متعة العودة إلى كتاب قديم
متعة العودة إلى كتاب قديم «يوميات نائب في الأرياف» - لتوفيق الحكيم نموذجا
عندما أعود إلى كتاب قديم لا يقودني الحنين وحده، بل اختبار صامت أستكشف فيه ماذا تغيّر في ذاكرتي حتى صرت أقرأ الصفحة نفسها بعين مختلفة. رواية توفيق الحكيم – يوميات نائب في الأرياف - تحمل قابلية كبيرة لإثارة نقاش شيق حول صدى العودة وملابسات الحياة الاجتماعية ارتباطا بالعدالة وبيروقراطية الإدارة في أرياف مصر.
في مدخل الرواية تساءل الحكيم: لماذا أدون حياتي في يوميات؟ ألأنها حياة هنيئة؟ كلا إن صاحب الحياة الهنيئة لا يدون. هل إنما يحياها؟ إني أعيش مع الجريمة في أصفاد واحدة أنها رفيقي وزوجي. أطالع وجهها في كل يوم. ولا أستطيع أن أحادثها على انفراد هنا في هذه اليوميات أملك الكلام عنها وعن نفسي. وعن الكائنات جميعا أيتها الصفحات التي لن تنشر. ما أنت إلا نافذة مفتوحة أطلق منها حريتي في ساعات الضيق."
على ظهر الغلاف نقرأ:
يوميات نائب في الأرياف من أشهر روايات الأدب العربي الحديث التي تعرضت لواقع الريف وحياة الفلاحين في مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، وما يتعرضون له من ظلم وإهمال في ظل الجهل والفقر والمرض، عقب صدورها بوقت وجيز للغاية، ترجمت “يوميات نائب في الأرياف”، إلى الإنجليزية والفرنسية، وكتب عنها الناقد الفرنسي ريمون فرنانديز:
“إنها صورة حية، ساخرة، قاسية أحيانا لدنيا الريف المصري، وإن هذه الدنيا لتتحرك في صفحات هذا الكتاب في حيوية مدهشة تجعل القارئ ينسى أحيانا المقاصد الإصلاحية التي حركت توفيق الحكيم، لكن الذي يعلق بذاكرة القارئ هو قوة السرد والخلق والصدق ودقة الملاحظة والقدرة على إدارة القصة، غير أن توفيق الحكيم إنما يكتب ليحتج وينتقد ويتهم”
الراوي في “يوميات نائب في الأرياف”، غريب عن القرية التي ينتدب للعمل فيها، فرضت عليه ظروف الحياة أن يكون موجودا في الأرياف، ويومياته التي يعرض من خلالها الأحداث تكاد تكون مرتبطة بأحداث وحياة المؤلف الخاصة التي لم يستطع تجاوزها."
وقد خصص الناشر الصفحات 135-136-137-138 في نهاية الرواية لعرض الصدى الإيجابي للرواية وما أحدثته في نفوس قراء أجانب بلغتهم ونقل أراء النقاد الأوروبيين نقتبس للقراء ما جاء فيهما:
تحت عنوان “نائب في ريف مصر” علق الكاتب الصحفي الفرنسي المشهور “جان لاكوتور” على الطبعة الأخيرة من الترجمة الفرنسية ليوميات نائب في الأرياف” في باريس في مقال نشرته صحيفة (الموند) بتاريخ 15 يناير 1975 قال:
في توفيق الحكيم يتغلب الكاتب القصصي والشاهد قوى الملاحظة، خفيف الروح، مع أقدم مدنية قامت على الزراعة.
والكتاب هو تحفته التي أخرجتها دار مصرية للنشر منذ ثلاثين عاما، يقدمه “جاستون ويت” و” سليم حسن” في الثوب الأنيق المعهود وبعنوان “يوميات نائب في الأرياف” لكن بعد شيء من التعديل. لست أدرى لماذا؟!
على أن مدير النشر “جان مالوري” كان موفقا تماما عندما نشره في مجموعة الإنسانيات ليجاور توفيق الحكيم خلاصة الكتاب الذين كتبوا في هذا المجال فالكتاب هو قبل كل شيء وثيقة أنثروبولوجية عظيمة وصورة من أكثر الصور أمانة، وأبلغها تأثيرا، لمجتمع القرية في مصر بسماته وملامحه بحماقاته وروح التكافل التي تثير الإعجاب فيه خلافاته، وتماسكه وإخلاصه لكل هذه السمات فيه من زمن بعيد.
ولأن توفيق الحكيم متفائل في سخريته، ولأن مصريته من العمق بحيث يمكنه أن يجد في أقسى صور الشقاء أسباباً للضحك، فإن يومياته هذه يمكن أن تعتبر من الأدب الفكاهي الممتاز إنها تذكرنا بأعمال (تشيكوف) و(جوجول). تحقيقاته الجنائية من قرية إلى قرية هي مزيج من النكتة وتقطيب الوجه وأحياناً ضربات العصا روح الفكاهة طبع أصيل والتعليق اللاذع أسرع من رد الطرف!
في أغوار شقائهم يبدأ أولئك الناس البسطاء بالضحك من معذبيهم وقبل أن يتناولوا الحبل الذي سيشنقونهم به.! فإذا ضحكنا معهم، ومع المؤلف وطوينا الكتاب فإننا نأخذ نستشعر شحنة الغضب والرفض التي ضمنها النائب توفيق وثيقته!
الكتاب مؤلم بما يذكره صراحة وما يترك لك أن تفهمه. كذلك المقدمة القصيرة التي كتبها المؤلف لهذه الطبعة الأخيرة (وهو قد كتبه عام 1940) وحيث يقول إن شيئا لم يتغير بعد لدرجة تذكر في ذلك العالم الغارق في الوحل حتى الاختناق!
والكتاب هام جدا لأن الكثير في مصر، وعن الحقيقة، تجده في تلك اليوميات الحية أكثر كثيرا مما يمكن أن تجده في كتب سياسية تصدر عن ذلك الشعب الفريد في وأدى النيل. والذي يبدأ عادة بالضحك من مصائبه لكنه في النهاية يجد الوسيلة التي يسترد بها الحياة!
ونسوق أيضا مقتطفات من النقد الإنجليزى:
يعتبر توفيق الحكيم أكبر الروائيين المصريين الأحياء، و(يوميات نائب في الأرياف) هو أول كتبه التي نقلت ونشرت في اللغة الإنجليزية. ما أعجب وأصدق كل هذا الذي في الكتاب! إنها المهزلة الخالدة التي تصور فساد الإدارة الحكومية وعجز النظم الإدارية عن تحقيق العدالة بين جموع الفلاحين: إن تصوير توفيق الحكيم لرجال الإدارة وانشغالهم بالحملة الانتخابية عن واجبهم لينطوي على أكثر من مجرد الاستنكار. وإن في تصويره للعبث بالجثث لأكثر من مجرد الاحتجاج.
وكما حدث في القرن التاسع عشر مع الكتاب الروس، وكما حدث مع كاتبنا الإنجليزي «ديكنز» يشعر الأديب مرهف الحس وسط الاضطراب وفي أجواء الظلم أن الشفقة على المظلومين لا تكفي، وأن الغضب على الظالمين لا يجدي، فيتخذ من السخرية اللاذعة سلاحاً لتحقيق ما يهدف إليه من التنبيه والتحذير والإصلاح. وقد كان توفيق الحكيم في هذه الناحية رائعاً، فقد زخر كتابه بالسخرية اللاذعة ولكنها سخرية اتخذ منها سلاحاً للهجوم...». (ب. هـ. نيوباي) مجلة «ذي لسنر» 7 غشت سنة 1947.
«... «يوميات نائب في الأرياف» ترينا الفقر والظلم في الريف المصري وما يلقاه أبناؤه من عنت وعسف من جانب الإدارة بسبب تطبيق نظم لم تراع عند وضعها أحوالهم وظروفهم، صيغت في قالب ذكريات موظف حكومي مصري يعمل في سلك القضاء. إن المرارة والسخرية التي رسم بهما توفيق الحكيم هذه الصور لا يمكن أن تنسى».
(د. س. سافاج) مجلة «سبكتاتور» 18 يوليو سنة 1947
مقتطفات من النقد الفرنسي:
«... هو ديكنز وادي النيل... بل هو «كورتلين» أيضا. لأن روح الفكاهة في تصوير مجالس القضاء تجدها عنده كثيرة بطرق منوعة. فالكتاب مليء بالصور المرسومة بريشة السخرية، والمأساة فيه رابضة في جو مفعم بالأسرار. على أن الأشخاص الشعبيين ومن يعيش في محيطهم من آدميين هم الذين عنى المؤلف بخلقهم خلقا نابضا مؤثرا. إن «كورتلين» المصري، وهو ـ والحق يقال ـ أعمق شاعرية من كاتبنا الفرنسي، يثور لهذه الفوضى التي نتجت في الريف المصري، وإن توفيق الحكيم قد استخرج من كل ذلك الحجج التي تحتم الإصلاح». «وهذه ليست كل صفات هذا الكاتب الذي يعتبر ممثلاً لأدب مصر المعاصرة».
(أندريه روسو) «فرنسس الستراسيون» 29 أبريل سنة 1950
«... إنها صورة حية، ساخرة، قاسية أحياناً لدنيا الريف المصري... وإن هذه الدنيا لتتحرك في صفحات هذا الكتاب في حيوية مدهشة تجعل القارئ ينسى أحياناً المقاصد الإصلاحية التي حركت توفيق الحكيم... فإن الذي يعلق بذاكرة القارئ هو قوة السرد والخلق والإبراز والصدق ودقة الملاحظة والقدرة في إدارة القصة، على أن توفيق الحكيم إنما يكتب ليحتج وينقد ويتهم».
(رمون فرنانديز) جريدة «ماريان» 9 غشت سنة 1939
والحقيقة التي يجب أن تقال بعد القراءة والتأمل أن مجمل هذه الشهادات النقدية العالمية المقتطفة من كبار النقاد الفرنسيين والإنجليز (أندريه روسو وفرنانديز) تؤكد على عبقرية توفيق الحكيم في الجمع بين الفن الخالص والرسالة الإصلاحية. فبينما يرى "روسو" أن الحكيم تفوق بـ شاعريته حتى على نظرائه الفرنسيين في تشريح "الفوضى"، يركز "فرنانديز" على أن براعة السرد وقوته تجعل القارئ ينغمس في حيوية العمل الفني لدرجة نسيان هدفه الإصلاحي المباشر، مما يرفع العمل من مجرد "احتجاج اجتماعي" إلى مصاف الأدب العالمي الخالد. وعلى صعيد آخر تُظهر هذه النصوص كيف استقبل النقد العالمي (الإنجليزي والفرنسي) رواية "يوميات نائب في الأرياف"، حيث تم تشبيه توفيق الحكيم بعمالقة مثل ديكنز وكورتلين. تبرز الاقتباسات قدرة الحكيم على تحويل "المأساة" و"الظلم الاجتماعي" إلى سلاح نقد بليغ باستخدام السخرية اللاذعة، وهو ما يتقاطع مع اهتماماتك السابقة في تحليل الأدب الذي ينقد الفظاظة والفساد الاجتماعي.
