«سلطة الشعب» أساس السلطات كافةً
أصل عبارة (Demos - Kratos) يوناني، وهي معربة إلى مصطلح (ديمقراطية)؛ لتعني باللغة العربية (سلطة الشعب). هذا هو تعريف الكلمة التي تلوح بها شعوب العالم من أجل الوصول الشعبي والجماهيري للسلطة؛ ومشاركة الشعب في صنع القرارات، وإيصال صوت الشعوب ومطالبها. كما اشتقت تعريفات كثيرة من الديمقراطية منها (النيابية)، وهي السلطة النيابية؛ أي من ينوب عن الشعب في مجلس يتألف أفراده من أعضاء منتخبين بشكل ديمقراطي، لاختيار من ينوب عنهم في السلطة.
هذه وجهة نظر الديمقراطية المتعارف عليها، وهي جزء من المشاركة الجماهيرية، لكن حقيقة الديمقراطية في الشرق الاوسط بدأت تأخذ منحى مختلفًا اليوم بين الشعب والسلطة، فأصبح للديمقراطية وجه جديد يهيمن على السلطة.
أما في العراق، فبدأت أولى عملية ديمقراطية في سنة ١٩٢٥م، حيث تشكل البرلمان تحت اسم (مجلس الأمة) في عهد الملك (فيصل الأول)، وتألف البرلمان من مجلسين؛ الأول (مجلس النواب) وهو منتخب من الشعب، والثاني (مجلس الأعيان) وهو يعيّن من قِبل الملك، وقد تولى (عبد المحسن السعدون) رئاسة الوزراء بعد هذه الانتخابات، وأسس (حزب التقدم) لدعم الحكومة.
استمرت العملية السياسية بسلاسة حتى انقلاب (عبد الكريم قاسم) سنة ١٩٥٨م، لتتغير بعدها تمامًا معالم الديمقراطية والنيابية بانحدار سريع نحو الهيمنة والديكتاتورية؛ نتج عنها الفساد والقمع وسطلة الاستبداد. ولا نريد الوقوف عند (المجلس الوطني الذي تأسس في عهد (صدام حسين) ما بين (1980 - 2003)، إذ كان المجلس مجرد صورة شكلية لتمرير سياسة الحكومة والمصادقة عليها، بعيدًا كل البعد عن واجباته الأساسية.
أولى عملية للانتخابات البرلمانية بعد تغيير النظام سنة ٢٠٠٣م، وتشكيل حكومة طوارئ آنذاك، ومن ثم تشكيل حكومة منتخبة في أولى دورة انتخابية سنة ٢٠٠٥م، وهي أولى دورة انتخابية للبرلمان في العراق بعد تغير نظام الحكم. وقد تلتها ست دورات انتخابية برلمانية حتى يومنا هذا، في كل دورة تتشكل حكومة منتخبة من قبل جهات تتفق على تشكيل حكومة مصالح.
كانت العملية الانتخابية ولا زالت مبهمة غير واضحة، لا تمثل أية سلطة للشعب، ولم تأتِ بأية حكومة تمثل الأغلبية، فقد انطوت العملية السياسية على صراعات مستمرة، ووضعت خطة تقسيم عرقي وإثني ومذهبي، إذ بات الشارع العراقي مقسمًا تقسيمات غير عادلة؛ تؤجج روح الطائفية والعنصرية في مكوناته. كما استغل أغلب النواب ومعظم الكتل هذا التقسيم لتأسيس العملية الانتخابية تباعًا، وأصبحت العشيرة والمذهب دافعان للتفاوض والمقايضة بين الأحزاب والكتل، إذ تحولت الساحة الانتخابية إلى حلبة مصارعة تحت شعار القومية والمذهبية والحق في البقاء. واستخدمت الأحزاب السياسية مبدأ (القطيع)، وهو سلوك نفسي اجتماعي، حيث يسوق قائد القطيع قطيعه إلى مسارات غير عقلانية بدون تفكير، وينصاع القطيع لقائده دون التفكير في العواقب.
ما نراه اليوم في العملية الانتخابية النيابية، هو عملية سياسة تجارية ربحية لبعض المرشحين وقادة الكيانات، بسبب ضخ الأموال الطائلة لتغطية الدعاية الانتخابية. فحصاد العملية السياسية في الدورة السادسة طويل جدًا، وتليه مفاجآت غير متوقعة، وتغييرات في المناخ السياسي، ويأتي هذا الاستنتاج من خلال قراءة الوضع السياسي ومدى أهلية الديمقراطية في العراق.
إن الأوضاع المتعسرة التي يمر بها المناخ الديمقراطي يعطي نتيجة غير متوقعة من قبل جهات أخرى تحاول استغلال الوضع الفوضوي في البلد، وأصبح العراق ساحة مفتوحة للعبث وهو يمر بأزمة ثقة سياسية كبيرة بين مكوناته، فالديمقراطية في بلدي تنطوي على الظلم والإقصاء والبقاء للأقوى والأشد بطشا.
