هموم نسائية
رغبة في عدم العودة
أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت في نهاية المطاف، ان تتوجه الى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، ضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، احلامها، سهر الليالي والاستيقاظ في الصباح الباكر جدا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها ورائها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة الى المطبخ في صمت لأعداد وجبة الفطور.
كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق. وتتمنى لو امتلكت عصا سحرية تعيد بها الزمن الى الوراء وتعيد كتابة حياتها من جديد..
انتظرت سيارة أجرة، اتجهت الى محطة القطار والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست، تنظر الى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي الى القطار، ربما أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة...تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن. وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، تسمرت رجلاها ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير انساني، وعينهم على القطار. لمحت وجها تعرفه جيدا وأحبته بجنون، وجه اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، في محطات القطار، على الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والصدر الطيب. وقفت، خرجت تجري لا تلوي على شيء تبحث عنه، تاهت من جديد وأدركت أن قدميها تتجهان الى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره، تذكرت دموعها، جرت بشكل هيستيري الى غرفتها وأقفلت الباب بالمفتاح. كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.
صراخ في الليل
ولجت بيتها بعد اجتماع طويل، كانت مرهقة ومحتاجة الى الراحة. اتجهت نحو المطبخ بعدما غيرت ملابسها. مطبخ فارغ لا أثر للحياة فيه، تلك الحياة التي غرستها ورعتها حتى كبرت وتمددت وأصبح لها جذورفي الأرض وفروع ممتدة في السماء. سألته وهومستلق على فراشِه، يشاهد التلفاز وفي نفس الآن يحرك هاتفه بين يديه، عن الأكل وخصوصا أنها خرجت مسرعة هذا الصباح بعدما حضرت الغذاء بسرعة جنونية. أجابها دون النظر اليها" كيف تجرئين على طرح هذا السؤال وأنت عائدة في هذه الساعة المتأخرة من الليل" أدركت انه يستعد لحرب نفسية أخرى. فهي منذ ولوجها عالم السياسة وانخراطها، تغير تماما وأصبح كالثور الهائج كلما حضرت متأخرة أو كانت في اجتماع. تركته وانصرفت لأنها غير مستعدة لحرب أعصاب جديدة. لم يعجبه صمتها. قام بعنف شديد، واتجه نحوها. كانت تعد أكلا سريعا وترغب في النوم. قال لها والعنف يتطاير من عينيه "لم يعد يعجبني هذا السلوك. ولا تهتمي بما أقوله. هل صرت غير مهم في هذا البيت؟" ما كانت تخافه حصل. جلست ووضعت أكلها جانبا وقالت له بكل هدوء محاولة امتصاص غضب اللحظة واحضار العقل وقالت له" لا أفهم لماذا تغيرت بهذا الشكل؟ أنت رفضت الاستمرار مع هذا الحزب وقدمت استقالتك. واحترمت قرارك مع أنني ضده. وأنا رغبت في الاستمرار. أين هي المشكلة؟ مع أنك تعلم حقيقة التزاماتي. " ثار من جديد، أخذ أدرع المطبخ ذهابا وإيابا، وضرب بقوة على المائدة وقال لها" الوضع تغير يا سيدتي، أنا لما قدمت استقالتي كنت أنتظر أن تساندينني وتخرجين من الحزب أنت أيضا." لم تعد تمتلك أعصابها، كانت تكره هذه اللحظة التي صارت تجتازها كل مساء بكل حزن وعنف وصراخ. لم تأكل كالعادة، ولم تنعم بالراحة كالعادة. قالت له" ما هذه الازدواجية في تفكيرك وسلوكك. لما كنا معا، كنت تنادي بكل قوة وتعاتب الرجل الذي لا يسمح للنساء بالانخراط في العمل السياسي ويقف أمام طموحهن. ولما اخترت طريقا آخر، تحولت الى ذلك الرجل الذي كنت ضده. أريد أن أفهم لماذا؟".
انهارت وتركت المطبخ الذي كانت تتمنى أن تجد فيه أكلة بسيطة لكن مليئة بالحب والعطاء كما تفعل هي كل يوم.
عنف آخر النهار
كان صباحا مزدهرا، تشع أنواره من كل جانب. تتدفق الحياة بين جدران بيتها الصغير، تخلخل كل سكون وتجعل روحها ترقص من الفرحة. كان أول يوم عطلة، استيقظت باكرا كالعادة، استقبلت أشعة الشمس التي تأتي تلامس جسدها وروحها وتمنحها طاقة قوية كأنها على موعد مسبق معها. قررت في ذلك اليوم، أن تبدأ بأشغال البيت الكثيرة التي تراكمت منذ مرضت السيدة التي كانت تساعدها. عانت كثيرا من ثقل الحمل عليها، عمل خارج البيت وعمل شاق بالبيت. في البداية، كان يقول لها، بأن أشغال البيت واجب على الرجل أيضا. كانت فرحة بهذا التفكير الذي يجعلها تعيش حياة مريحة. لكنه مع مرور الوقت، تحول الى زوج تقليدي، لا يهمه من اشغال البيت شيء. صبرت وقالت ربما سيتغير، لكن اصطدم صبرها بواقع رفضت يوما أن تراه بلا قناع. ففضلت الابتعاد عن المشاحنات، وأصبحت تحاول قدر الإمكان، أن توازي بين عملها بالخارج وبالبيت. قامت ذلك الصباح، وبعد يوم شاق، ارتاحت قليلا، ثم قامت مرغمة تعد وجبة الغذاء. تعب طول النهار، عرق وألم في رجليها من كثرة الوقوف. لكنها نجحت في مهمتها، وأعدت وجبة الغذاء في وقتها. لأنه لا يحب أن يتأخر عنه الأكل. وضعت ما أعدته بكل فرح، وهي تحكي له عن يومها المتعب. نظر اليها دون أن يأكل "ما هذا؟" وأضاف بكل عنف "لا يفتح الشهية" وقام، والغضب يتطاير من عينيه. ظلت صامتة، الدهشة تستوطن كل ملامحها. تاه عنها الكلام. لم تحك له عن يومها الشاق. لم يسألها عن حالها. لم تفهم، لم تدرك، فقط همست لروحها "تعب طول النهار، وعنف في آخر النهار.".
