الطاقة في قلب الصراع: اقتصاد القوة وقوة الاقتصاد
أمن الطاقة في جوهره يعني ضمان توفير مصادر طاقة موثوقة، متاحة، وبأسعار عادلة، مع تنويع مصادر الإمداد والقدرة على التكيف مع الاضطرابات الطارئة. ويُعد هذا المفهوم إحدى ركائز الأمن القومي، لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد، والاستثمار، والخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه. ولضمان أمن الطاقة، لا بد من تنويع مصادر الطاقة، عبر الاستثمار الجاد في مصادر بديلة كالشمس والرياح والمياه، إلى جانب تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتقليل الهدر، وتعزيز التعاون الدولي لضمان استقرار الإمدادات وحماية البنية التحتية من التهديدات.
إن نظريات العلاقات الدولية تدور جميعها في فلك محاولاتها للتركيز على الأمن الاقتصادي، خاصة الطاقة، لأن أغلبية الدول الكبرى في العالم أصبحت تعتمد على قوتها الاقتصادية أكثر من قوتها العسكرية، ما جعل الأهمية الاقتصادية في ظل المتغيرات الدولية الجديدة تتزايد بقوة. وبما أن الطاقة أحد أهم مكونات الأمن الاقتصادي،
فهى تعتبر مصدراً اقتصادياً حيوياً وهدفاً استراتيجياً يسعي الجميع إلي امتلاكها، فأهمية قطاع الطاقة كذراع قوية للأمن القومي للدولة تكمن في كونه إحدى أهم مسائل الأمن الداخلي، لأنه بشكل عام فإن العلاقات التي تنتج بين الدول المنتجة والدول المستهلكة لمصادر الطاقة المختلفة تخلق حالة من حالات عدم الاستقرار، خاصة إذا كان هناك عجز في إمدادات الدول المستهلكة من قبل الدول المنتجة، ما يعمل علي جعل الدول المنتجة في حالة تأهب لاستعمال القوة الرادعة دائماً. ومن الجهة الأخرى، يساعد الدول المنتجة علي استخدام الطاقة كسلاح استراتيجي
إما بتوظيفه بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن منظور آخر فمصادر الطاقة كمورد حيوي واستراتيجي تؤثر في مكانة الدولة عالمياً واتباعها لسياسة خارجية نشطة من عدمها وموقعها في النظام العالمي. فالدول الكبرى تولي اهتماماً كبيراً بدور الطاقة، وضرورة تأمين مصادرها منها حتى لا تتأثر صناعتها، وبالتالي نموها الاقتصادي. وعلى الناحية الأخرى، تعمل الدول المنتجة والمصدرة للنفط والطاقة على استغلال تلك الميزة في سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية بهدف تحقيق المناورة.
جميع دول العالم أو، خاصة القوى العظمى عالمياً حينما تسعى إلى امتلاك مصادر الطاقة والتحكم في مفاتيحها عالمياً تكون طامحة إلى تحقيق الكثير من الأهداف، من أهمها:
أولاً: إن امتلاك الدولة لمصادر الطاقة تنعكس آثاره على سرعة دوران عجلة الاقتصاد القومي لها، وهو الأمر الذي يعمل على تعزيز نفوذها وقوتها كدولة ذات طابع سياسي واقتصادي، خاصة مما سينعكس على حضورها بشكل فعال وقوي على المستويين الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي يضمن لها أيضاً دورا فعالا في القضايا الدولية، ثانياً: مع امتلاك الدولة لمصادر الطاقة ومنابعها تحصل على مزايا اقتصادية وسياسية،
ومن أهمها ميزة توفير عنصر الأمن، الذي يأتي مصاحباً له حالات من الاستقرار السياسي المستمر ويعتبر ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والسياسية في الدولة، مما ينعكس آثاره على انطلاق الدولة خارجياً وتعزيز سياستها الدولية.
ولا تكمن أهمية سعي جميع دول العالم وراء تأمين مصادرها من الطاقة وراء تلك الأسباب السابقة فقط، بل إنها أصبحت اليوم تحتل مرتبة في غاية الأهمية في مختلف الأجندات الدولية السياسية والاقتصادية، وتحتل مصادر الطاقة أهمية بالغة في عملية تشكيل ملامح المشهد الجيوسياسي ولها انعكاسات وآثار بالغة الأهمية في العلاقات الدولية،
حيث كانت ولازالت مصدراً للأزمات والصراعات الإقليمية والدولية، إذ لا يمكن تصور استمرار رفاه الدول الكبرى والقوي العظمي عالمياً دون ضمان لبوابات العبور إلى مصادر الطاقة المختلفة، ومن هنا أصبحت الطاقة ومصادرها ضمن مقررات العلاقات الدولية والأمن الدولي.
أمن الطاقة العالمي:
في عام ١٩١١ دار نقاشاً طويلاً بين رجال البحرية الملكية البريطانية حول نوعية الوقود اللازمة لسفن الأسطول، وكان الفحم هو الوقود الأساسي للبحرية لوفرته بكثرة، بينما كان النفط من المصادر الشحيحة في ذلك الوقت وليست قريبة إلى قواعد الأسطول الإنجليزي، لذا تركزت كل الآراء على الإبقاء على الفحم وعدم الاعتماد على مصادر أخري،
إلا أن السير ونستون تشرتشل، الذي كان يشغل قائد الأدميرالية وقتها، كان له رأى مختلف عن الجميع، فهو ينظر لسيادة وتفوق الأسطول الإنجليزي وقوة بريطانيا ولضمان تحقيق ذلك كان من الضروري التحول نحو النفط، وقوبل القرار بالتهكم وزادت حدة الانتقادات وتم وصف تشرتشل بالقائد المتهور وذلك لأن إيران كانت المصدر الوحيد لتزويد بريطانيا بالنفط في ذلك الوقت، ووقف تشرتشل أمام البرلمان البريطاني مدافعاً عن قراره قائلاً لا يجب الاعتماد علي نوع واحد ولا على طريق واحد وعلى بلد واحد لتأمين إمداداتنا
وأن التنوع في مصادر الطاقة هو الضمان الوحيد لوصول النفط إلينا، وشكل خطاب تشرتشل مبدأ أساسياً في وضع استراتيجيات أمن الطاقة الذى لا يزال متبعاً حتى الآن في فنون الاقتصاد والسياسة.
وبعد سلسلة طويلة ومتصلة من الاضطرابات والأزمات العالمية والسياسية والانقطاعات في سلاسل الأمداد والأزمة الروسية الأوكرانية والتلويح بسلاح النفط والعقوبات، عاد الحديث عن أمن الطاقة بقوة ليتصدر المشهد ولم يعد من الممكن تجاهل مفهوم ومبدأ أمن الطاقة، وتعرف وكالة الطاقة العالمية مصطلح أمن الطاقة: على أنه توافر مصادر الطاقة دون انقطاع وبأسعار يمكن تحملها. ولأمن الطاقة أسس وأوجه مختلفة،
فمن الممكن أن يكون طويل الأجل أو قصير أو يكون على المستويين الدولي والداخلي، وعادة ما تسبب أي نسب نقص أو انقطاع في عمليات إمدادات الطاقة لمدة قصيرة في إحداث تقلبات قوية في أسعار الطاقة مما يتسبب في هزات عنيفة في عمليات العرض والطلب، وفى حالة استمرار تلك الحالة من ضعف الإمدادات لمدة طويلة تنعكس آثاره على معدلات النمو بالسلب. وللتغلب على قضية انقطاع أو نقص الإمدادات قصيرة الأجل كانت ضرورة بناء الخزانات الاستراتيجية في الدول المستهلكة والمنتجة أيضاً والسحب منها وقت الأزمات، والوجه الآخر لأمن الطاقة هو طويل الأجل بهدف تأمين مصادر الطاقة بمعدلات كافية من أجل تلبية الطلب المستقبلي، خاصة وقت الأزمات.
مفهوم أمن الطاقة في معناه التقليدي هو (أمن المعروض)، وذلك من خلال التركيز على سبل توفير الإنتاج الكافي من مصادر الإنتاج وبأسعار مناسبة في متناول الجميع. وأمن الطاقة لأي دولة يتحقق في حال توافر لديها مورد مستدام للطاقة وبأسعار مناسبة، ولهذا السبب كان للدول الكبرى تدخلات عسكرية وسياسية على الدول المنتج للطاقة لتحقيق هذه المطالب،
وبالتالي يركز مفهوم أمن الطاقة على أمن المعروض من الطاقة، لأن انخفاض بند العرض في الأسواق الدولية سيؤدي بالضرورة إلى زيادة ملحوظة في أسعار الموارد المختلفة من الطاقة، مثل البترول والغاز، مما سينعكس بالتالي على الأمن القومي الاقتصادي للدولة المستهلكة.
تمثل توظيف أمن الطاقة في استخدامه كأداة نفوذ سياسي واقتصادي ضمن السياسات الخارجية للدول، حيث لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي فحسب، وإنما أداة استراتيجية تؤثر في مسارات العلاقات الدولية. ويمكن توضيح أهم آليات توظيف سياسات أمن الطاقة في العلاقات الدولية على النحو الآتي: عبر الأدوات الاقتصادية: يتم ذلك من خلال تنسيق التعاون مع كبار منتجي الطاقة بهدف الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة والتحكم في مستويات الإنتاج، بما ينعكس على استقرار الأسعار، وهو ما برز في تنسيق روسيا مع دول منظمة أوبك.
كما يشمل ذلك تنمية الاستثمارات الطاقوية، عبر زيادة حجم استثمارات الدول المستوردة للغاز في الدول المصدّرة، كما فعلت روسيا مع الجزائر، حيث أسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز النفوذ الروسي في قطاع الطاقة وبناء شبكات لنقل الغاز الطبيعي.
عبر المبادرات والاتفاقيات الدولية: تلجأ الدول إلى تبني مبدأ دبلوماسية الطاقة لتعزيز مكانتها في النظام الدولي، من خلال إطلاق المبادرات المشتركة وعقد الاتفاقيات الدولية في مجال الطاقة. ويبرز في هذا السياق المبادرة التي أطلقتها المفوضية الأوروبية بالتعاون مع الرئيس الأمريكي جو بايدن عام 2022، والتي استهدفت تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية عبر تنويع مصادر الإمدادات، بما يتماشى مع الأهداف المناخية ويعكس توظيف أمن الطاقة كأداة سياسية واقتصادية.
عبر إعادة تشكيل أنماط العلاقات الدولية: يسهم توظيف سياسات أمن الطاقة في إعادة تشكيل أنماط العلاقات الدولية، سواء عبر تعميق الصراع بين الدول في بعض الحالات أو تعزيز التعاون في حالات أخرى. ويتضح ذلك من تحول مسار العلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي وروسيا من علاقات تعاونية قائمة على التبادل الطاقوي إلى علاقات صراعية، عقب الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث أصبحت الطاقة أحد محركات التوتر المرتبط بالمصالح الجيوسياسية ومسارات تصدير الغاز.
