حين صار البيت نارًا
كان الليل قد بدأ يهبط بهدوء على القرية، حين انقطع ذلك الهدوء فجأة بصوت انفجار هزّ البيت الصغير القريب من محطة السكة الحديد.
لم تفهم فاطمة في اللحظة الأولى ما حدث.
كانت جالسة في مكانها، عاجزة عن الحركة، بينما راحت ألسنة النار تتسلل من ناحية المطبخ، ثم تتسع بسرعة مخيفة.
صرخت:
— شروق!
جاء صوت ابنتها من الخارج، ثم ظهرت عند الباب وهي تلهث.
توقفت للحظة.
كان البيت الذي عاشت فيه سنوات عمرها قد تحول في دقائق إلى كتلة من اللهب والدخان.
قالت الأم بصوت مرتجف:
— الحقيني يا بنتي... أنا مش قادرة أخرج.
لم تفكر شروق.
لم تسأل عن النار، ولا عن الطريق، ولا عن احتمال النجاة.
اتجهت إلى أمها.
أمسكت بيدها، وحاولت أن ترفعها من مكانها، بينما كان الدخان يملأ الغرفة شيئًا فشيئًا.
— يلا يا أمي... لازم نخرج.
قالت الأم:
— سيبيني يا شروق... اهربي إنتِ.
هزت الفتاة رأسها بعنف.
— أسيبك؟! مستحيل.
كانت النار تقترب.
وسقط شيء مشتعل من السقف المصنوع من جريد النخيل، فازدادت ألسنة اللهب ارتفاعًا.
شدت شروق أمها بكل قوتها.
خطوة...
ثم خطوة أخرى.
لكن الأم لم تكن قادرة على الحركة.
عادت شروق تحاول حملها.
في الخارج، كان الأب بعيدًا عن المنزل، ولم يكن أحد يعرف ماذا يحدث في الداخل.
صرخت شروق:
— يا رب!
وفي اللحظة نفسها، صدر صوت مخيف.
تصدع السقف.
رفعت شروق عينيها إلى أعلى.
لم يكن أمامها سوى لحظات.
احتضنت أمها بكل ما استطاعت من قوة، وكأن جسدها الصغير يمكن أن يصبح جدارًا يحميها.
ثم انهار السقف.
غاب الصوت.
وغابت شروق معه.
وصل الأهالي بعد دقائق، وكانت النيران قد التهمت أجزاء كبيرة من المنزل.
حاولوا الاقتراب، لكن الدخان والنيران كانا أقوى من كل محاولاتهم.
وحين تمكنوا من الوصول إلى الداخل، وجدوا الأم مصابة بحروق شديدة، بينما كانت ابنتها قد فارقت الحياة.
نُقلت الأم إلى المستشفى.
أما شروق، فخرجت من البيت للمرة الأخيرة.
لم تحمل معها شيئًا.
لا ثوبًا، ولا صورة، ولا متعلقات شخصية.
حملت فقط ذلك الشيء الذي لا يراه أحد...
قلب ابنة اختارت، في اللحظة التي أصبح فيها الموت أقرب من أي شيء، ألا تترك أمها وحدها.
وفي القرية، ظل البيت المحترق شاهدًا على ليلة لم يكن فيها الدخان وحده ما ملأ السماء.
كان هناك أيضًا سؤال ثقيل:
كيف يمكن لقلب أم أن يعيش بعد أن أصبحت ابنتها هي الثمن الذي دُفع لإنقاذها؟
لكن أحدًا لم يجد إجابة.
فبعض الحكايات لا تحتاج إلى إجابات...
يكفي أن تُروى.
يكفي أن يعرف الناس أن فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، حين اشتعل البيت تحت قدميها، لم تبحث عن باب للنجاة لنفسها...
بل بحثت عن طريق تنقذ به أمها.
وكان ذلك الطريق، للأسف، هو طريقها الأخير.

مشاركة منتدى
٢٠ أيلول (سبتمبر), ٠٧:٣٤, بقلم محمود سلامه الهايشه
آخر حضن|| أغنية
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
المذهب:
يا نار هدي شوية
دي أمّ جوّه الدار
وبنتها قالت: «أمّي»
والخوف بقى نار
قالت لها: «قومي يا أمي
إيدِك في إيدي تعالي»
قالت: «أنا مش قادرة يا بنتي
والنار حواليّا مالي»
المذهب:
يا نار هدي شوية
دي أمّ جوّه الدار
وبنتها قالت: «أمّي»
والخوف بقى نار
المقطع الأول:
ليل القرية كان ساكت
والبيت نايم في أمان
وفجأة صوت الانفجار
شقّ السكوت في المكان
نار طالعة من المطبخ
والدخان غطّى الحيطان
والأم قعيدة مكانها
والبنت جريت من الخوف كمان
قالت: «يا أمي ما تخافيش
أنا هنا جنبك أهو»
قالت الأم: «سيبيني يا بنتي
وانجي بنفسك لو»
ضحكت شروق وسط دموعها:
«إزاي أسيبك وحدِك؟
ده لو الدنيا كلها تحترق
أنا هافضل ماسكة إيدِك»
المذهب:
يا نار هدي شوية
دي أمّ جوّه الدار
وبنتها قالت: «أمّي»
والخوف بقى نار
قالت لها: «قومي يا أمي
إيدِك في إيدي تعالي»
قالت: «أنا مش قادرة يا بنتي
والنار حواليّا مالي»
المقطع الثاني:
خطوة لقدّام... خطوة
والدخان خانق النفس
والسقف فوقهم بيصرخ
والبيت فقد كل حس
شدّت شروق أمها
بكل اللي فيها من قوة
والأم قالت: «خلاص يا بنتي
دي آخرها... مش مكتوبة»
قالت لها: «متقوليش كده
لسّه العمر قدّامنا
هنطلع من هنا سوا
والصبح مستنينا»
وفجأة...
صوت الخشب لما اتكسر
والسقف مال وانحنى
حضنت شروق أمها
كأنها بتحميها من السما
المقطع الثالث:
وقع السقف...
وسكت الصوت...
وسكتت جوّه الدار
غير نار بتاكل في نار
ودخان طالع للسماء
وشهود واقفين محتارين
خرجوا الأم من بين الركام
وجسمها مليان حروق
ودوّروا على شروق...
لقوا الحلم ساكت
والعينين مغمّضين
والإيد اللي كانت ماسكة أمها
سابتها... وهي لسه ماسكاها في الحنين
اللازمة الأخيرة:
يا بنت يا اللي مشيتي
وسيبتي الدنيا وراكي
إنتِ اللي دخلتي للنار
علشان تنقذي أمّك معاكي
يا بنت يا آخر حضن
في بيت كله دخان
ضحكتي في وش الموت
وقلتي: «أمي الأول... وأنا كمان»
يا نار هدي شوية
وخلي الدمع يقول
إن اللي يموت عشان أمه
عمره ما يموت على طول
الخاتمة:
يمكن شروق غابت
لكن الحكاية ما غابتش
كل أم هتضم بنتها
هتفتكر إيد ما سابتش
وكل بيت لما يسكت
ويدخل الليل من الشباك
هتفضل حكاية بنت
قالت لأمها:
«أنا معاكي...»
وبعدها...
ما رجعتش.