الجمعة ٢٨ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم يارا حابي

دنيا الإنسان

أخافُ خطوةً تسرقني للحظةٍ
هي نبعٌ يقظٌ حيُّ الشريانِ
في قلبٍ ثملٍ بحمرتهِ اليانعةِ الشباب.

كلُّ زمانٍ لعنةٌ ترحبُ بقدومِ اللوتسِ على أعناقِنا،
وكلُّ مكانٍ رمانةٌ حمضيةٌ مكبلةٌ بلعنتها،
وكلُّ كلمةٍ، نغمةٍ، همسةٍ.. لعنةٌ تخطفُ العمرَ وتنساب.

تمتدُّ لبعيدٍ لا يدركُ الخطوط..
والعنبُ يتخمرُ في الرؤوسِ،
تهتاجُ الأفئدةُ بحرارتها،
…بشراً كنا.

تزورُني المحبرةُ ليلاً
تخيطُ من نضحي أطهرَ الكوابيس
تنحتُ في صدري والخنجرُ في كفّها
تنحتُ الجنون الثائرَ على فطرتهِ الأمِّ العظيمة.

محبرتي!
أعرفُ أنّها معذبتي العذراءُ
وآهٍ على الرّوحِ من قحطِ فقدانِ الروحِ!
أدورُ حول بدرِ اللؤلؤِ المبهورِ
أقبّلهُ دون أن أنطقَ.. ولا يقبلني ولا ينطق
وفي صحبتي خيالي.. يدُهُ في يدي نطوّفُ الأحلامَ.

وهَاتانِ عينانِ طافحٌ منهما الخزامى
أعرفُهُما ولا تعرفانني،
وتلك الشفتانِ الزهريّتانِ العذبتانِ
ابنتي أشهدُها قبلَ النطفةِ الأولى!
ويحمرُّ الجنانُ مِن هذا الهوسِ
ومن هذه الفوضى العقليةِ الكونيةِ.

يا ملكَ الموتِ اقبض على أشجانِ الحمامِ
ومن آلامنا خلّصِ الأرضَ العفيفةَ،
تعالَ اشرب من نبيذنا العتيقِ بعقيقهِ،
تعالَ انتشِ من خواطرنا الفردوسَ،
كن معنا يمامةً بيضاءَ مهاجرةً
وبعدَ أن صرتَ ريشاً.. تناثر ها هنا على حجراتِ منازلنا القديمةِ.

يا ملكَ الموتِ هاتِ يمينكَ أُسافر بكَ لعروسِ البحرِ..
لإسكندريتي السنيّةِ
لا أطرقُ الأبوابَ.. وتقولُ لي: ادخلي عليكِ السلامُ
تملأُني شواطئُها من حريرِ زرقتها الحانيةِ
في أحضانها الياسمينُ والملحُ المعمّدُ بربّةِ الحورِ
تعالَ اغرق في أمطارها…
تغسلكَ حتى النُّخاعِ.. حتى دمعِ المحارِ.

يا من في وجهكَ الترابُ وألفُ أمرٍ عنيدٍ
يا من في قدميهِ الفناءُ.. وعلى جفنيهِ كحلُ الياقوتِ الأسودِ
خذ بيدنا نأخذ بيديكَ.. ويبقى العشقُ آثارَ بقائنا المشفوعِ عليهِ.
نحنُ اليومَ نستضيفكَ في الحدائقِ.. فرحونَ ببسمتكَ الجريحةِ
انظر إلى الزرعِ في أراضينا.. إلى البطيخِ في الصعيدِ والماءِ في الفخارِ
انظر إلى دنيانا الرقراقةِ.. إلى جبينِ أمّهاتنا المغطّى بطبعاتِ الشفاهِ
انظر إلى التحامِ الأزواجِ في الفراشِ.. وإلى النايِ وأوتارِ القيثارِ
تعالَ ارقص معنا.. تعالَ نتعلمِ الحبَّ في الجسدِ الإنسانيّ.

ونتذكّرُ.. نذوبُ في الزمنِ واللحظةِ
ويجيئكَ نمرُ الحنينِ الشبحيُّ..
يغرزُ أنيابهُ في مضخّتكَ وينتحبُ
تغفو على نحيبهِ تبلّلُ الوسادةَ.. وتحلمُ
طفلكَ في أحضانكَ وعلى صدرِ أجدادكَ تنامُ.
تعالَ كن إنساناً معنا….
وتجذّر..
تجذّر في حقلِ الوعيِ.

من العلياءِ.. ومن باطنِ الحياةِ
تنسدلُ الأشرطةُ الحلميّةُ الحلزونيّةُ
يتدلّى ستارانِ من المخملِ البنفسجِ
أحدهما على العينِ والآخرُ في الأحشاءِ
والشمسُ هلالٌ قمريّ.. والشجرُ بحسٍّ شمسيٍّ
وأصابعنا تلمسُ القمحَ.. والقمحُ يتغلغلُ في الكيانِ.

كرسيانِ خشبيانِ متقابلانِ
ومائدةٌ مستديرةٌ بينهما
تهمسُ لكَ: اتّخذ حبيبًا وارتح..
اتّخذهُ اشفِ أغواركَ.. نطعمكَ من ثمارِ الجنةِ،
ونهرٌ تحتهما مفعمٌ بالصحوِ.. رقيقٌ في حركتهِ،
كميلِ الباليهِ يتمايلُ.. يفتنكَ بشفيفهِ..
وهذا الطاووسُ ملفوفٌ بسحرهِ..
يتأمّلُ عدساتكَ.. فتأمّل عدساتُهُ..
لا تخذل خضارَ الحياةِ،
لا تخذل نهارَ الطاووسِ الحميمِ.

(دنيا الإنسان)

آب ٢٠٢٦

يا فراشتي الياسمينية، رُدّي إليّ وعيي.. أين أنا الآن؟
قد غشاني بريق جناحيكِ، فأين تقف بي الأرض؟

حينَ استغرقتُ في هذا الوهجِ المشرقِ كحياة،
وحينَ تبخرت الحدودُ بيننا.. وتفككت الذوات،
أدركتُ هشاشة كل شيء...
فأمضيتُ أطاردُ رغبةَ الموتِ في بئرِ الخاطرة،
أُلقيهِ حبراً مع البؤسِ في بحرِ الأوراقِ الحلمية..
أتركُ للروحِ ميزانها.. كاملَ التوازن.
وللجنونِ الباقي.. صفاءَه البارد.

لا ترحلي يا محبوبتي..
ولا تخذلي شريطَ ذكرياتنا الأعذب!
ضمّيني ها هنا..
في برزخ الفناءِ والمطلق.

قد غادرتُ أنا جسدي..
أضعتُ اتجاهاتي،
ولم تستقرَّ قدماي على رمل.
تائهةٌ في حقلي الكوني..
ألغيتُ مسافاتِ الزمانِ والمكان،
ألغتها نفسي عن نفسي..
فدلّيني.. يا فراشتي!

لكلِ هلوسةٍ الآنَّ جسد..
ولكلِ هاجسةٍ صورةٌ مرئية.. ووجودٌ بصري،
خلقتُكِ وخُلقتُ.. لا أجيدُ ردكِ ولا يُجادُ ردي،
اخترتُ العيشَ مجردةً من شخصي،
أسدلُ جفنيَّ مع الجنياتِ العارياتِ تحتَ الشمس..
تنقيني بصفرتها العذبةِ من شروري.. من الأنا،
تهبني الحسَّ خارجَ ضيقِ اللغة..
تهديني هبةَ العقلِ في أنقى تجلياته..
وتمنحني خيالها، ليطهرَ جروحي
ويعيدني لفطرةِ الكائنِ الإنسانِ.. محطماً إدراكه المنطقي الخانق.

أقدامُنا ملطخةٌ بسيلِ النجمات،
وهديرُنا أغنيةٌ ناحبةٌ..
قذفت بالعاطفةِ في مهبِّ الريح،
نحتسي الدمَّ في كأسٍ من لازورد،
وأعناقُنا تفوحُ منها رائحةُ الأوركيدِ الكاذب،
وألفُ كبريتةٍ وكبريتة.

كان مُنانا موحَّدَ اللونِ والعطرِ،
أردنا مصرَ جميلةً.. ونومةً هنيئةً،
تنسى فيها الأمعاءُ اضطرابَها..
وتنسى الأعصابُ طعمَ الحرارةِ.

اسمُها: أمُّنا.. أمُّنا الحسناءُ الهجينةُ،
عسلٌ في الوريدِ وقلبٌ مفطور..
أهدابٌ برحيقِ البطيخ،
والرمشةُ أنعمُ من جلدِ الحَمَلِ..
سقتنا من صعيديها لقاهرتها،
سقتنا عمراً وخفقاً وحزمةَ أشجان..
على موسيُقاها تعلَّمنا الرقصَ معَ الوجد.

وأقسمنا: فدتكِ يا مصرُ دنيانا..
نحفظُ ضحكتكِ الزاهيةَ العذبةَ..
الأحلى من شهدِ العنبر.. الأحلى من لبنِ الجنةِ،
دُمتِ علياءَ يا محروسةُ.. دُمتِ عتيقةً..
دُمتِ حلوةً..
حلوةً...
يهواكِ أبناؤكِ.. مغطاةً بشفاههم..
بعناقيدِ المرمر.

للشابةِ القمحيةِ حبيبٌ أرجوانيُّ الخلايا،
يسحبها من يديها، ينتشلها من المادة،
ليأخذها إلى سماءِ الكرزِ والزيتون،
يخيط لها مقاليدَ القدرةِ التحويلية؛
يُطعمها فناً.. يقبلها فناً.. ويملأها بنضحِ كيانه السريالي.

يسحرها بأن تتخلعَ من حريرها،
فترى ما لم ترَهُ عينٌ، وتسمعَ ما وراء الطبيعة،
وأن تتأملَ ما لم يُتأمَّل ولم يطفُ على حقلِ بشر.
فتعيدُ تشكيلَ حديقتها الواسعة..
ويرجوها فؤادها أن تتذكرَ من تكون؛
هي الفنُّ الشريدُ في ليلةِ النهار،
وهي بوصلتهُ الأخلاقيةُ التي دوماً ستهجره،
وتجففُ عنها دمعَ الغزال.

للشابةِ القمحيةِ حبيبٌ أرجوانيُّ الخلايا،
عيناهُ عنبتانِ سوداوان.. ومن لمستهما الأولى
أدركت يقيناً أسطورياً أن الطريقَ من بعده بياضٌ ناصعٌ..
فهو الأرخبيلُ المنتهى، لا بعده مهما سبقه.

هو فردوسُها الغريبُ الحاني،
عرافُها الرقراقُ الهادي..
أدركت يقيناً أسطورياً أنه شبحُ الخيالِ في أحلامِ الآحاد،
وأنه مأواها المشردُ في البلاد.

وهمست في سرِّها.. لعينيه العَنَبِيَّتَين:
"سأريحه على الياقوتِ الأحمرِ،
يغتسل تحتَ شمسنا الحكيمة لتباركه الأرضُ..
ملاكي اللوتسيُّ الحارس..
لن يفجعه الموت".

يا فراشتي الياسمينية، رُدّي إليّ وعيي.. أين أنا الآن؟
قد غشاني بريق جناحيكِ، فأين تقف بي الأرض؟

يا فراشتي؛ عربدتِ الذئابُ
وثأري، أخذه مني، من صدري البكر الموحشِ
يسقط الخاتم في الماء..
فنغرق لا لشيءٍ إلا ليلتهمنا الحوت،
فيتجرعنا في الفجر المعهود..
ونعرف وقتها بأيِ لسانٍ يصير الحديث،
ونقول: لو نغفو طول الدهرِ يدفئنا بدرُ الأحباب..
وما.. نذوبُ.

مصرُ يا فَراشتي..
غانيةٌ ترفلُ في الدلالِ والغرام،
لا يُرضي كبرياءها غيرُ أن نتحدَ صفّاً
نُنشدُ للنيلِ،
ونعيدها نطقاً ومسعى:
"نحبكِ.. يا محبوبة".

(خاطرة كاملة اليقظة)

آب ٢٠٢٦

هي امرأة.. كيانٌ زيتونيّ
لم تروِ أسطورةً.. ولا ترسم قصةً..
عيناها كهرمانٌ ذائبٌ ينضحُ بموسيقى
حضاراتٍ منفصلةٍ عن مادتها.. عن جوهرها.

في قفصها إوزتانِ ميتتان.. على ضفاف نهر النيل،
لمحتهما مرةً.. فأعلنا الخلودَ فيها مهما عصت،
ومهما ضاقت بنفسها الزرقاء الهشة.
نهدها مجمدٌ بصقيعه..
وأطرافُها أزهرَ فيها البنفسج.. البنفسج الحزين.

هي امرأة.. كيانٌ زيتونيّ
محبرتها أحجارُ تورمالين بلونِ الكرز،
تتراكض على أوراقها العصافير،
ودمعةٌ لؤلؤيةٌ على خديها لا تغيب.
وعلى شفتيها تستريح قبلةُ حبيب،
حبيبٍ غيميّ خفيفٍ اشتاقت له السماء
وحنَّ القدر.

كانا معاً يختلطان..
هواهُ أن يعزفَ لها العودَ..
ملهمها الأبهى..
لصدق الفقه في المخطوطات،
عشقا معاً أجسادَ الحورِ العنابية..
والخريفَ الأبيض.. الموتَ الرمانيّ،
عشقا ممارسةَ اليقظةِ في الأحلام،
أن يغمرا دماءهما بالروح الماورائية،
ويختمرا طرباً تحتَ الشمسِ القمرية.

لكنها لم تشبع قط..
هي امرأة.. كيانٌ زيتونيّ
لا تمتلئ ولو شربت النهرينِ وفاضت..
تحلم أن تصيرَ يداها النهرَ الجاري،
ورأسُها شجرةَ ساكورةً دائمةً متجددةً،
جلدُها مزرعةً للبطيخ..
وقلبُها زهرةَ لوتسٍ أصيلةً.

تحلمُ بالاتحاد الخالص بعشاقها..
الباقينَ والراحلين، الأحياءِ كونياً..
أن تفيقَ من تابوتها..
وأن تقبل "نوتَ" ربةَ السماء
تماماً كما يليق بجلالتها الطاهرة.

ترقبُ ليلاً شلالاتِ النجومِ
والصدرُ معشبٌ في اخضرار..
مدفوعةً برغبةٍ قاتلةٍ في الاندهاش..
إنها الدهشةُ شغفُها الماسيّ..
وتمزقُ رئتيها تسبر الأنفاسَ..
تتأمل الذكرى والأعصابَ..
تتأمل حقيقتها العارية من كل فكرةٍ..
ولا تساعدها اللغةُ.. لا تكفيها الأبجديةُ.

كم بكى العشاق على حجرها الشجريّ،
وكم أنشد لها البحارةُ.. وغنت القروياتُ..
وهي لا تؤمنُ إلا بالذات.. بالذات الموحدة للكون..
"أنا الكون.. أنا النواة والأنفجار..
لو فقط تطيعني الحروفُ
لو فقط أخطها كما تشع وتخفق..
إنها (أنا)، (أنا) الحية.. (أنا) التيار المتدفق".

تعتصر الأرضَ كبرتقالةٍ تعفن نصفُها..
تسبحُ في شريانها تسعُ سمكاتٍ بلطيةٍ..
تجهل اسم أيٍّ منها..
تجهل أوجودُها فيهنَّ.. أم في الشريان.
وتنتحب نفسها لنفسها..
تغطيها بالنخبوية.. وترفع عنها ستائر العقل..
وستائر اللاعقل..
تشهدها بأنها الروحُ المطلقةُ.. الروحُ اللاروحيةُ..
الطاقيةُ.. النوريةُ
والواسعةُ.. وسع البيداء.. وسع الفضاء.

أطعميني.. لكي أرتخي من وهني.. من جفائي،
أطعميني.. فأدرك شعلتي، وأفهم مقصدي ومنايَ..
لكيلا أموتَ خائنةً لخبايايَ..
أطعميني يا أنا..
لأُسافرَ لحبيبي الغيميّ..
وأقولَ له من أنا.

(خفق الأنا.. الكون)

آب ٢٠٢٦

قالتِ العينانِ التفاحيتانِ في المرآة:
"روحُكِ تضخُّ الطَّاقةَ، ولكنَّ العنفوانَ ضعيف؛
هذيانُكِ فائضٌ من الخَبَل.. من الخَلَل،
الهواجسُ ضلَّتِ المُنَى،
مجرَّدةٌ أنتِ مِن مشروعِ أدبٍ،
مِن فكرةٍ عظيمةٍ تشقُّ الأرضَ وتُغيِّرُ مجرى النَّهر.
تحلمين.. تغطِّينَ في الخيال،
لكنَّ خطواتِكِ مشوهةٌ، وطريقَكِ عبثيُّ الوجود.
مَن ذا الذي لعنَ شبابي بالحشرِ في جسدٍ لا يفقهُ كنهَهُ،
ولا يدركُ القوَّةَ التي تكمنُ فيه؟"

تجاربُ من المخاض، والبحث، والتخبط،
واختبارِ الأشكال..
وها هي الصبيةُ لا تزالُ تمقتُ عينيها،
وتمقتُ ارتجافةَ القلبِ، وكاملَ الوجودِ فيها.
تلكَ أبجديةٌ قاصرةٌ، فبماذا يا ترى تعوضُها؟
أتخلقُ حروفَها خديجةً.. رسمَها الذاتيَّ الكوني؟
لكن بأيِّ حبرٍ.. وبأيِّ لونٍ هجرَ الألوان؟

تكسرُ الشعرَ.. تكسرُ الفلسفةَ،
ولا تدري ماذا تخلق.. وما المرادُ من خلقِها!
لها شيءٌ عندَ الإنسان.. لا بدَّ أن توفيه،
لها رغبةٌ تنهشُ عظامَها.. وألمٌ لا يداويهِ إلَّا
فعلُ مقطوعةٍ كتابية.. سمفونيةٍ ورقية.

تتماهى الكلماتُ مع الأمِّ الأرض..
في سياقِ الخطِّ الحبري.
وفي تماهٍ أسطوريّ أثيريّ،
تتحول المحبرةُ إلهاً رشيداً،
وتسأل الأفئدةُ الإلهَ:
هل يفنى الخالق؟

الخالقُ المخمورُ..
الكائنُ الهجينُ الرخويّ،
هل يموت؟
اللاشخصيّ،
الجوهرُ الفارغُ الممتلئ،
البئرُ اللزجُ البدائيّ..
المائيّ..
الجهنميّ.

يقال:
خمد شغفك، أنت يا أميرَ البحرِ الأبكم،
فتراجع.. يلتهمك الحوت الخفيّ، اختفِ
ولا تدع الملكَ أوناسَ يراك..

يقال:
""ولا تدع الملك أوناسَ يراك،
تراجع أيها الثعبان الخفيّ، اختفِ
ولا تأتِ إلى المكان الذي يوجد فيه الملك،
كي لا ينطق اسمك..
حطّ البجع المقدس على سطح النيل،
فاهرب، اهرب، أيها الثعبان المتوحش،
أيها الثعبان المتربص في الليل"".

يقال:
من الذي سينجو؟
الملكُ هو من سينجو.
يقال:
هل يموت أبوك؟

يقال:
تفكيك اللحظة،
تشريح الوعي الأنثوي،
حركة مستمرة بفعل التيار المتدفق،
وتنبت من تحت الأقدام أفلاكاً خارج الخلاء.

يقال:
الحالة الذهنية الذهانية،
الطبيعة في مواجهة الأوهام،
والأسرة أمام النيران اليقظة واللايقظة،
قف منصوبَ الأوتاد.. قف ولا تخف،
يصفى الجنينُ في بؤرةِ الكون.

طف رحلتك الشظية..
عش آلامكَ ورؤاكَ ولا تحزن،
توه في دنياكَ وارسمها كناياتٍ ودهشاتٍ حسيّة..
لا تسافر فتخسر ذاتك..
كن الأبراجَ من عقربها لميزانها.

خفقٌ يجري نحو الوجد،
وآخر يرجو نسمةَ ولهٍ..
والشفاهُ الوردية تقبِّل شفاهَ الشمس،
تتعلمُ منها الحرفَ.. تتعلمُ العلومَ الروحية:
"يا من جئتِ حياةً جديدةً،
يا من جئتِ نوراً وسعادةً،
خذيني تلميذةً تحتَ يديكِ،
علميني القلمَ".

الفلاحاتُ يرقصنَ في المزارع،
يحفظنَ للحبيبةِ قلبها.. يحفظنَ السرورَ،
وفي وجوههنَّ مئةُ رحمةٍ دائمةٍ،
الرغدُ والريحانُ.. والدفُّ يُضرَبُ من أعلى السماء،
ميلي أيتها النخلاتُ.. هزي البلادَ،
لتبتهجَ مصرُ بعشاقها..
لتبتهجْ سيدةُ الأرضِ بأبنائها
المشردينَ والغائبينَ.. الشُّردِ والأيتامِ.

يسرحُ الخاطرُ،
ويذهبُ العقلُ على غيرِ هدىً.
الأطيافُ الحيارى..
وهذه ذكرى محارةٍ قديمةٍ..
الليلُ طافحٌ بالعصافيرِ القمريّة..
وكلُّ الخلايا تطفو.. تسبحُ في الهواءِ كالسَّمكاتِ،
والذروةُ أكلها حوتُ الذاتِ،
أأغتالُ نفسي أم نُغتالُ بخبايانا؟
لا بياضَ على الأوراق..
عمرنا نخطُّه بنضحِ أجسادنا،
وليحترق التخلفُ..
يحترق التفاح.

(نضحُ الجسد)

آب ٢٠٢٦

كثمرةِ تفاحٍ،
انفتحت لك وحدكَ لتُهديك حلاوتها،
كزهرةِ سوسنٍ،
بسطت أوراقها لتُعطّرَ حريرَ أجسادهما…
وطرقت أبوابَ "آبَ" من فجرها لغروبها.
في صدرها عاصفةٌ حمراء
انفجاراتُها كهاربُ مُتداخلةُ الشحناتِ،
وفي رئتيها ريحُ الصقيع.

تخلطُ مياهها بترابِها..
والعنفوانُ قدرٌ لا مهربَ منه،
تمتزجُ العناصرُ: العذراءُ والسرطانُ،
ولولا تيارُها المتدفقُ
لاختنقت بحروفٍ عالقةٍ في حنجرتها..
ولشنقتها أبجديتها المكتومةُ،
ولم يسأل عنها إنسٌ ولا جانٌّ.

حبُّها متقِدٌ كآتونٍ..
كتنّينِ العشقِ الأسطوري،
ترمدُ المنطقَ في الشِعابِ المرجانيةِ،
تتجذّرُ في اللحظةِ وتتفرّعُ أغصانًا فأغصانًا..
تتماهى..
تؤمنُ بأنَّ التفرّعَ طريقتُها الوحيدةُ
لتكتفيَ بالحياةِ
ولا يرفضَها جلدُها البحريُّ.

تتفلتُ من كلِّ محارةٍ.. لؤلؤةٌ طليقة،
في حالةِ ارتعاشٍ بهيٍّ
تهتزُّ باهتزازاتِ النجوم.
تُحسُّ بعمقِ الطاقةِ حولها،
مزهوةً عيناها بالبدائيةِ الصافيةِ..
تعرضُ عن شباكِ البشرِ العنكبوتيةِ،
عن مزيجِ كؤوسِهم
المخلوطِ بالظلامِ والخيرِ المعقودِ.

هي هذا الكائنُ الرمانيُّ الهجينُ..
هي دمُ الطبيعةِ..
مغاراتٌ طيفيةٌ متراقصةٌ،
حالمةٌ دومًا ببريقها،
مخضرةٌ بأعشابِ القلبِ والزمانِ.
تسبحُ كما الحصانِ في سماءِ الشعورِ..
ومعها حلزونها بجناحي ذبابةٍ،
وحبيبٌ موسيقيٌّ..
يتمايلُ بكاملِ حضورِهِ الدُّخانيِّ،
مخمورٌ طربًا وحنينًا..
يقبِّلُها هلالاً وبدرًا..
لا يختزلُها مهما أينعتِ الورداتُ.

هي التائقةُ لشربِ الشبقِ من الينبوعِ..
من نواةِ فردوسِهِ الآنَ،
تخطُّ الحاضرَ المصطفى العذبَ..
نهرٌ يجيشُ في كينونةِ الكونِ..
مغلفٌ بديمومتهِ الجاريةِ،
فائضٌ من الهذيانِ والهاجسِ النابضِ.

مربوطٌ عقلُها بحبالِ قفقاسيَّةٍ
تحللت في الأوردةِ،
والفؤادُ يعتصرهُ حرفٌ نيتشويٌّ
يُقظهُ من سباتِهِ،
يواجهه وجهًا لوجهٍ..
ليُعلنَ موتَ الفيلسوفِ
وموتَ الموروثِ الفكريِّ.

قد نكونُ أحرارًا من ذنوبنا..
من أغلالِ المعدنِ فينا،
قد نتركُ اليمامَ طليقًا
يطيرُ كالندى في الزرقةِ الجليلةِ..
لكننا دومًا مقيّدون بذواتنا..
بوعي اللحظةِ ولا غيرها..
تلكَ التي تقلُّ عنِ الثانيةِ.

ليُنزفِ الفراشُ بياقوتِهِ..
والزمردُ يتساقطُ زخاتٍ زخاتٍ،
وليحتفظِ الكفُّ بزيتونةِ أرضِهِ الكريمةِ،
ولتغطِّ الأكاليلُ هذا الجسدَ المسكينَ.
لن توقفَ الذكرياتُ ارتجافةَ النخيلِ..
ولا الخيالُ يعتقنا من الخيالِ،
الضفةُ الأخرى هي خفقٌ جهنميٌّ التركيبِ.

نغادرُ الليلَ وفي أحشائنا بشائرُ النقاهةِ..
ونعودُ إليهِ وقد اعتراهُ البلاءُ
تحت ضوءِ القمرِ،
فنضخُّهُ توبازًا مغتالاً في جمالِهِ..
وابلٌ من المطرِ أطبقَ على النهارِ،
والممراتُ مزهرةٌ بشجنها..
وتعودُ الغيلانُ لتنامَ هاهنا أسفلَ الملاءةِ،
وأسفلَ العصبِ الروحيِّ.

تشتعلُ المرأةُ الرُّمانيَّةُ رغبةً وشهوةً
إلى فعلِ الذوبانِ في الآنِ..
في الأنا الحاليةِ ولا غيرها،
أن تصرخَ صرختَهَا الشيطانيَّةَ الملائكيَّةَ..
أن ترسمَ بحبرِهَا الأسدَ النَّاريَّ القابعَ فيها،
يملؤهَا بحراراتِهِ.. فتُريدُ له الحياةَ الماديةَ..
لغةً أو صورةً..
نسيجًا أو نضحًا شبحيًّا يُحسُّ في
بؤرةِ الوجودِ.

تشتهي استخراجَ عصارتِهِ
وسماعَ صوتِهِ الخريرَ.. صوتَهُ الملتهبَ بنشاطِهِ.
تطلقُ سهمًا يغرسُ في مضختِهِ البرتقاليةِ..
أن تبصرَ مادَّتَهُ الخامَّ.. تستنشقَ شمسَهُ الحارَّةَ،
أن تتفلتَ من حقائقِنا وظلماتِنا السبعِ..
أن تعودَ لغريزتِها.. وليستشيطَ الحبرُ..
ليخلقَ الأسدُ مولودَهُ الخديجَ،
في لبِّ الحياةِ ونواتِها..
في لبِّ الذاتِ وكنهها الحيِّ.

فليمتِ النظامُ..
وللفناءِ يغوصُ القانونُ..
ليحيا أسدُ النارِ...
فلا يُحاكمُ الرمانُ.. ولا يضيع.

(إقاعاتُ الأسدِ النَّاريِّ)
آب ٢٠٢٦

في ليلةٍ من ليالي آبَ المُلتهبةِ بِفَرطِ الوَله،
أَذكُرُ أنني رأيتُ أحداً..
فائقَ العذوبةِ،
حالةً مِنَ الطمأنينةِ ونَهراً رَقراقاً
نابِعاً للرضا..
أسَرَ القَلبَ، ومَلأَ الفَراشَ بَهجةً وهَناء.
أحَدُهُم خَتَمَ مُدتَهُ مَعنا على هذهِ الأرضِ العليلةِ،
أحَدُهُم وَرديُّ الجَبينِ.. أَخضرُ العَينينِ..
يانعُ البَهاء،
أحَدُهُم لا يَميلُ للمُذَكَّرِ وليسَ أُنثى مُطلقة.

في ليلةٍ من ليالي آبَ المُلتهبةِ
ذُبتُ كالمِلحِ في الماءِ الغالي،
تَفَرَّقت خَلاياي وتَطايرت في الهَواءِ
كما الذَّراتِ المُتفاعِلَة،
خَفَّ ثِقلي
وكَفَّ العَقلُ عن عِتابي.. حَلَّقَ كَيَمامَةٍ وادِعَة.

والنجوى بيني وبينه،
الدمُ الأخضرُ يتدفق بغزارة،
وها هنَّ حورياتُ الغاب يلتفين حولي،
يغنينَ للغريبِ المألوف.

وهو يسبر عينيَّ، يعيد صياغتي من جديد
عملٌ مبهمٌ لحقيقةٍ مبهمةٍ
يرفضها الدليلُ ما دامتِ المضخاتُ تخفق
أحسُّ نشوته في جلدي
نشوةَ جنسٍ أسطوريٍّ
والحدسُ يهيج بحرارته
بعيداً عن العقل وترتيب النجمات

الكائنُ اللاعضوي..
يعلمني كيف أفقد حدودي
أنسى طيني وعظامي
فلا تحاكمني البوماتُ الثلاث
ولا تغضبِ السمكاتُ حين أنزل إلى شعابها
أغفو بينهم،
أستنشقُ وسعي الخارق لأيِّ علوم.

ألم تسمعي يوماً زفير الغيمات؟
وتتساءلين: أفي الصحوِ أنا.. أم في الأحلام؟

بوابتانِ مزدوجتان،
يطلُّ منهما ضبابٌ تتلألأ في حناياه فيروزات،
يزيّنه هلالٌ فضيّ، تتدلى على خدّيه دمعةٌ من جمال..
والزمنُ ينشطر.

ألم تري؟
إلى اليسارِ عصفورةٌ شبحيّةٌ بعينِ اليقظة،
وفي الركنِ النائي مستطيلاتُ بيانو،
نيرانٌ تخرقُ المفاتيحَ، تصعدُ أحرفاً من عطرِ اللوتس،
تغورُ في بئرِ خاطره.. بوقٌ لجدّته الثالثة عشر.
أين كنتِ حينها؟

حين كان الطريقُ الترابيُّ في رونقه.. تُسكرُهُ الراقصات،
والذكرى تفقدُ مهابتَها.. تحرسُ الريحَ العاتية،
وعلى رأسِها عمودٌ رخاميّ،
يُسندُ سقفَ البابِ السماويِّ كي لا ينهار،
فتموتَ الخطوطُ الحرّةُ المنتصبة.

أخطو ببطءٍ.. ومقلتاي تلتفتانِ يميناً لشجرةٍ طاووسيّة،
جذوعُها أسنانٌ لبنيّة،
وثمارُها أطفالٌ زيتونيّة.. وآلافُ الزيتوناتِ الأرضيّة.

ووردتانِ تحفظانِ نشيدَ الحرية،
بذيولٍ مبرقشةٍ، منقوشةٍ بشفاهِ الفرسان.
الكونُ ينطقُ بالموسيقى..
الملاكُ مرئيٌّ، والأصواتُ نبصرُها شكلاً وصورة.

أسدلي جفونكِ.. وتأمّلي شجنَ البيانو المنصهرِ بوجده،
تأمّلي وجودَنا في الواحدِ الأحد..
تأمّلينا.. حساً متموّجاً، خالدَ التفاعل.

((شجرة طاووسية على الحد الفاصل

آب ٢٠٢٦

أبي.. آب
المطلقُ في عروقِ الأبوّةِ،
الأسدُ المشتعلُ في قلبِ القيظِ،
الذي يبلغُ بالحواسِّ ذروةَ تيقُّظِها،
ثم يستوي على عرشِ التمام.

في أوجِ نضجه الوهجي..
بملامحَ نحتتها الشمسُ بشغف،
بألوانِ طيفٍ ذهبيةٍ.. والطين المحروق،
وانفجاراتٍ في بؤبؤ العين،
تعكسُ سحرَ الأصفرِ
في أشدِّ أيامِ الصيفِ حرارةً.

يقف منصوباً كنجمٍ حقيقي..
ثابتٌ ورَزين، يسبقه دوماً هواءٌ ساكنٌ
مُتَمَركزٌ برائحةِ البحرِ المملحِ..
والرطوبةِ الشابة.

آب هو الحارسُ المُتخنُ بنشاطه.. بهدوئه،
هو القوةُ التي...
ليست أسطوريةً ولا هي فردوسيةً،
وليست طاقته نوعاً من الأثير،
لا هلاميةَ الانفعال، ولا حلزونيةَ الحركة..
قوته منثورةٌ في التراب،
أصفها بالثقيلة، الملموسة،
والخشنة كوَجدِ الصيف.

نيرانٌ لم تتساقط زخاتٍ من السماء،
أبحثُ لها عن كلمة..
كلمةٍ تُهديها المهابةَ وتجردُها من عالمِ الحكايا،
تُبقيها هنا.. في اللحمِ والدمِ.. تُبقيها صادقةً.
أنا الإنسانُ وهي الشمسُ العظيمة..
إنه الأسدُ الناري.. أبي العظيم.

شهودٌ بالجذورِ الحيوانيةِ والغريزيةِ،
يتوسعُ.. يتغلغلُ في التكوينِ..
خالقُ الفكرِ وربُّ القلمِ الحارِّ،
يُريحُ الأعصابَ.. يَشفي الأغوارَ،
ويخيطُ لنا طريقاً من حريرٍ..
لتسيلَ الكلماتُ..
تركضُ في تيارِها المتدفقِ
الحرِّ الجاري كأنهارِ الجنائنِ الحلوةِ.

في آبَ يذوبُ الجسدُ.. يذوبُ العقلُ،
وفيه نودعُ لهيبَ الصيفِ..
لتحتضننا أرواحُ الخريفِ الشجيةُ،
حين تخمدُ الحواسُّ.. فنستيقظُ في الذاكرةِ..
نعيشُها.. رجفةً حيةً تعبرُ الجلد.

(أبي... آب)

آب ٢٠٢٦

للحوتِ ثلاثُ عيونٍ،
وقمرٌ في الصّدر يسبرُ الأرواحَ؛
له ذيلٌ مرجانيّ،
وجوقةٌ خلف رأسه
تعزفُ النّايَ وتنشدُ للأحلام،
تخلقُها وتحميهِ لتمتدَّ فيه الحياةُ،
كي لا يغتالَهُ عقلٌ متيقظ!

يَنضَحُ جسده بكيانٍ هديرُهُ جبالٌ ثلجيةٌ،
ويَقطُرُ من جلده ماءٌ يُوحي إليه،
فتتهادى الفكرةُ الملتهبة.. مذيبةً الجبلَ الأبيض.

من ضياعِ شمسه وفقرها يتكونُ الحوت،
يتحرك في الحالي.. يعومُ في الآن،
يخلعُ عنهُ حريرَ المعنى،
فخفيفاً يصيرُ.. شبحيّاً يَبقى،
ويتجلى الجمالُ إجلالاً بهيّاً..
يعرفُهُ ويدركُ النّوايا.

(وحي)

آب ٢٠٢٦

الحوريةُ الجنيّةُ،
تَخُطُّ حُوتَها البريَّ اليقظَ،
النائمَ بعذوبةٍ في يقظتِهِ الأمِّ.
والصيفُ مُوغِلٌ في سِنِّ القلمِ،
وآبُ كالرمالِ الملتهبةِ ذهبيّاً مسحوراً بجلودِ الخلقِ،
والرسالةَ تخطُّها المهووسةُ من إنسانٍ لإنسانٍ.

قلبُها في مصرَ الصارخةِ بالعشقِ،
رأسُها في الشامِ الحانيةِ،
خصرُها في الجزيرةِ العربيةِ،
قدماها في المحيطِ،
وجناحاها من الغربِ إلى الشرقِ.

مفتونةً تهوي بين هديرِ السارحين وهديرِ الموحى إليهم،
والحياةُ في دورتها الجاريةِ تولدُ وتموتُ في داخلِها.
الموسيقى المدماةُ تنفضُ عنها اللفائفَ القرويةَ،
تصيرُ إناثاً بلوريةً يرقصنَ بكاملِ الكليةِ في ذواتِهِنَّ،
بكاملِ الحريةِ الزهريةِ.
يهجرنَ نخيلَ التمرِ،
يتحدنَ في ثمارِ الإجّاصِ وثمارِ الحبِّ الجنائنيِّ،
يخطنَ أوطانَهُنَّ بنضحهنَّ الهيوليِّ،
بأجسادهنَّ المعشبةِ ورقصتهنَّ الشفقيةِ.

العروقُ ياسمينيةٌ،
والعيونُ تعانقُ الغيماتِ بعنفٍ هادرٍ.
تهديها دمعةً من حنينٍ صافٍ،
دمعةً من خلايا الهوى المزهرِ في الأفئدةِ،
تزرعُ بها النجماتُ البراسيمَ،
تزرعُ السلامَ للعالمِ،
وقبلةً على كلِّ خدٍّ وجبينٍ.

(السلامُ أُنثى)

آب ٢٠٢٦

ما من خطوطٍ لمجراها،
مستمرٌّ خفقُها.. دائمٌ زيتُها البَريءُ من الدنس،
ما من نهايةٍ لتأويلِها.. لاحتضانِها؛
هي...
هي لبلابُ المادةِ الخالصة،
والروحُ الحيةُ بغرامِها العذب.

كيانٌ مشعٌّ زكيٌّ،
لا يخمدُ إشعاعُهُ إلا وهو متوقدٌ،
ولا ينطفئُ إلا وهو ساطع.
حرّةٌ مطلقة،
أرجوانيّةٌ بالنَّهارِ،
راقصةٌ باللَّيل،
شجيّةٌ في الذكرى،
شاكِيَةٌ في الحنين.

لها ألفُ لونٍ وانعكاس..
تموتُ النطفةُ وما تصلُها.. ما تمسُّها،
حديقةٌ ما ذابَ فيها فكرٌ طاهر،
لوحةٌ تسرُّ من رأى..
فدتكِ الأفئدةُ يا محبوبة..
مصرُ يا أمي.

في العالي عيونٌ عتيّةُ الفتونِ،
حريريةُ الحسِّ.. حليمةُ الملمسِ،
تنحدرُ من عليائها بوداعةِ الفردوسِ،
مغطاةً بستائرِ الشَّوقِ الجوريِّ،
تنسابُ في مهبِّ الروحِ مطراً حانياً.

تؤمنُ اليتيمةُ الصغيرةُ تحتَ مدفأتِها
بأنَّهما عينا والدتِها الخريفيةِ،
تطلّانِ من سابعِ السماواتِ،
تقبّلانِ الجبينَ، وتستلّانِ الوجدَ.

ويؤمنُ الشاعرُ العازفُ
بأنَّهما عينا محبوبتِهِ الخرافيةِ،
تنفخانِ العافيةَ في جسدِهِ المُنهكِ،
وتملآنِ سريرتَهُ بالعلومِ السماويةِ.

ويقولُ الحكيمُ:
"بل هما عينا إلهٍ جبارٍ ومحبٍّ،
يُحصي الخطايا والفضائلَ،
ويزنُ القلبَ في الميزانِ".

ويقولُ الفلاحُ:
"بل هما عينا النيلِ.. السَّلامُ،
الخصوبةُ الأصلُ.. والمنشأُ"،
يتأمّلُهُما.. فيبذلُ لعينيهِ الأنفاسَ والعرقَ،
ويؤدّي لهما فرضَ الولاءِ..
نجوى الطائعين.

عيونٌ غديرةٌ تتموّجُ في الرؤى..
عيونٌ لا تشبهُ الأعينَ،
تهفو في المنامِ لغوايةِ السارينَ ببطءٍ،
تهمسُ على انفرادٍ:
"تعالَ اقترب..
أُذيبُ عنكَ جدرانَك،
وأصطفيكَ من بينِ حشدِ العالمين".

يُحكى في دارسِ الأساطيرِ الفلكلوريةِ
بأنَّهما أسحرتا ذاتَ سمراءَ شاردةٍ،
فخطَّت على عناقيدِ اللاوعيَّ حتى فرغَ الحبرُ،
وانصهرَ الرصاصُ،
حتى استنفدتِ الدَّمَ وتبخّرتِ العظامُ،
حتى أبصرنا جُناحينِ يرفرفانِ في الغيابِ..
ذهبت ولم تعد.

ما بَذَرنا فِي التُّرَابِ أَدِلَّةً..
فَالدَّلَائِلُ كَلِمَةٌ لَا يَستَصِيغُهَا الصُّوفيُّونَ،
وَلَا يَفهَمُهَا المُطرِبُونَ وَالمُطْرَبُونَ
في مِنديلٍ أَبيَضَ نَلُفُّ مُضَخَّاتِنَا الحَمرَاءَ
وَنُسَلِّمُهَا لِلشَّمسِ:
"عَلَيكِ الرُّوحُ وَالرَّيحَانُ..
عَلَيكِ السَّلَامُ".

نَتَجَهُ مُتَيَّمِينَ نَحوَ لُوتِسِ الكُلِّيَّةِ..
مُستَغرِقِينَ فِي الكَونِيَّةِ العُظمَى،
في الخُضرَةِ المُعشِبَةِ مِن أَحشَائِنَا؛
وَالنُّجُومُ تَعزِفُ النَّايَ بِانفِطَارٍ،
وَطُيُورُ الكَنَارِي تُغَرِّدُ لِلمُحَلِّقِينَ،
لِلأَغصَانِ الغَيمِيَّةِ وَأَحصِنَةِ البَحرِ الكَهرَبَائِيَّةِ،
وَالإِوَزُّ مُنِيرٌ كَالمَلَائِكَةِ.. كَلُؤلُؤَةِ مَحَارَةٍ لَبَنِيَّةٍ.
نَسقِي بِمِيَاهِنَا كُلَّ ظَمآنَ.. كُلَّ فَارِغِ الكُؤُوسِ..
فَارِغِ الإِحسَاسِ.

تَتَلَوَّنُ الكَلِمَاتُ بِلَونِ الحَليبِ؛
أَيُّهَا السَّاقِي.. نَحنُ المُرتَجُونَ،
نَحنُ التَّلَامِيذُ الأحرار؛
تَلَامِيذُ النَّخِيلِ.. وَالأَهرَامِ.. وَالفَلَكِ،
تَلَامِيذُ الوِئَامِ الصَّافِي.
أَيُّهَا السَّاقِي، اسقِنَا شَغَفاً وَمَعرِفَةً،
اسقِنَا رَغبَةً وَإِدرَاكاً.
أَبنَاءُ القَمحِ نَحنُ،
وَأَحفَادُ الحَجَرِ وَالجرَانِيتِ الوَردِيِّ.
اسقِنَا أَيُّهَا السَّاقِي، لَا تَبخَل عَلَينَا مِن فَضلِكَ القَاضِي.

(لُوتسُ الكُلِّيَّةِ)

آب ٢٠٢٦

في شُعاعِ البحرِ الغارقِ في شوقهِ
طائرُ خيزرانٍ مذبوحٌ،
وحزمةٌ من أشجانِ النايِ.

يُقالُ تماهَ في الأمواجِ،
دعِ القمرَ يَسوقُكَ مدّاً وجزراً..
كن موجةً وابتلِع الملحَ،
تمنحكَ الزرقةُ روحها.. توحي إليكَ،
تعيدُكَ إلى بئرِكَ الحاني..
اسلخ عنكَ رداءَكَ وانكشف،
ولحامضِ التوتِ البريّ انحنِ..
تلمسُ القاعَ.. فيستيقظُ الجسدُ بعُنفوانِهِ.

أُفكِّرُ.. عسى أن أُفكِّر
أُفكِّرُ.. كي لا أُفكِّر..
والذهنُ ولادةٌ عقيمة،
تعومُ النطفاتُ كالقناديلِ في الهواء،
كالأنسجةِ المضيئة،
تسبحُ في دواماتِها السمعيةِ
لا أفهَمُها ولا تفهَمُني..
والخلاءُ العبثيُّ يَشكُو:
"مستقلةً.. كاملةَ النضجِ الخديج،
تنفصلُ عن ضلعِها.. تنطقُ بالحرية".
أُفكِّرُ.. ولا أستبين
أُفكِّرُ.. ولا أُطَوِّق.

والذهنُ زنبقةٌ شيطانيةٌ..
شيطانُها مرصعٌ بالأحجارِ الكريمَةِ،
وبمخالبَ من زجاجٍ لوجهينِ متداخلينِ،
شفاهٌ متلألئةٌ وعناصرُ فسيفسائيةٌ.
المحابرُ تغوي غيلانَ الشتاءِ،
والأقلامُ دامعةٌ لفراشاتِ البردِ الوَبَريةِ.

ألتفُ من أطوارِ النغمِ لأطوارِ العقلِ،
بينَ أسنانِ العشبِ وأسنانِ الأيضِ..
حارسةً للهالةِ البحريةِ،
أحفظُ النبضَ فتياً..
غاسلةً السمومَ من التوازنِ..
والقلبُ لوزةً شرقيةً..

جَرِّدي غاباتي أيتها المهجَةُ الشمسية،
أفرغيني من أديمِ البالِ..
من الطينِ النامي وخلاياهُ الزبديّةِ الراقصةِ،
اطلبي العفوَ من سيدةِ الكتابِ تعودُ بيَّ لجذوري،
لغصنِ السنطِ وساقِ القطنِ الأبيضِ..

أيتها العيونُ الشمسيةُ..
المُخمَلِيَّتانِ بشجنِهِما المسحورِ..
اقرئي لي طالعي..
علِّميني عن الأقدارِ المكتوبةِ..
عن طاقةِ النجومِ الفلكيةِ، عن مخلوقِ الوجدانِ..
علِّميني سرَّ التينِ والزيتونِ،
وسرَّ الدرِّ المكنونِ.. علِّميني.

كانَ العصفورُ ها هُنا..
على شرفتي اللبنيةِ يأتيني كلَّ نهارٍ،
قارئي يكونُ قبلَ الغيابِ،
بلمعةٍ في حنجرتِهِ..
وحسٌّ كعصارةِ التُّفاحِ..
شرهٌ بالأرضِ.. ذهبيٌّ إغراءً للظمأِ.

تسافرُ الشمسُ وما يرحلُ..
يستكينُ طيفُهُ فوقَ جفنَيَّ..
وتغريدتُهُ تهويدةٌ فردوسيةُ النسيمِ،
تتغلغلُ كالأعشابِ في البدنِ..
كالدماءِ الجاريةِ..
علِّميني أيتها العروسُ..
علِّميني عن العصفور.

أتأملُ تلاطمَ الأمواجِ في آبَ،
أتشربُ هديرها الموشى برقةِ الشغفِ؛
فلا أكادُ ألمسُ عظامي أو أعي ثُقلها،
تتبددُ وحشتي، وقُدمايَ أسيرتانِ لدفءِ الرمالِ.
والأزهارُ تدعوني لأستريحَ على حِجرِها..
أنسى مَن أنا.. أتخلى عن اسمي وعنواني،
فلا يعودُ شريطي يعنيني.

أوتيتُ شهدَ هديلِ الرّبّاتِ،
فما مَرّت ليلةٌ إلّا أُنزِلَ فيها نورٌ عَليَّ
زخّاتٌ كندائفِ الثلج.. كالأمطارِ المطهِّرةِ
خاطبيني يا أوراقي كأنكِ وَحيُ الإلهِ
ارسمي ملامحي.. همسي بكلمةٍ أو نغمةٍ
مَن غيرُكِ يلملمُ أحشائي من بقاعِ العالمِ..
لينفخَ فيَّ الحياةَ كلَّ يومٍ مع شروقِ الشمسِ؟

منذُها...
ما خذلتني الرّيحُ الحالمةُ العابرةُ وهي تَميسُ فوقَ حقولِ القمح،
ولا تنكّرت لودادي أمّيَ الشمسُ،
تُعلنُ عند كلِّ فجرٍ شهادتَها:
"أشهدُ أنّها ابنتي، وأشهدُ أنّها للدنيا
مِلكٌ وسلطان"،
والغزالُ ما برحَ يطبعُ عطرَ قبلاتِهِ على الملايا،
يُذكّرُنا بالأثيرِ المعهود،
بالحنينِ حينَ كانت كتلةً نلمسُها في النوايا،
في طيوبِ الحالميّة.
ما ناحَت قيثارةٌ نجوىً إلا لسواي،
وما أنضجت غيومُ الصيفِ عِنَبَها إلا لكرومي،
ولا بسطت عرشَها السماءُ إلا لتتباركَ رُؤايَ.

يُقالُ: اندمج في لُجَينِ البَحرِ،
صِر موجةً تَعتَنِقُ الملوحةَ،
لتفيضَ فيك سِعَةُ الأزرقِ وروحُهُ.

يُقالُ: كن ماءً واسكنِ الفخارَ،
تمدَّد حتى الباطنِ، تفرَّع في سدرةِ الذاكرةِ،
في الخَفِيِّ.. الغيبِ الداخليِّ.. اللاَّهيكلِ،
خطَّ الأحرفَ كما ينبتُ العشقُ،
بلا تبيُّنٍ عن بُرهانٍ أو حِكمَةٍ.

(شِفاهُ الحواسّ)

آب ٢٠٢٦

تَتَوغلُ في ذَهبِ آبَ المَبهورِ بِشمسِهِ العَطُوفَةِ،
تُطَهِرُ أغوارَها من آثارِ الثورةِ الشتائيةِ.. الثورةِ القَمَريةِ:
"ليتَ الدَّهرَ ينساني كما ينسى ألوانَهُ الطَّيفية،
وينسى الزَّهرَ وخمرةَ العنب،
ليتَ حبلَ الرُّوحِ ينفرطُ، فأحيا في يديَّ.. لا أموتُ فجراً وعشياً،
تُحرقُ حيرتي كما تُحرقُ السَّمومُ في الصَّيفِ،
ليتَ الأحشاءَ تبتلعُ صاحبَها.. وينقشِعُ الشَّريطُ، ليتَ."

تطبعُ السَّمراءُ قدميها الزَّيتونيتينِ على إيقاعِ الأرضِ المُتَشَبِّعَة،
كطاووسٍ يفرشُ ريشَهُ القرمزيَّ في قلبِ الظَّهيرة؛
ترخي خصرَها المملوءَ بعواطفِ عرائسِ النِّيلِ
على خيطِ الشَّبقِ والدَّوران،
تتماهى مع الرّيحِ ومعَ الغزلانِ
فواحةً بالياسمينِ والرَّيحان،
ناضحةً بموسيقى الذاكرةِ العذبةِ..
عيناها الرُّمَّانيتانِ ما تفيقُ إلَّا هُنا..
في نواةِ الرَّقصةِ الحسِّيَّةِ.
لتغزلَ منها طقساً للغوايةِ وللنجاةِ،
تعويذةً تبتدعُ الأنا..
على منوالِ الجنِّ وممالكِ الأساطير،
تُسلِمُ جلدَها الأسمرَ لشفقةِ اللهبِ،
وتلتفُّ على نفسها كدوامةٍ كونيَّةٍ،
من لبنِ الحُمرةِ إلى زبدِ البرتقالِ،
تبتلعُ ندائفَ الثَّلجِ في صدرِها العشبيِّ،
وتخرجُ من بطنِ الأسدِ..
عاريَةً، كاملةً، ومضاءةً كالنداءِ.

تشتهي الحواسُّ جُنوناً عضوياً،
نارياً، كثيفاً في الأدغالِ الحيوية،
أنّى لشجرةٍ أن تثمر شهوةً، أو لغيمةٍ أن تخطفها؟
كيانًا ديموميًّا متأصِلاً.

تشتهي احتساءَ أعشابِ الكلمة،
أن تحملَ في كفيها الصبابةَ كما تُحملُ التفاحة،
أن يغرِّدَ العصفور كما يغرِّدُ الصميم،
تشتهي ارتشافَ الشغفِ من نهرهِ الرافد،
أن تفيضَ منها الشهوانيةُ.. تقودها للضفةِ الحلمية،
تشتهي أن تُصدِّقَها الحروف،
أن تستوعبَها الأبجديةُ، ألا تحاكمَها فتفنى.

هي...
يستوطنها تمساحٌ غرائبيُّ الوجود،
يلتهمُ أعضاءَها الراجفةَ بالوجل؛
خلقهُ في بطنها الأحبابُ، وقالوا:
"نورثكِ يا مولودتنا قلادتنا المقدسة،
قلادتنا الكريمة.. الحقُّ وحدَهُ لا شريك لها،
صاغها أجدادُ أجدادنا في سَعيرِ الرمال،
لتطلعكِ على كنه ماهيتكِ وعملك،
ترسمُ لكِ طريقاً.. لكِ العذابُ إن لم تسلكيه،
خذيها يا مولودتنا، أماً وابنةً تحمينها من شرور ينابيع الفكر اليافعة،
خذيها واحذري أن تخسريها.. فتخسرينَ الأمان".

هذا التمساحُ الغرائبيُّ
يعيقُ سيلَ أنهارها، يرفضُ تيارها المتدفق،
يمقتُ جناحيها الريشيين الناصعين،
يريدُ لها طيناً وعظاماً يعتريهما الخواء،
يحاربُ لأجل سلطانه.. لبقاءِ ملكهِ وعلياءِ مقامه.
بإشارةٍ يناديها فتسجدُ تحتَ قدميه،
وبكلمةٍ يأمرها فتفديه لآخرِ قطرةٍ من دمها،
يريدُ لها طاعةً عمياءَ تهمشها وتضعفها.

هي..
تريدُ أن تخطَّ ما وراءَ القلم،
ما وراء الاعتراف وكامل الموروثات.
فمن تكونُ يا تُرى:
إن لم يتقاطع عشقُها المتيم بمصرَ مع القدر؟
إن لم تلتصق اللغةُ العربيةُ بروحها ومسقطِ رأسها؟
إن لم يمت خالُها شاباً في قاهرةِ المعز مقتولاً؟
وإن لم تفارق والدتُها يوماً مِصرها الجريحة؟
من تكونُ إن لم يركبها الوترُ أُنثى،
ولم يصطفِها الغيمُ روحاً في خدمةِ الحمامِ؛ سفير الغيوم؟

تطفو نجمةً في فضاءِها الواسع..
تتحركُ كنطفةٍ في كيسِ غرائزها الفطريةِ،
تظنُّ أنَّ خلاصَها في الشُعابِ المرجانية،
في ممارسةِ الحبِّ الحسي معَ المحارِ ودُرِّه.
تؤمنُ أنَّ الغموضَ صوتُها الأصدق،
وأنَّ السرياليةَ حقيقتُها المتفردة؛
لكنها.. إن خُدِشت، تحولت رغوَةً وتبخرت في اللاشيء،
لتُمسي خائنةً للأنا صافيةِ الأديم.. وللبذرةِ النَّقيَّة.

تتطالبُ اليَمامةَ البيضاء:
"خاطبي سِجِلَّ الغيبِ يا محروسةُ،
اقرئي كفيَّ وفنجاني،
اسأليهم عن عنصرٍ مغسولٍ بالنيل،
التحمَ بربِّ النيلِ "حابي".. فتهادى السِستروم،
هوى النغمَ والفرحةَ والطرب..
هوى أرضَهُ الصغيرةَ يعيشُ هادئاً، يترجمُ باطناً مستوراً،
أسكره الفنُّ.. وشاغلته العيون.

اسأليهم يا محروسةُ عن صدرِ بيروت،
عن راحةِ بيروت..
عن مصيرِ طبيعتها؛ القصيدةِ المفتوحةِ على الريح،
تلك الفتنةِ المُلهمةِ للجمالِ العربي.
طمئنينا يا يمامةُ على فراشتنا الزهرية؛
متى تعودُ ربةُ العذوبةِ الأدبيةِ بوحيها؟
ثغرُها في ثغرنا، تملؤنا حباً متواضعاً كفاية لتفيقَ فينا الحياة.
يا يمامتي، تعبُ بيروتَ عفنٌ في نبضِ دنيانا،
اسأليهم يا محروسةُ عن شُعاعِ أحضاننا،
بأيدينا نخطُ الحريةَ العربية،
وبالجمالِ وحدهِ يُمحى التطرف.

أنا يا يمامتي.. مقطوعٌ لساني،
ضائعةٌ في بحاري،
لاأدرِيّةٌ.. أؤمنُ بجهلنا جميعاً،
وبحجمِ نصيبنا الضئيلِ من الكرامة،
والغزيرِ من الموسيقى".

(الغزير من الموسيقى.. القليل من الكرامة)

آب
٢٠٢٦  


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى