ذاكرة الحصى
خلف العاصفة، ثمة جغرافيا تتنفس من بصمة الأيدي، كأن التراب ينبش حكاياته من اللمس.
القرية مكانٌ تسكنه الرتابة، والمساحة بين المقبرة والجدول تلخص ما تبقى من زمنٍ عصيّ على التحول. الأشياء تعرف مواضعها قبل أصحابها؛ الحصى في مجرى الماء، الشجر عند السور، والقبور تحت سماءٍ واسعة. حتى العاصفة كانت تحتفظ بشيء من الذاكرة، تعلو ثم تهبط لتختبر وجوه العابرين.
لم تحتج القرية إلى دلائل؛ شجرة توت أو بئر جاف يكفيان لتحديد الجهات. والقادم من خارجها يبدو كمن يحمل ذاكرة مصابة بالخلل. وفيما كان الغريب يقلّب أوراقه بحثاً عن المخرج، كان التاريخ يختصر الكلام ويترك للناس مهمة إساءة فهمه.
طيّ الصحف تحت أرجل الطاولات لا يمنع اهتزاز الهزائم. ترك صبري أروقة الكلام وجفف رماد الجامعة في صناديق مغلقة ليحفر بالفأس سؤالًا لم تستوعبه المجلدات. كان يعود كل مساء ببدنٍ يكسوه لون التراب، أدرك أن الأفكار لا قيمة لها إن لم تترك أثراً في الأرض.
إلى جواره، عند الجدول، كان المعلم زكريا قد مسح غبار الطباشير ليقرأ تقاطيع الغيم، مجسدًا تلك البقعة التي تخفي جذورها عن الغرباء. يصمت، يرفع رأسه للسماء، ثم ينظر للتراب؛ بينهما حديثٌ لا يحتاج لترجمة. يسأله صبري عن سر أفعاله، فيجيب بإشارة مبهمة نحو السماء، ليواصل صبري الحفر بضيق. وفي المساء، يجلسان قرب الساقية اليابسة؛ أحدهما يقلب أسئلة الكتب، والآخر يقلب حبات التراب، متفقَينِ ضمناً على أن الخلاف بينهما أصغر بكثير من المسافة التي تفصلهما عن الأرض.
في الزاوية الأضيق، كانت أم حمدي تعجن الدنيا بأصابعها تحت مظلتها الزرقاء، تبيع الكبة لتراقب العابرين. تعرف أخبار البيوت، الخصومات، وصفقات السر، دون أن تسأل؛ تتركهم يتكلمون ثم تعود للعجين كأنه يحتاج للكلام ليصير صالحاً للأكل. أما فالح، فسجن خطاه بين المقهى والمسجد والبيت؛ يتفادى الحركة كأنها تورط، ويتخذ من الصمت ملجأً. وحين تتسع الشائعات، يبتسم بلؤم ويتمتم: "كل شيء يبدأ بكلمة ينتهي بحائط".
فجأة، نهضت شائعة كالقنبلة: أرض «بيت أيوب» المحاذية لمشروع الماء تُباع لمستثمر غريب! أتى بآليات ثقيلة ليدك الشجر ويقيم المخازن. السور المنيع المحكم بالمسامير والترصد أصبح محل مزاد؛ الورثة يريدون البيع، المعلم زكريا يريد أن يزرع، صبري يبحث عن المعنى، وفالح يلوذ بالصمت.
قاطعت أم حمدي الوهم بجملة واحدة: «من يصلح بابه لا يبيع ثراه». ضحك الرجال ظانين أنها تقصد الباب، بينما عادت هي لزيتها المغلي، عالمةً أن بعض الجمل تنضج في الهواء وتقتلها التفاسير.
في اليوم التالي، خيّم التوتر. الأطفال يترقبون، الرجال يتكتلون، والنساء يسترقن السمع. حين حضر أصحاب الشركة بأوراقهم المختومة يطالبون بالأرض، تصدى لهم صبري والمعلم زكريا. تقدم ممثل الشركة واثقاً وقال: "البيع تم بموافقة الورثة جميعاً، وهذه المستندات الرسمية تثبت ملكيتنا". نظر صبري إلى الأوراق وقال بنبرة حادة: "هنالك أسماء غابت عن هذه المستندات... اجلبوا بقية الورثة لنكسب شرعيتنا جميعاً". انحنى المعلم زكريا ببرود، التقط حفنة تراب تركها تتساقط بين أصابعه وقال هادئاً: "التراب يعرف من بقي عليه".
قبيل المساء، شاع أن الصفقة تمّت بالفعل. وقف صبري أمام باب «بيت أيوب» المقفل، والهواء يثقل بالرياح. ظهر الشيخ، وشخصت العيون نحو المعلم زكريا القادم من العتمة ليصرخ بصوت هز الأرجاء: «الأرض لم تُبع!».
ساد صمت أليم، وانكسرت سخرية الجميع حين أقبل طفل يركض من أقصى الشارع حاملاً بين كفيه شيئاً يلمع. تقدم الطفل وفتح كفه أمام السور؛ كانت نبتة خضراء صغيرة تشق الحصى.
تطلع الحضور إلى الأخضر الصغير بين الكفين، وقبل أن يستوعبوا اللحظة، تعالت صيحة فالح من باب المقهى: «اتركوها تكبر... ما يكبر يتجاوز الملكية!».
لم يجرؤ أحد على اقتلاعها؛ كان وقوف الصبي والنبتة بين كفيه اعترافاً مؤجلاً بانكسار الصفقة أمام سر الأرض.
في تلك الليلة، تحت شجرة التوت، حفر صبري عميقاً ودفن محاضراته في السياسة صفحة صفحة. لم يسأله المعلم زكريا، ولم تعلق أم حمدي، بينما أوعز فالح للرواد بأن الأستاذ أدرك أخيراً صمت الأجوبة.
أصبحت النبتة مزاراً خفياً للأطفال؛ يحيطونها بالحصى ويسقونها في السر. لم تعد الحكاية عن أرض أرادوا بيعها، بل عن قرية اكتشفت أخيرًا أن ما يُدفَنُ في التراب قد يغفو، غير أنه يتكئ على الوقت كي يعود.
