الجمعة ٣١ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح المظلوم متهمًا

ليس كل ظلم يبدأ بضربة، ولا كل ظالم يحتاج إلى قوة. أحيانًا يكفي أن يمتلك أحدهم القدرة على رواية القصة أولًا، بينما يقف الطرف الآخر صامتًا، أو عاجزًا عن تصديق أن الحقيقة وحدها لن تكون كافية لإنصافه.

ففي كثير من المواقف، لا يُدان الإنسان بما فعل، بل بما نجح الآخرون في إقناع الناس بأنه فعله. وهنا، لا يعود الصراع بين الحقيقة والكذب، بل بين روايتين؛ إحداهما تُقال بصوت مرتفع، والأخرى تبحث عمّن يمنحها فرصة لتُسمع.

ومن أغرب مفارقات النفس البشرية أن الناس لا يبحثون دائمًا عن الحقيقة، بل عن الرواية الأكثر راحة. فالعقل يميل إلى الأحكام السريعة، وإلى تصديق الصورة الأولى التي تتكون لديه، ثم يبدأ - من حيث لا يشعر - في جمع الأدلة التي تؤكدها، متجاهلًا كل ما يناقضها. وهكذا، قد يجد المظلوم نفسه مطالبًا بإثبات براءته من تهمة لم يرتكبها أصلًا، بينما لا يُطلب من مُطلِق الاتهام سوى أن يكرر روايته بثقة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فكلما طال الظلم، ازداد عدد المشاركين فيه. فهناك من يصدقه، وهناك من يصمت عنه، وهناك من يبرره، وهناك من يفضّل ألا يتدخل حتى لا يخسر علاقته بالطرف الأقوى. وفي النهاية، يكتشف المظلوم أن معركته لم تعد مع شخص واحد، بل مع شبكة كاملة من التفسيرات والمواقف والمصالح والصمت.

المؤلم في هذه اللحظة ليس خسارة الحق فحسب، بل الشعور بأن الدفاع عن النفس يتحول تدريجيًا إلى تهمة جديدة. فكل محاولة للتوضيح تُفسَّر على أنها انفعال، وكل احتجاج يُعد عدوانًا، وكل صمت يُفهم اعترافًا، حتى يبدو وكأن المظلوم محاصر مهما اختار من ردود الفعل.

وربما لهذا السبب يصبح الظلم أكثر قسوة عندما يأتي من شخص قريب؛ لأن القريب يعرف جيدًا أين يضع كلماته، وكيف يصنع الشك، وأي الأبواب يطرق حتى تبدو روايته معقولة. فالأذى الذي يأتي من الغريب قد يجرح، أما الأذى الذي يأتي ممن يعرف تفاصيلك، فإنه يعرف أيضًا نقاط ضعفك.

لكن أخطر ما يفعله هذا النوع من الظلم أنه يدفع الإنسان إلى الشك في نفسه. يبدأ في مراجعة مواقفه، ويتساءل إن كان قد أخطأ دون أن يدري، لا لأن الأدلة تثبت ذلك، بل لأن كثرة الاتهامات تجعل الإنسان أحيانًا يعامل نفسه كما يعامله الآخرون. وهنا يحقق الظلم أخطر انتصاراته؛ حين ينتقل من الخارج إلى الداخل.

ومع ذلك، فإن الحقيقة لا تستمد قيمتها من عدد المؤمنين بها. فقد يتأخر الإنصاف، وقد تخذل الناسُ العدالةَ أحيانًا، لكن ذلك لا يجعل الباطل حقًا، ولا يحول المظلوم إلى مذنب. فالتاريخ الإنساني مليء بأشخاص دفعوا ثمن كذب لم يرتكبوه، ثم جاءت الأيام لتكشف أن الضجيج كان أعلى من الحقيقة، لا أقوى منها.

لعل أصعب ما يواجهه الإنسان ليس أن يُظلم، بل أن يُطلب منه أن يعتذر لأنه تألم، أو أن يبرر دفاعه عن نفسه، أو أن يقبل صورة رسمها الآخرون له حتى يحظى بالسلام. غير أن السلام الذي يُشترى بالتنازل عن الحقيقة ليس سلامًا، بل استسلام مؤقت.

ولهذا، فإن المظلوم لا يحتاج دائمًا إلى أن ينتصر على من ظلمه، بقدر ما يحتاج إلى ألا يسمح للظلم بأن يعيد تشكيل صورته عن نفسه. فهناك معارك نخسرها أمام الناس، لكننا نربحها إذا احتفظنا بصدقنا، وهناك اتهامات تبقى معلقة في الألسنة، لكنها لا تستطيع أن تستقر في الضمير إلا إذا صدقناها نحن.

فالظلم قد ينجح في تشويه السمعة، وقد يؤخر العدالة، وقد يجمع حوله مؤيدين كثيرين، لكنه يعجز عن تغيير حقيقة واحدة: أن المظلوم لا يصبح متهمًا إلا في نظر من اكتفى بسماع نصف القصة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى