الجمعة ٣١ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

الندوب التي لا يراها أحد

«ليست المأساة الكبرى أن يفقد الإنسان القدرة على الكلام، بل أن يفقد القدرة على الإصغاء؛ فحين يغيب الإصغاء تضيق مساحة الفهم، وتتراجع الرحمة، ويصبح الانتصار للفكرة أهم من الحفاظ على الإنسان.»

في البدء.. كان الإنسان

كان الإنسان أول الحكاية.

قبل أن تُرفع الرايات، وتُرسم الحدود، وتُختزل الحقيقة في سلالة أو جماعة أو مذهب، كان هناك إنسان عادي يحمل أحلامًا بسيطة: بيتًا يأويه، ورغيفًا يكفيه، وكرامةً تحفظ له مكانه في الحياة.

لم يكن يبحث عن معركة جديدة، بل عن يوم هادئ يشبه الأيام التي يحلم بها الجميع. كان يرى السياسة وسيلة لتنظيم شؤون الناس، لا ميدانًا لإلغاء بعضهم بعضًا. وكان يرى الدين مساحةً للسكينة والتراحم، لا جدارًا يُبنى بين القلوب.

لكن شيئًا ما انكسر في الطريق.

تراجعت صورة الإنسان، وتقدمت صورة الشعار. لم تعد الأفكار تُقاس بما تمنحه للبشر من أمان وعدل، بل بقدرتها على هزيمة الخصوم.

وهنا بدأت المأساة؛ فحين تفقد الفكرة قلبها، تتحول من طريق يهدي الإنسان إلى جدار يعزله عن أخيه الإنسان.

حين تصبح الشعارات أكبر من البشر

أخطر التحولات لا تبدأ دائمًا بصوت المدافع، بل بفكرة صغيرة تستقر في الوعي: أن القضية أكبر من الإنسان، وأن الدفاع عنها يمنح صاحبها الحق في تجاوز ضميره.

عندها لا يعود الجار جارًا، بل يصبح عنوانًا في خريطة الانتماءات. ولا يعود الطفل طفلًا، بل رقمًا في صراع لم يختره. حتى الجائع قد يُسأل عن هويته قبل أن يُسأل عن حاجته إلى الخبز.

تبدأ القسوة حين تضيق مساحة الإصغاء، وحين تتحول الكلمات من جسور للفهم إلى أدوات للفرز والإقصاء.

والأكثر إيلامًا أن بعض الذين يمارسون القسوة كانوا يومًا ضحايا لها؛ عرفوا الخوف، وذاقوا الفقد، وشعروا بالظلم، ثم أقنعوا أنفسهم بأن جراحهم تمنحهم الحق في صناعة جراح جديدة.

لكن الجرح الذي لا يتحول إلى رحمة، يتحول إلى سكين.

قد يسقط المستبد، لكن روح الاستبداد قد تبقى؛ تتغير الوجوه، وتتبدل الواجهات، ويبقى الإنسان هو الخاسر الأكبر.

فالجوع لا يقرأ الهويات، ورغيف الخبز لا يسأل عن اسم اليد التي تقدمه.

ذاكرة المدن.. وخراب الروح

المدن تشبه البشر.

قد تتغير ملامحها، وتهدم بعض جدرانها، لكنها لا تموت بالحجارة وحدها؛ تموت حين تُنسى، حين تغادرها الأصوات التي منحتها الحياة، وحين تختفي الحكايات التي حفظت روحها.

فالمدينة ليست شوارع وأسواقًا ومباني فقط، بل ذاكرة تسكننا قبل أن نسكنها.

ولهذا يكون النزوح من أقسى أشكال الألم؛ فالإنسان حين يغادر مكانه لا يحمل حقيبة فقط، بل يحمل وجوهًا وأيامًا وذكريات وجذورًا لا يستطيع استعادتها بسهولة.

لكن هناك من يجعل الخراب مصدر قوته؛ يدرك أن الإنسان الغاضب أسهل قيادة، وأن المجتمع المنهك أكثر استعدادًا للكراهية.

لهذا يخشى تجار الحروب اللحظة التي يكتشف فيها الناس أن الحوار كان أقل كلفة من العداء، وأن المصالحة تحتاج شجاعة أكبر من الانتقام.

أبطال لا تظهر أسماؤهم

بينما تتنافس الشعارات على المنابر، هناك أناس يحفظون للحياة معناها بصمت:

معلّم يدخل فصله كل صباح، وهو يعرف أن كلمة تشجيع قد تغيّر مستقبل طفل.

وطبيب يواجه الألم، فلا يسأل مريضه عن انتمائه، بل عن موضع وجعه.

وأم تخفي خوفها خلف ابتسامة، حتى لا تورث أبناءها سوى القدرة على الاستمرار.

وعامل يؤدي عمله بإخلاص، مدركًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من يصفقون له، بل بالأثر الذي يتركه خلفه.

هؤلاء لا تُكتب أسماؤهم كثيرًا في صفحات التاريخ، لكنهم الذين يمنعون الحياة من الانهيار؛ يرممون بصمت ما مزقته الأيام، ويحفظون للإنسانية ما تبقى منها في زمن يكثر فيه الضجيج.

البطولة تبدأ من الداخل

اعتاد الإنسان أن يبحث عن البطولة في الأسماء الكبيرة، ونسي أن أعظم الانتصارات قد تولد في الأماكن التي لا يراها أحد:

أن يبقى صادقًا حين يصبح الصدق مكلفًا.

أن يرفض الظلم حين تكون لديه القدرة على ممارسته.

أن يختار الرحمة حين تمنحه القسوة نفوذًا أسرع.

فالمعركة الأهم لا تجري دائمًا في ساحات الصراع، بل في أعماق الإنسان؛ بين الحكمة والتعصب، وبين الرحمة والكراهية، بين الرغبة في الانتقام والقدرة على التسامح.

هناك، في تلك المساحة الخفية، تتحدد حقيقة الإنسان.

حين تنتهي الحرب ولا ينتهي الألم

تنتهي الحروب في نشرات الأخبار قبل أن تنتهي في قلوب الناس بسنوات.

تُفتح الطرق، وتعود بعض مظاهر الحياة إلى الشوارع، لكن طرقًا أخرى تبقى مغلقة داخل الروح؛ طرق الذكريات، وممرات الغياب، والأسئلة التي لم تجد إجاباتها.

فالحرب لا تهدم البيوت فقط، بل تترك في الداخل أطلالًا لا يراها أحد:

أب يحدق في الباب كل مساء منتظرًا غائبًا طال انتظاره.

وأم تضع طبقًا إضافيًا على المائدة، كأن الفقد مجرد تأخر عابر.

وشاب اختُصرت سنوات عمره بين انتظار وخذلان.

وطفل عرف أسماء الأسلحة قبل أن يعرف أسماء الألعاب.

تلك هي الندوب التي لا يراها أحد؛ جراح لا تظهر على الجسد، لكنها تستقر في الروح، وقد تنتقل من جيل إلى آخر إذا لم نبدأ بمعالجتها من المدرسة، ومن الطريقة التي نربي بها أبناءنا على احترام الاختلاف ورؤية الآخر إنسانًا قبل أن يكون خصمًا.

غراس الأمل بين الأنقاض

الشباب ليسوا مجرد أرقام في الإحصاءات، بل مستقبل لم يُكتب بعد.

وما تحتاجه الأوطان ليس مزيدًا من الشعارات، بل فرصة عادلة، وتعليمًا يفتح العقول، وبيئة تحترم العمل وتمنح الموهبة حقها.

حين يجد الشاب من يؤمن بقدرته، لا يصبح عبئًا على وطنه، بل يتحول إلى طاقة بناء، وعقل يبتكر، ويد تمتد لترميم ما هدمته الأزمات.

فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالإنسان الذي يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

استعادة الإنسان

ربما لم يعد السؤال الأكبر: كيف ننتصر على الآخرين؟

بل: كيف نستعيد إنسانيتنا؟

فالرحمة ليست ضعفًا، بل قوة تحفظ المجتمعات من الانهيار. تظهر في عدل القاضي، وأمانة التاجر، ونزاهة المسؤول، ورفق القوي بالضعيف.

لقد أخطأ من ظن أن الشعار أهم من الإنسان، وأن القوة تعني إخضاع الآخرين لا تهذيب النفس.

فالأفكار لا تُقاس بعدد أتباعها، ولا بارتفاع أصوات المدافعين عنها، بل بما تمنحه للناس من عدل وأمان وكرامة، وما توقظه فيهم من ضمير.

قد تمنع القوانين الجريمة خوفًا من العقوبة، أما الضمير فيمنعها احترامًا للحق.

ولعل أعظم ما يمكن أن نورثه للأجيال القادمة ليس وطنًا بلا خلاف؛ فهذا وهم لا تصنعه الحياة، بل وطنًا يعرف أبناؤه كيف يختلفون دون أن يفقدوا إنسانيتهم.

فالاختلاف ليس المشكلة، وإنما المشكلة حين يتحول إلى مبرر للكراهية، وحين يصبح الإنسان أقل قيمة من الفكرة التي يؤمن بها.

قد تتغير الوجوه، وتتبدل الواجهات، لكن الإنسان سيبقى الامتحان الأصعب لكل فكرة.

فإن حفظنا كرامته، حفظنا أوطاننا. وإن أضعناه، فلن تنفعنا كثرة الشعارات ولا أوهام الانتصارات.

فالإنسان هو أول الحكاية، وهو آخر سطر فيها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى