هل يجوز التوسل
تتوق أرواح المؤمنين دائمًا إلى أبواب القبول، وتشرئب أعناقهم نحو علياء الملكوت، باحثين عن أقصر الطرق وأزكى الوسائل لنيل الرضا وقضاء الحوائج. وفي رحاب الدعاء، يبرز تساؤل يفيض بالحب والرجاء: هل يجوز لنا أن نجعل من نبي الرحمة وآل بيته الأطهار "وسيلة" نتقرب بها إلى الله؟
من الكتاب والسنة ومشايخ الأزهر الشريف.
أولاً: في رحاب القرآن الكريم.. الوسيلة والابتغاء:
يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلةَ". والوسيلة في لغة العرب هي كل ما يُتقرب به إلى الغير، وفي حضرة الله، أعظم الوسائل هي الأعمال الصالحة، ومن أسمى الأعمال حب النبي ﷺ وآل بيته، فالتوسل بهم هو في جوهره توسل بمكانتهم عند الله وحبنا الصادق لهم.
كما يشير القرآن إلى شفاعة النبي واستغفاره للمؤمنين كبابٍ للرحمة: "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا".
ثانياً: شواهد السنة.. نورٌ يستضاء به:
لم تكن السنة النبوية غائبة عن هذا المشهد الروحاني، فقد روى الإمام الترمذي وغيره قصة "الرجل الضرير" الذي جاء إلى النبي ﷺ يطلب منه الدعاء ليرد الله بصره، فعلمه النبي أن يدعو قائلاً: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي..".
هذا الحديث يضع أصلاً للتوسل بذات النبي ﷺ ومقامه، وهو ما سار عليه الصحابة؛ كفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استسقى بالعباس بن عبد المطلب (عم النبي) قائلاً: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا".
ثالثاً: مدرسة الأزهر.. عراقة المنهج ووسطية الفكر:
يميل مشايخ الأزهر الشريف، عبر تاريخهم الطويل ومناهجهم الأشعرية، إلى القول بـ جواز التوسل بالنبي ﷺ وآل بيته. ويرون أن هذا ليس من قبيل الشرك -كما قد يظن البعض- بل هو اعتراف بفضل هؤلاء الكرام عند خالقهم.
المنطق الأزهري: التوسل ليس دعاءً لغير الله، بل هو دعاءٌ لله "بجاه" من يحبهم الله. فالمسلم حين يقول "اللهم إني أتوسل إليك بنبيك"، فهو يعتقد اعتقاداً جازماً أن النافع والضار هو الله وحده، ولكن النبي هو باب من أبواب الرحمة فتحه الله لعباده.
حب آل البيت: يرى علماء الأزهر أن آل البيت هم بضعة من النبي، ومحبتهم وصية قرآنية (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، لذا فإن التوسل بهم هو توسل بصلتهم برسول الله وبصلاحهم وتقواهم.
إن التوسل بالنبي وآل بيته ليس إلا "ترانيم حب" يصعد بها العبد إلى خالقه، مستشفعاً بمن اصطفاهم الله وطهرهم تطهيراً. هو أدبٌ مع الله، واعترافٌ بالتقصير، واستعانةٌ بأهل القرب لعلّنا نُقبل في ركابهم. فما كان التوسل يوماً صرفاً للعبادة لغير الله، بل هو غرقٌ في توحيد الله مع تعظيمِ ما عظّم الله.
كما قلنا من حديث عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في. والحديث صححه الألباني
مدلولات ونصوص فتاوى دار الإفتاء المصرية (المظلة الفقهية الكبرى في مصر والأزهر) حول مسألة التوسل بالنبي ﷺ وآل بيته، وهي فتاوى تعكس المنهج الأزهري الوسطي المستقر:
1. فتوى دار الإفتاء في مشروعية التوسل (الأصل العام)
تنص دار الإفتاء المصرية في تأصيلها لهذه المسألة على أن:
"التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مستحبٌّ، وهو أحد طرق الدعاء، وباب من أبواب التوجه إلى الله عز وجل، وقد جرى عليه المسلمون سلفًا وخلفًا، ولم يفرقوا في ذلك بين حال حياته صلى الله عليه وآله وسلم وبين انتقاله إلى الرفيق الأعلى."
الاستدلال: استندت الدار إلى أن القائلين بالمنع يخلطون بين "الوسيلة" وبين "العبادة"، فالمؤمن لا يعبد النبي، بل يتوسل بجاهه إلى الله الخالق.
2. التوسل بآل بيت النبوة (الأولياء والصالحين)
في فتوى رسمية حول التوسل بآل البيت والأولياء، جاء في نصها:
"يجوز التوسل بالأنبياء والصالحين، وهو في الحقيقة توسل بمحبة الله لهم، وتوسل بأعمالهم الصالحة التي نالت بها هذه المنزلة عند الله. فمن قال: (اللهم إني أتوسل إليك بفلان)، فكأنه يقول: (اللهم إني أتوسل إليك بحبي لفلان، وبمنزلته عندك)، وهذا مشروع ولا حرج فيه."
3. التفريق بين الدعاء و التوسل
تحرص دار الإفتاء في فتاواها المعاصرة (مثل فتاوى الدكتور شوقي علام والدكتور علي جمعة) على ضبط المفاهيم بدقة:
الدعاء: هو العبادة، ولا يكون إلا لله وحده.
التوسل: هو "واسطة" لسرعة استجابة الدعاء من الله.
النص: "المسلم حين يسأل الله بجاه النبي، فهو يعتقد أن الله هو المعطي وهو المانع، وأن النبي ﷺ واسطة وسبب، والتعلق بالأسباب لا ينافي التوحيد."
4. الرد على شبهة الشرك
ردت الدار بوضوح على من يتهم المتوسلين بالشرك قائلة:
"رمي المسلمين بالشرك بسبب التوسل هو مسلك الخوارج الذين ضيقوا واسعاً. فالتوسل ليس نداءً لغائب يعتقد فيه النفع والضر من دون الله، بل هو استشفاعٌ بالمحبوب عند المحب، والله يحب نبيه ويحب آل بيته، فمن سأل الله بحبهم فقد سأله بما يحب."
حكم التوسل: جائز ومشروع ومستحب.
الهدف: التقرب إلى الله بذوات فاضلة لها مكانة عنده.
الشرط: أن يظل الاعتقاد راسخاً بأن الله هو الفاعل والمجيب وحده.
النطاق: يشمل الأنبياء، وآل البيت، والصالحين، والأعمال الصالحة.
