سيرة نُباح كلب في شوارع القاهرة
وُلدت تحت سيارة لا أعرف لونها.
في البدء لم أر القاهرة، بل سمعتها. كانت تصلني من تحت الحديد على هيئة رجفة طويلة: أبواق، شتائم، وقع أقدام، نداءات باعة، وصرير فرامل يشبه صرخة معدنية لا تموت. كانت أمي تحيطنا بجسدها وتمنحنا، إلى جانب اللبن، درسا أول في البقاء: لا تثقوا بما له عجلات، ولا بما له يد، ولا بما يبتسم كثيرا.
كنا خمسة. أنا، وأربعة احتمالات أخرى للموت.
أبي لم يكن يسكن معنا، بل كان يمر علينا مثل شائعة. يأتي في الليل، مشقوق الأذن، مكسور النظرة، مشبعا بروائح الشوارع البعيدة والقتال والخوف. يقف قليلا، يشم أمي، ينظر إلينا كما لو أنه يعد خسائره، ثم يرحل قبل الفجر. لم أفهمه وأنا صغير. ظننته قاسيا. لكنني حين كبرت أدركت أن بعض الآباء لا يغيبون لأنهم لا يحبون، بل لأن المدينة أضيق من أن تتسع لحب كامل.
خرجت إلى الشارع لأول مرة فظننت أن العالم حادث مستمر.
القاهرة لا ترى من أسفل كما يراها البشر. من أسفل، تبدو المدينة غابة من الأرجل، ومقبرة متحركة من العجلات، وسماء محجوبة بلا رحمة. الناس هنا لا يمشون، بل يفرون من شيء لا أراه. حتى الواقفون يبدون كأنهم في عجلة. كل وجه يحمل مهمته، وجوعه، وإهانته القديمة، وشتيمته المؤجلة. وأنا، جرو لم يكتمل خوفه بعد، كنت أتعلم أن أعبر بين الأقدام كما يعبر الفقير بين المصالح. منحني الظهر، حاد الحواس، مستعدا للاعتذار حتى لو لم يفعل شيئا.
كان أخي أسرعنا. لهذا مات أولا.
رأى رائحة على الجانب الآخر من الطريق، فركض إليها كما يركض المؤمن إلى وعد صغير. لم تلحقه أمي، ولم تلحقه الحياة. فقط سبقته عجلة ميكروباص. لم أسمع نباحه كاملا، بل نصفه. النصف الآخر ابتلعته القاهرة، كما تفعل دائما بما لا وقت لديها لتسمعه.
توقفت السيارة لحظة، فتح السائق النافذة، نظر، ثم مضى. تجمع بعض الناس كما يتجمعون حول خبر لا يعنيهم، ثم انفضوا. قال رجل: "حرام." وقال آخر: "كلب." كانت الكلمتان متجاورتين إلى حد فضح المدينة كلها.
في تلك الليلة، لم تنم أمي. ظلت تشم المكان الذي كان أخي فيه، كأن الرائحة يمكن أن تعيد الجسد. وعندما اقتربت منها، دفعتني بأنفها قليلا إلى الداخل. فهمت أنها لا تحميني من البرد، بل من المعرفة. بعض الأمهات يعرفن أن الفقد عدوى.
بعد أيام اختفت أختي. لم نجد جثتها، ولم نجد قاتلها، ولم نجد حتى سببا واضحا لغيابها. في القاهرة لا تحتاج الأشياء إلى سبب كي تختفي. يكفي أن تكون أضعف من الزحام.
منذ ذلك الوقت، بدأت أفهم القمامة.
كان البشر يرمونها لكي ينسوا، ونذهب إليها نحن لكي نتذكر أننا ما زلنا أحياء. القمامة هنا ليست بقايا، بل طبقات اجتماعية مفتوحة. كيس أسود قرب عمارة كبيرة تفوح منه رائحة لحم لم يؤكل حتى النهاية. كومة صغيرة قرب حائط قديم لا تحتوي إلا على خبز قاس وقشور بصل. من القمامة كنت أقرأ المدينة أفضل مما يقرأها ساكنوها: من يشبع أكثر، من يهدر أكثر، من يملك رفاهية التخلي، ومن لا يجد ما يتخلى عنه أصلا.
لكن القمامة لم تكن طعاما فقط، بل دستورا أيضا. عندها تعلمت معنى الحدود. كل ركن له كلابه، وكلاب كل ركن لها جوعها وذاكرتها وحقها الوحشي في البقاء. اقتربت ذات مرة من حاوية قرب مطعم كشري، فاعترضني كلب ضخم، أعرج، بعين واحدة شبه مطفأة. لم يهاجمني فورا. دار حولي ببطء، ثم زمجر من عمق قديم، كأن جروحه كلها كانت تنبح معي. فهمت الرسالة. تراجعت. في الشوارع، كما في البلاد، لا يحتاج الأقوى دائما إلى العض؛ يكفي أن يذكرك أنك مؤقت.
أمي هي الأخرى كانت تقاتل، لكنها لم تكن تحب القتال. كانت تقاتل كما يصلي الفقير. لا لأنه يثق في المعجزة، بل لأنه لا يملك بديلا. رأيتها مرة تواجه ثلاثة كلاب دفعة واحدة لأننا كنا نأكل من كيس ممزق ألقته شرفة. في تلك اللحظة لم أرها أمّا فقط. رأيتها وطنا صغيرا، نحيفا، مرتبكا، ينزف وهو يحاول أن يحتفظ بأطفاله يوما إضافيا.
أما البشر، فكانوا لغتي الثانية. وقد تعلمتها متأخرا وبالألم.
فيهم من يراك فينتفض خوفا، كأنك وباء يسير على أربع. فيهم من يراك فيبتسم، ثم يرمي لك كسرة خبز دون أن يقترب أكثر، كأن الرحمة نفسها يجب أن تحافظ على مسافة أمان. فيهم أطفال يتعلمون رجولتهم بالحجارة. وفيهم رجال يكملون في أجسادنا ما بدأه العالم في إهانتهم. كنت أفكر أحيانا أن العصا التي تهوي على ظهري لا تخصني أنا، بل تخص مديرا أهان هذا الرجل صباحا، أو دينا عجز عن سداده، أو حلما قديما فسد قبل أن ينضج. نحن، كلاب الشوارع، لسنا ضحايا الكراهية دائما؛ كثيرا ما نكون مجرد المكان الأقرب الذي يضع فيه البشر أوجاعهم.
ضُربتُ مرات كثيرة. مرة لأنني نمت قرب مدخل عمارة. مرة لأنني تبعت رائحة كبدة حتى عربة لا تخصني. مرة لأنني كنت هناك فقط. وأكثر الضربات إهانة هي تلك التي لا تعرف لها سببا. الألم حين يكون مفهوما يصير نصف ألم. أما حين يأتيك هكذا، عشوائيا، من يد عابرة، فإنه يترك داخلك سؤالا أكبر من الجرح. ما الذي كان ينبغي علي أن أكونه حتى لا أُضرب؟
كبرت على هذا السؤال.
كبرت أيضا على العبور بين السيارات. في كل مرة أقطع الشارع كنت أشعر أنني أقدم التماسا غير مكتوب إلى الحديد. دعني أمر هذه المرة فقط. لكن المدينة لا تقرأ الالتماسات الصغيرة. ذات مساء، في ساعة كان الغضب فيها يفيض من المحركات ومن وجوه الناس معا، حاولت العبور. رأيت فراغا بين سيارتين، أو هكذا تخيلت. اندفعت. ثم حدث الارتطام.
العجلة لا تقتلني دفعة واحدة. هذا ما أتقنته المدينة. أن تبقيك حيا بالقدر الكافي لتتذكر. شعرت بالساق تتهشم كما لو أن الرصيف كسرني من الداخل. زحفت إلى جانب الطريق. الناس يمرون. الأقدام تعلو وتهبط. عين تنظر، ثم تمضي. أخرى تتقزز. ثالثة لا ترى أصلا. لم يقترب مني أحد إلا رجل عجوز بثياب رخيصة ورائحة شاي بارد. انحنى بصعوبة، ووضع أمامي غطاء زجاجة فيه ماء. قال: "اشرب يا ابني.."
يا ابني.
لا أعرف لماذا دخلت الكلمة في جسدي مثل دواء. ربما لأنني، لأول مرة منذ زمن، لم أكن بالنسبة إلى أحدهم كلبا ولا قذارة ولا خطرا محتملا. كنت ابنا للحظة واحدة، وهذا يكفي أحيانا لتأجيل الانهيار.
منذ ذلك اليوم وأنا أعرج. صرت أمشي ونصف جسدي يتذكر. العرج لا يؤلم دائما، لكنه يفضح. يجعلك مكشوفا أمام نفسك. كل خطوة تقول لك: هذه المدينة مرت من هنا.
في الليل، حين تخف الزحمة ويهبط على القاهرة ذلك التعب الذي يشبه الاستسلام المؤقت، كنا نجتمع قرب سور مكسور أو تحت شاحنة. كل كلب يلعق جرحه بطريقته. كل واحد يحمل قصة مكتوبة على فرائه. أذن مقطوعة، ذيل مكسور، عين معتمة، ضلع بارز. لم نكن نتعاطف كثيرا، لكننا كنا نفهم. وهذا، في عالم كهذا، شكل نادر من الحب.
كنتُ أراقب البشر في تلك الساعات أيضا. العمال العائدون بوجوه مأكولة من النهار. النساء يحملن أكياسا وأطفالا وقلقا لا ينتهي. الشبان يضحكون بصوت أعلى من الفرح، كأنهم يطردون شيئا لا يقال. رجال يقفون أمام المقاهي ويشربون الشاي كما لو أنهم يفاوضون الحياة على هدنة. وكنت أرى، شيئا فشيئا، أن المسافة بيني وبينهم أقل مما يظنون.
أنا أفتش في القمامة عن طعام. وهم يفتشون في الأيام عن فرصة.
أنا أتعلم كيف أنجو من العجلات. وهم يتعلمون كيف يمرون من دهسٍ آخر، أقل وضوحا وأطول عمرا. أنا أُضرَب لأنني أضعف. وهم يُضربون بطرقٍ لا تترك كدمات ظاهرة. أنا أنام بعين مفتوحة. وهم يعيشون بعمر كامل مفتوح على القلق.
عندها فهمت أنني لم أكن أحكي سيرة كلب، بل سيرة طبقة كاملة من الكائنات التي تعيش على الحافة. الكلب في القاهرة ليس حيوانا فقط. إنه استعارة تمشي. استعارة للجوع حين يتوحش، وللخوف حين يصير نظاما، وللذل حين يعاد تدويره من قويٍّ إلى أضعف، حتى ينتهي في حجر طفل أو عصا رجل أو عجلة لا تتوقف.
كنت، كلما نظرت إلى أمي وهي تشيخ، أفهم البلد أكثر. صارت أبطأ، وصار نباحها أقل، لكن عينيها بقيتا يقظتين كما لو أن العمر لا يملك رفاهية التعب. مات أبي أو اختفى؛ لا فرق كبيرا هنا بين الفعلين. وإخوتي تبعثروا بين دهس وجوع وضياع. بقيت أنا، لا لأنني أشجع، بل لأن الحظ، مثل القمامة، يوزَّع في هذه المدينة بلا عدالة وبلا منطق.
الآن، حين أستيقظ تحت سيارة أخرى لا أعرف لونها، أشم الصباح قبل أن أراه. رائحة عادم، وخبز ساخن، وبول قديم، ونفايات مبتلة، وشمس على وشك أن تضرب الرصيف. أنهض على ساقي المائلة، أهز عن ظهري تراب الليل، وأخرج.
أعرف أن النهار ينتظرني بعجلة جديدة، أو عصا جديدة، أو جوع قديم في هيئة مختلفة. أعرف أن علي أن أقرأ الوجوه بسرعة، وأن أميز بين اليد التي سترمي لي بقاياها واليد التي سترمي علي حجرها. أعرف أن علي أن أبدو مطيعً بما يكفي كي لا أُقمع، ومتوحشا بما يكفي كي لا أُبتلع.
ومع ذلك، أمشي.
ليس لأنني أحب هذه المدينة. ولا لأنها تحبني. بل لأن السير، هنا، هو الصيغة الوحيدة المتاحة للنجاة. من يتوقف يُدهَس. من يعترض يُضرَب. من يجوع ينهش. من يخَفْ كثيرا يموت قبل موته. لذلك أمشي، كما يمشي كثيرون في هذه البلاد: مكسورا، يقظا، نصف روحي في الهرب، ونصفها الآخر في احتمال أن أجد، عند آخر الشارع، كسرة خبز أو ظلّا أو كلمة صغيرة تشبه النجاة.
وإذا سألني أحدكم من أنا، فلن أقول: كلب في شوارع القاهرة.
سأقول:
أنا ما يتبقى من الكائن حين تعلمه المدينة أن يعيش بلا حماية، وبلا اسم ثابت، وبلا حق كامل في الطريق.
أنا نباح مؤجل
تحت مدينة
لا تسمع إلا صوتها.
