الثلاثاء ١٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم أحمد يوسف علي

حين يصبح الوطن أكبر من المنتصرين

[هذا النص لا ينحاز إلى شخص أو جيل أو مرحلة؛ كُتب للوطن ومن أجله، وهدفه ليس مهاجمة احد، فالعبرة بالفكرة وما تقدمه لوطنك، لا بمن يقولها].

ليست أصعب الحروب تلك التي تخاض بالسلاح، بل تلك التي تنتهي وتظل ساكنة في الصدور.

قد تصمت البنادق، ويبقى الرصاص في الذاكرة.

وقد يعود الناس إلى بيوتهم، ولا يعود الوطن إليهم.

فالأوطان لا تهدمها القذائف وحدها؛ يهدمها الخوف حين يصبح عادة، والكراهية حين تصبح ميراثًا، والشك حين يقيم بين الناس أطول مما تقيم الحرب.

ولهذا فإن بناء الوطن يبدأ بالإنسان قبل الحجر.

فالمدينة المهدمة قد تبنى في سنوات، أما الإنسان إذا تهدم من داخله فقد يحتاج إلى جيل ليستعيد ثقته بنفسه، وبأخيه، وبالدولة.

ليس كل من انتصر ربح، وليس كل من خسر هُزم.

قد ينتصر فريق على خصمه ويخسر وطنه، وقد يتنازل آخر عن شيء من حقه فيربح الوطن.

والعفو فضيلة حين يصدر عن قدرة؛ لأن الصفح الذي لا تسبقه القدرة قد يكون عجزًا، أما الصفح مع المقدرة فاختيار أخلاقي.
لكن للعفو حدودًا.

يمكن للإنسان أن يعفو عمن أساء إليه، لأن الجرح جرحه. لكنه لا يستطيع أن يعفو عمن سرق مال الناس، لأن المال ليس ماله، ولا أن يتنازل عن دم مظلوم، لأن الدم ليس دمه.

هنا ينتهي سلطان العفو الشخصي ويبدأ سلطان العدالة.

الدولة ليست رجلًا، ولا عائلة، ولا مدينة، ولا مرحلة سياسية.

الرجال يعبرون.

والدولة هي ما يبقى بعد عبورهم.

ومن أخطر ما يصيب الشعوب أن تهدم تمثالًا لتقيم مكانه تمثالًا آخر، فتتبدل الوجوه ولا تتغير الدولة.

فالدولة التي تتغير بتغير الأشخاص لم تصبح مؤسسة بعد، والحاكم الذي لا تستطيع الدولة الاستمرار بعده لم يبن دولة، بل بنى سلطته.

ولا ينبغي أن يرث الأبناء ذنوب آبائهم، كما لا ينبغي أن يرثوا سلطانهم.

لا نورث الذنب، ولا نورث السلطة.

يورث الأبناء وطنًا واسمًا وذاكرة، أما المكانة فعليهم أن يصنعوها بأعمالهم.

فالعدل لا يعرف الأنساب، والوطن لا ينبغي أن يكون عقوبة يتوارثها أبناء الخاسرين، ولا غنيمة يتوارثها أبناء المنتصرين.

والسلاح الذي يأتمر بعائلة لم يصبح بعد سلاح وطن.

والجيش الذي يعيش باسم شخص لم يصبح بعد جيش دولة.

للدولة وحدها السلاح وقرار الحرب والسلام.

ومن حمل السلاح من أجل الوطن فمكانه داخل مؤسسات الوطن، لا فوقها.

ولا تبنى المؤسسات لهزيمة الأشخاص، بل حتى يأتي يوم يصبح فيه اسم الحاكم أقل أهمية من اسم المؤسسة.

عندها فقط يبدأ النجاح الحقيقي.

فأقوى الدول ليست التي يحكمها أقوى الرجال، بل التي لا تحتاج إلى رجل قوي كي تبقى واقفة.

والمدينة الناجحة لا تحتاج إلى ضعف غيرها كي تثبت نجاحها.

والشرق لا يحتاج إلى ضعف الغرب، والغرب لا يحتاج إلى ضعف الشرق، والجنوب لا ينبغي أن يذكر عند الحديث عن أمن الحدود ثم ينسى عند توزيع التنمية.

الوطن جسد.

ومن الغباء أن يسمن الرأس بينما تذبل الأطراف، ثم نتساءل لماذا لا يستطيع الجسد الوقوف.

فلا مدينة تستطيع حمل الوطن وحدها، ولا قبيلة، ولا منطقة، ولا تيار.

حين يكبر الجزء على الكل، يبدأ الوطن في الصغر.

أما التواريخ السياسية، فمكانها الطبيعي كتب التاريخ.

لا ينبغي أن يعيش الأبناء حروب آبائهم، ولا أن يصبح موقف الجد بطاقة هوية للحفيد.

وأسوأ ميراث قد يتركه جيل للجيل الذي يليه عدوًا لم يختره ذلك الجيل بنفسه.

التصالح مع التاريخ لا يعني نسيانه، ولا تزويره، ولا تبرئة الجميع.

إنه يعني أن نتعلم منه دون أن نسكن فيه.

فالشعوب التي تجعل الماضي بيتها تفقد المستقبل وهي تحرس أبواب الأمس.

وشكل الدولة ليس هو جوهر الدولة.

قد تنجح الجمهورية، وقد تنجح الملكية الدستورية، وقد تفشلان معًا.

فالاسم المكتوب على باب الدولة أقل أهمية من القانون المكتوب فوق رأس الحاكم.

والسؤال الحقيقي ليس: ماذا نسمي النظام؟

بل:

هل يستطيع القانون أن يوقف الحاكم؟

هل يستطيع القضاء أن يحاسبه؟

هل يستطيع المواطن أن ينتقده؟

هل يستطيع الشعب أن يغيره؟

إذا كان الجواب نعم، فقد بدأت الدولة.

ومن أصعب دروس السلطة أن تستطيع فعل شيء، ثم تمتنع لأنك لا تملك الحق في فعله.

فالاستبداد لا يبدأ دائمًا برجل شرير.

أحيانًا يبدأ برجل مقتنع بأنه يعرف مصلحة الناس أكثر منهم، ثم يحبهم إلى درجة أنه يختار عنهم، ويحميهم إلى درجة أنه يمنعهم من الاعتراض، حتى تصبح الوصاية وطنًا والطاعة مواطنة.

والسلطة التي لا تعرف أين تنتهي، لا تعرف في الحقيقة لماذا بدأت.

ومن سرق مال الوطن يجب أن يعيده.

لكن العدالة ليست حفلة انتقام.

المطلوب هو الحق، لا التشفي؛ والإصلاح، لا الإذلال.

والغاية من العدالة أن يعود الميزان إلى موضعه، لا أن نستمتع بمشاهدة أحد وهو يسقط من كفته.

فالانتقام قد يريح الغضب لحظة، لكنه لا يبني دولة.

والعدالة التي تتحول إلى ثأر، تؤسس لمظلوم جديد ينتظر دوره في الانتقام.

ثم يأتي السؤال الذي يسبق السياسة كلها:

ماذا سيحدث للإنسان؟

ما قيمة ألف جسر إذا كان الطفل الذي سيمر فوقها لا يجد مدرسة تعلمه التفكير؟

وما قيمة المستشفى إذا كان المريض يهان على بابه؟

وما قيمة مليارات النفط إذا كان الشاب لا يرى طريقًا إلى الحياة إلا وظيفة حكومية أو بندقية؟

أعظم حقل للثروة هو عقل طفل لم ندمر فضوله بعد.

وأعظم مشروع استثماري معلم يدخل فصله وهو يشعر أن المجتمع يعرف قيمته.

وأقوى تحصين للحدود مواطن في أقصى البلاد يشعر أن الدولة التي يسمع عنها موجودة أيضًا في مدرسته ومستشفاه وطريقه.

فالحجر الذي لا يحمي إنسانًا مجرد حجر، والتنمية التي لا تصل إلى كرامة الإنسان مجرد أرقام.

الدولة القوية ليست التي يخاف منها الناس.

الدولة القوية هي التي يخاف فيها الظالم من القانون، ويطمئن فيها المظلوم إلى القانون نفسه.

وحين يجد الطفل مدرسة، والمريض طبيبًا، والمظلوم قاضيًا، والشاب فرصة، يصبح اسم الحاكم تفصيلًا صغيرًا.

وهذه ليست إهانة للحاكم، بل أعظم شهادة لنجاحه.

فالسلطة التي تحتاج كل يوم إلى التصفيق لها لم تطمئن بعد إلى نفسها.

وأعظم ما يمكن أن تفعله سلطة لوطنها أن تبني دولة تستطيع الاستمرار من دونها.

فالسياسي الحقيقي لا يقاس بما يترك من صور على الجدران، بل بما يترك من مؤسسات بعد أن تغيب صورته.

والثروة ليست النفط وحده.

الثروة معلم جيد، وطبيب لا يهاجر، ومهندس يجد عملًا، وشاب يستطيع أن يبدأ مشروعًا دون واسطة، وأسرة تستطيع أن تعيش بكرامة وأمان.

والبلد الذي يملك النفط ويهدر الإنسان يبيع ثروته ليشتري فقره.

فالنفط ينضب، والمال ينفق، والمباني مالها أن تصبح عتيقة.

أما الإنسان إذا تعلم وأُعطي فرصة، فإنه يصنع ثروة من حيث لم تكن هناك ثروة.

والأمن ليس دبابة عند مفترق الطريق.

الأمن أن يعرف المواطن أن بيته لن يؤخذ منه بالقوة، وأن ابنه لن يختفي في سجن مجهول، وأن ماله لن يصبح رهينة أزمة سياسية، وأن مدينته لن تعاقب بسبب موقفها.

الأمن أن ينام الإنسان ولا يحتاج إلى معرفة اسم صاحب النفوذ الذي سيحميه غدًا.

الأمن الحقيقي ألا يحتاج المواطن إلى حمل السلاح حتى يشعر أنه موجود.

فحين يحتاج كل إنسان إلى قوته الخاصة لحماية حقه، تكون الدولة قد انسحبت وتركته وحيدًا.

والوحدة لا تعني أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها.

فالوطن الذي لا يحتمل الاختلاف لا يحتاج إلى مواطنين، بل إلى نسخ متشابهة من إنسان واحد.

الوحدة أن يستطيع المختلفون أن يختلفوا دون أن يحمل أحدهم السلاح على الآخر.

فالأوطان العظيمة لا يصنعها المتشابهون فقط، بل المختلفون حين يقبلون العيش تحت قانون واحد.

الوطن ليس أن نتفق في كل شيء.

الوطن أن يبقى بيننا شيء لا نختلف عليه مهما اختلفنا:

أن هذا البيت يتسع لنا جميعًا.
وفي النهاية تبقى الأمانة.
أمانة المال.
وأمانة الدم.
وأمانة السلاح.
وأمانة الحكم.
وأمانة القضاء.
وأمانة التعليم.
وأمانة الكلمة.
وأمانة أن يترك جيل للجيل الذي بعده وطنًا أقل غضبًا من الوطن الذي ورثه.

فالكرسي أمانة، والجيش أمانة، والنفط أمانة، والقضاء أمانة، والمدرسة أمانة، وحتى الأمل الذي نزرعه في قلوب الناس أمانة.

ومأساة السياسة تبدأ يوم يظن من وضعت الأمانة في يده أنها أصبحت ملكًا له.

كل سلطة مؤقتة.
كل حكومة راحلة.
كل جيل عابر.
ويبقى الوطن أطول عمرًا من الجميع.

وفي النهاية لن يكون السؤال كم انتصر فريق، ولا كم هزم خصومه، ولا كم بقي في السلطة.

سيكون السؤال أبسط وأقسى:
هل أصبح الوطن أكثر عدلًا؟
هل أصبح الإنسان أكثر كرامة؟
هل أصبح القانون أقوى من الأشخاص؟
هل أصبحت المدرسة أقوى من البندقية؟
هل أصبح المستقبل أوسع من الماضي؟
وهل ترك هذا الجيل لأبنائه وطنًا يحتاجون إلى إصلاحه، أم وطنًا يحتاجون مرة أخرى إلى إنقاذه؟
إن كان الوطن أكثر عدلًا، والإنسان أكثر كرامة، والقانون أعلى من الجميع، فقد أُدي بعض الأمانة.

أما إن لم يحدث ذلك، فقد يستطيع المنتصر أن يكتب اسمه في صفحات الانتصار، وأن يملأ الميادين بصوره، وأن يقنع نفسه بأنه غلب خصومه.

لكن التاريخ، حين يهدأ ضجيج الجميع، قد يكتب تحته جملة واحدة:

انتصر على خصومه... لكنه هُزم أمام الوطن.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى