الثلاثاء ١٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم حلمي الزواتي

طه عاشِقُ البَحْرِ وَالزَّيْتون «1»

كَالبَرْقِ بِلَيْلٍ غائِمْ
مَرَّ وَفي كَفَّيهِ نُجومٌ مُطْفَأَةٌ
تَنْتَظِرُ عُيونَ امرَأَةٍ تَحتَضِنُ البَحرَ وَراءَ المَجْهولْ
طهَ! إِجْلِسْ يا وَلدي!
قالَتْها أمٌّ، والقَلْبُ ذَبيحٌ
يَتَلوّى في ريحٍ عاصِفْ
كَلماتٌ تَتَكَسَّرُ وَحُروفٌ ناضِجَةٌ كالحُبِّ الدَّافِئ
كالشَّمسِ المُشرِقَةِ على زَهْرِ الحِرْمانْ
كَأنَّ الكَلِماتِ نُجومٌ تَسْبَحُ في بَحْرِ العَينَيْنْ
وَالأَمَلُ الذَّاهِبُ في المَجْهولْ
يَتَنَسَّمُ رائِحَةَ العُشْبِ البَرِّيِّ
ويَسبُرُ عُمْقَ البَحْرِ
ويبحثُ عن طَيْرِ الثَّوْرَةِ في أَحْضانِ الشَّمْس
وَكَلِماتِ المَوَّالِ البَلَدِيْ
طه! يا وَلدي، اجْلِسْ!
يَتلاشى الحُلْمُ الدَّمَوِيْ
يَتَلاشى حُلمُ الأُمِّ
ويَسترجِعُ هذا العالمُ كُلَّ خَفاياهُ
ويَكبُرُ طهَ هذا الطِّفْلُ
هذا المارِدُ يَكْبُرُ
يَكْبُرُ كَالتِّينِ البَرِّيْ

ماتَتْ بَيروتُ مِراراً، حَلُمَتْ
ذَهَبتْ للبَحْرِ وَقالتْ كُلَّ الأسْرارِ الدَّمَويَّهْ
غَسَلتْ آثامَ البَشَرِ المُكْتَنزينَ الغَيْظِ
ابتسمَتْ للأَرْزَةِ والزَّيْتونْ
وَكانَ "الزَّعْتَرُ" غَيْماً وَرَصاصاً وَقَنابِلْ
كانَ "الزَّعْتَرُ" طِفْلاً يَلقُمُ ثَدْيَ امرَأةٍ ماتَتْ بِرصاصِ الغَدْر
وقَرارِ التَّنظيمِ السِّرِّيْ
لَمْ يَسقُطْ طهَ رَغْمَ الحَرْبِ
ورَغْمَ القَصْفِ
ورَغْمَ القَتْلِ العَلَنِيْ
طهَ لَمْ يَسْقُطْ
كانَ يَموتُ بَطيئاً
كانَ يُمارِسُ ألوانَ الحُبِ العُذْرِي

وَتَمُرُّ الأيامُ سَريعاً
يَكْبُرُ طهَ
يَكْبُرُ، يُصْبحُ كَالزَّيتونِ الرُّومِي
يَتَوهَّجُ قَمَراً غَجَرِيًّا
يَتَأهَّبُ للتِّرْحالِ وَللسَّفَرِ الأَبَدِيْ
طهَ يَكْبُرُ...يَصْغُرُ
يَتَرَدَّدُ كَالصَّوْتِ المَذبوحِ بِسِكِينٍ أَزَلِيْ
يا طهَ لا تَحْزَنْ، لا تَقْلَقْ
إنَّ العالَمَ كَفَّاكَ وَنَعْلاكْ
وَيافا تَكْبُرُ بَيْنَ يَدَيْكْ
وأَرْضُ فِلسطينَ مِنَ "الماءِ إلى الماءِ"
زُهورٌ وَزنابقُ بَيْضاءَ
رَصاصٌ أَحْمَرُ مِنْ عَيْنَيْكْ

يُسْتَشْهَدُ طهَ هذا الوَلَدُ الصَّفْصافُ،
اللَّوزُ، وَنورُ الشَّمْسِ، وَأشكالُ الحَرْفِ العَرَبِيْ
يُسْتَشْهَدُ طهَ، يُولَدُ مِنْ رَحْمِ الأَرْضِ
ويَحْلُمُ بِالزَّهْرِ الأَحْمَرِ وَالزِّيِّ البَدَوِيْ
يُولَدُ مِنْ ضِلْعي الآنَ
وَيَخْرُجُ للثَّورَةِ "جيفارا" و"الرَّبَذِي"
يُسْتَشْهَدُ طهَ، يُولَدُ،
يَعْرِفُ أنَّ حُدودَ فِلِسطينَ مِنَ "المَاءِ إلى المَاءِ"
إلى وَجَعِ المَحرومينْ
إلى جَسدِ الثورةِ والنَّفطِ العَرَبِي

طهَ يَنْسى الأَلْقابَ وَيَنْسى الأَنْسابَ
وَيَنْسى أشياءً شَتّى، مِنْها:
أصْلُ الثَّوْرَةِ، وَالإنْسانْ،
ورائِحَةُ الدَّمِ النازِفِ من رُوحي،
وشُواءُ اللحْمِ البَشَرِيْ
وَيَنْسى أخبارَ العَسَسِ الليْليِّ وَأزْهارَ الرُّمانْ
طهَ، يا وَلَدي!
أَخْبِرني كَيْفَ يَموتُ الزَّيْتونُ،
وَكَيْفَ نَعيشُ الحُزْنَ الأَبَدِيْ؟
أَخْبِرني يا وَلَدي!
إِن رِجالَ أَبي جَهْلٍ خَلْفَ ضُلوعي
زَرَعوا الحِقْدَ الدَّمَوِيَّ،
فَأَخْفَيْتُ يَدي مِنْ أَسْيافِ الحُكْمِ القَبَليْ

طهَ، يا وَلَدي!
ما زِلْنا نَأكُلُ بِالإثْمِ طَعامَ الثَّورَةِ وَالأَيْتامْ
ما زِلْنا نَسْرِقُ بِالجُمْلَةِ أَقْواتَ الأُمَّهْ
نَتَعاطى أَوْجاعَ المَحْرومينَ نَبيذاً عَتَّقَهُ النِّسْيانْ
ما أَسْوأَ أَنْ يَبقى الإِنْسانُ بِلا وَطَنٍ عُرْيان؟
يَتَقاذَفُه القَوْمُ
يَنوءُ حَزيناً حَيْرانْ
طهَ، يا وَلَدي!
أَخْبِرْ "عَمْروشَ فَلِسْطينَ"
بِأَنَّ الثَّوْرَةَ ْ تاهَتْ وَالقَلبُ حَزينْ
أَخْبِرهُ بِأنَّ فِلِسطينَ الآنَ تُحارِبُ حافِيةَ القَدَمينْ
أَخْبِرْهُ بِأنا ما زِلْنا – نَحْنُ – كَما كُنَّا
لا شَيْءَ تَجَدَّدَ فينا غَيرُ القَتْلِ وَذَبْحُ الإِنْسانْ.

(1) كتبت هذه القصيدة قبل 45 عاما، وبالتحديد يوم 12 حزيران 1981، في تأبين طه، الطفل الوحيد للاجئ فلسطيني اقتلع من أرضه خلال النكبة عام 1948، وسكن منطقة سن الفيل في بيروت، حيث عمل حارس بناية ينام مع طفله طه وزوجته أسفل سلمها. زرت هذه العائلة صدفة في مكان اقامتها يوم 21 آب 1975. وخلال الحرب الدموية في بيروت التي اشتعلت في ذلك العام واستمرت عشر سنوات قتل هذا الطفل، وقتل معه حلم أمه بأن يكبر وينقذ العائلة من شظف العيش الذي لازمهم منذ النكبة. وما اشبه اليوم بالبارحة. النكبة مستمرة! ترجمت هذه القصيدة حديثا الى الإنكليزية وظهرت في مجموعتي الشعرية “Rhymes of Blood and Jasmine” المنشورة حديثا عن دار داراجا للنشر في كيبك، كندا. www.darajapress.com


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى