك الوجوه التي ترتديها أمام الآخرين اقتربت من الجدار غاضبا:

 ماذا تريد مني؟

 أن تتوقف عن الكذب و ادعاء الصدق.

 أنا لا أكذب.

 حقا؟ ... حين يقولون لك كيف حالك؟ و تجيب "بخير". ماذا تسمي ذلك؟

أشحت بوجهي.

قال بنبرة أكثر حدة:

 لماذا تخفي غضبك دائما؟

صرخت:

 لأن لا أحد يتحمل حقيقتي ...

ضحك الظل ضحكة قصيرة باردة.

 بل لأنك تخاف أن يراك الناس ضعيفا.

 الضعف عار.

 لا ... التظاهر بالقوة هو العار.

شعرت بأن الغرفة تضيق حولي.

قلت مستهينا محاولا فض الحوار.

 أنت مجرد جزء مظلم مني.

فأجاب: لكني الجزء الصادق.

ارتجفت يداي.

 الصدق لا يجعل الانسان سعيدا دائما.

 لكنه يجعله حقيقيا.

اقترب ظلي أكثر فوق الجدار، حتى بدا كأنه يقف أمامي وجها لوجه.

ثم قال بهدوء قاتل:

اخبرني ...كم مرة قلت "لا يهم" بينها كان الأمر يحطمك؟

كم مرة سامحت فقط لأنك تخشى الوحدة؟

كم مرة ضحكت كي لا تبكي؟

لم أجب ....

لأول مرة، شعرت أنني الطرف الأضعف في الجدال،... همست

 و لماذا تظهر الآن؟

قال:

 لأنك تعبت من دفني بداخلك.

جلست على الأرض بصمت، بينما بقي ظلي واقفا بشموخ.

لا منتصر بيننا.... و ربما لا منهزم.

فأنا و هو لم نكن شخصين مختلفين أبدا... بل حقيقة واحدة.... تحاول أن تواجه نفسها.


مشاركة منتدى

  • عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة "بيني وبين ظلي"
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    تستكشف قصة "بيني وبين ظلي" للكاتبة الجزائرية سميرة جدي أفكارًا عميقة حول الهوية والصدق. تغوص هذه الحكاية التأملية في حواراتنا الداخلية، مُظهرةً مدى تعقيد عقولنا. القصة ليست طويلة، لكنها تحمل في طياتها معاني عميقة. فهي تتساءل عن حقيقتنا مقابل الشخصيات التي نظهرها للآخرين. وفي الوقت نفسه، تتناول إخفاء أجزاء من أنفسنا، حتى عن أنفسنا. لذا، فهي تُعالج صراع البقاء وفيًا للذات الحقيقية وسط كل هذا التظاهر.

    تبدأ الكاتبة بوضعنا في أجواء ليلية هادئة ودافئة، حيث يتلاشى ضجيج العالم الخارجي ونبقى وحدنا مع أفكارنا. هذا المشهد الحميم ليس مجرد وصف، بل هو مليء بالرمزية. تُشير النافذة إلى نقطة التقاء الداخل بالخارج، ويُضفي الضوء الخافت ظلالًا على الجدران. تُمثل هذه الظلال جوانب من الشخصية تبقى خفية خلال النهار. لذا، يحمل كل عنصر في المشهد معنىً أعمق من مجرد المعنى الظاهري.

    تدور حبكة القصة حول مفهوم بسيط للغاية ولكنه ذو مغزى عميق: حوار بين شخص وظله. لكن هذا ليس مجرد ظل عادي. فهو لا يوجد لمجرد أن يبدو غريبًا أو مبهرًا. بل يكتسب وعيًا ويتحول إلى شخصية ثانية - شخصية تُشكّل تحديًا كبيرًا للشخصية الرئيسية. هذا الظل ليس شبحًا يلاحقك؛ إنه ذاتك الحقيقية المختبئة وراء كل الأقنعة الاجتماعية التي ترتديها.

    لهذا السبب يصف الراوي ظله بأنه يشبهه، "غير أنه أكثر صدقًا". هذه العبارة تلخص جوهر القصة - إنها تدور حول الصراع مع الصدق، ومواجهة الذات الحقيقية التي عادةً ما تكون مخفية وراء مظاهر الحياة اليومية، وليس حول الصدام مع الآخرين.

    تتفوق القصة في تصوير تجربة إنسانية شائعة - ارتداء أقنعة اجتماعية مختلفة. تعترف الشخصية بأنها تتظاهر طوال اليوم: الابن المثالي، والصديق المرح، والشخص الذي يردد دائمًا "أنا بخير". أما في أعماقها؟ الألم والغضب والخوف. ترتبط هذه الفكرة بعلم النفس الحديث حول "القناع الاجتماعي" الذي نرتديه لنندمج. ومع ذلك، فهي تُسلط الضوء على الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نبتعد كثيرًا عن ذواتنا الحقيقية، ذلك الجانب المؤلم الخفي الذي نادرًا ما نظهره.

    ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الكاتب يستخدم أسلوب الاعتراف التدريجي. يبدأ الحوار بسؤال بسيط: "هل تكرهني؟" ومن ثم يتطور إلى اعترافات أكثر إيلامًا حول الضعف والخوف والماضي والخيانة. هذا يخلق إيقاعًا نفسيًا متصاعدًا يجذب القارئ، ويجعله يشعر وكأنه جزء من عملية اكتشاف الذات، كما لو كان يجلس هناك يحدق في ظله.

    في منتصف القصة تقريبًا، تبلغ الرمزية ذروتها عندما يدرك الراوي أن الظلال لا تنبع فقط من الأجساد؛ بل تنبع أيضًا من أجزاء خفية في أنفسنا. تُشكّل هذه اللحظة جوهر المنظور الفلسفي، إذ تُحوّل فكرة الظلال من مجرد شيء مادي إلى شيء ذي بُعد نفسي حقيقي. جميعنا نحمل في داخلنا نقاطًا مظلمة - ذكريات مؤلمة، ندم، أمور نكبتها - وهذه تُلقي بظلالها على حياتنا وأفعالنا.

    يُشبه الجزء الأخير من القصة استجوابًا أخلاقيًا للذات من خلال حوارها. يُوجّه الظل أسئلةً قاسية للشخص، مثل: "كم مرة تجاهلتَ مشاكل خطيرة بعبارة ’لا يهم’؟" أو "متى سامحتَ لمجرد تجنّب الوحدة؟" و"كم مرة تظاهرتَ بالضحك لإخفاء ألمك؟"

    ليست هذه مجرد فخاخ، بل هي مرايا تُعرّي العيوب. إنها رحلةٌ لكشف الأقنعة وإظهار الألم الحقيقي الكامن وراءها.

    من الناحية التقنية، يتميز أسلوب الكتابة بالوضوح والبساطة، ومع ذلك فهو ليس مملاً على الإطلاق. فالصور الرمزية، كالتصارع بين الظلال والضوء، أو الشعور بضيق الغرف، تُضفي لمسة شعرية رقيقة. إضافةً إلى ذلك، يتميز الحوار بالإيجاز والوضوح، مما يُبقي على التشويق الداخلي حتى النهاية.

    تنسجم النهاية مع الطابع التأملي للنص. فلا رابح ولا خاسر هنا، فكلا الجانبين جزء من الكل. وتختتم القصة بعبارة تُلخص فكرتها الرئيسية: الإنسان وظله ليسا شخصين منفصلين، بل حقيقة واحدة تُصارع نفسها. وتُختتم القصة بدعوة إلى المصالحة، لا بحلٍّ مُرضٍ. فالشجاعة الحقيقية، كما تقول القصة، تعني النظر إلى الداخل والاعتراف بعيوبنا، لا التغلب على الآخرين.

    "بيني وبين ظلي" مثالٌ رائعٌ على القصة النفسية القصيرة. فهي تُوظف الرمزية والحوار الداخلي ببراعة لإظهار التناقضات البشرية. وتُحوّل الكاتبة الظل إلى رمزٍ نابضٍ بالحياة للحقيقة، ذلك الشيء الذي غالبًا ما نحاول إسكاته. بعد القراءة، تتذكر الحوار بين الشخصية وظلها. وتجد نفسك تتساءل أيضاً عن ظلك أنت، وعن مدى صدقك في تقديم نفسك يومياً.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى