نافذتي… وحكايات شجرة الشمام
نافذتي… وحكايات شجرة الشمام مررتُ بنافذتي في حلمي…
لا أدري أكنتُ في الحلم، أم أن الحلم هو الذي أعادني إلى هناك.
وقفتُ أمامها كما كنتُ قديمًا، فوجدتُ الزمن جالسًا على حافتها، يلوّح لي بما خبّأته السنوات. كان زجاجها يلمع بندى الفجر، وخلفها كانت شجرة الشمام تمدُّ أغصانها، كأنها لم تكبر يومًا، وكأنها ظلت تحرس طفولتي طوال هذه السنين.
في الأسحار، كان صوتٌ يدقُّ على أبواب السكون، وصقيع الفجر ينساب على أطراف النافذة، فأرى جنيّات طفولتي يخرجن من بين ظلال الذاكرة، يركضن ويضحكن، ثم يختبئن خلف أوراق الشجرة.
وكان القرآن يرافق سحوري، ينساب صوته في عتمة الليل كجدولٍ من نور.
ثم يأتي همس أمي:
«جهزتي السحور؟
الفجر قرب…
بسرعة، بسرعة».
فأركض، ويركض معي العمر كله.
ومن مكانٍ قريب، كان صوت المذياع يملأ البيت دفئًا، ثم تأتي أم كلثوم:
«ودارت الأيام… ومرت الأيام…»
فتدور الأيام فعلًا، وتفتح الذاكرة أبوابها القديمة.
ثم يأتي صوتها:
«سلّم… سلّم، وخد إيدي في إيديه…»
فتأخذنا أم كلثوم من نافذتنا إلى النجوم، نعبر المجرة، ونقترب من القمر، حتى نكاد نلمسه بأطراف أصابعنا.
وكان القمر يومها قريبًا…
بلون الزهور.
وكأن السماء أمالت وجهها إلى نافذتنا، لتشاركنا السهر.
ثم يطلع الصباح، صباحٌ جوريّ، وتبدأ الحياة في الشارع؛ أناسٌ تمر، وخطواتٌ تعبر، وعيونٌ ترسل رسائلها الصامتة، ثم تمضي.
أما شجرة الشمام، فكانت تبقى.
تحتفظ بأسرارنا بين أوراقها، وتخفي ثمارها كأنها تخبئ قلوبًا صغيرة من يد الزمن.
وأنا، من خلف النافذة، كنت أراقبها وأكبر.
كبرتُ أنا، وبقيت الحكاية.
تبدلت الوجوه، وتباعدت الخطوات، وخفتت أصواتٌ كانت تملأ البيت، لكن الشجرة ظلت شاهدةً على كل شيء.
واليوم، حين مررتُ بنافذتي في حلمي، لم أجدها نافذةً على الطريق…
وجدتها نافذةً على عمري.
وجدتُ أمي هناك.
وجدتُ القرآن، والمذياع، وأم كلثوم، والقمر، وصقيع الفجر، وصباحي الجوري، وطفلةً صغيرة تقف خلف الزجاج، تمد يدها نحو النجوم.
فهمستُ لها:
كبرنا يا صغيرتي…
لكن نافذتكِ ما زالت مفتوحة.
وما زالت شجرة الشمام تحكي.
وما زالت الأيام تدور…
وما زال الحلم يعرف الطريق إلى البيت
