الثلاثاء ١٤ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

تأثير المسرح الشكسبيري في السينما الهندية

شهدت الأكاديمية العربية في الدنمارك يوم السبت الموافق 11 أبريل 2026 حدثا أكاديميا بارزا تمثّل في المناقشة العلنية لأطروحة الدكتوراه المقدّمة من الباحث نوزاد جعدان، والتي حملت عنوان من المسرح إلى السينما: آليات الاقتباس وصور التلقي في السينما الهندية فيلم حيدر نموذجا، وقد جرت المناقشة عبر تطبيق زوم بحضور لجنة علمية مرموقة وجمهور واسع من الباحثين والمهتمين بالدراسات المسرحية والسينمائية والثقافية.

وتأتي هذه الأطروحة في سياق الاهتمام المتزايد بالدراسات البينية التي تربط بين الفنون والوسائط المختلفة، حيث تجمع بين المسرح والسينما ونظرية التلقي والتحليل الثقافي، وهو ما منحها أهمية خاصة داخل الحقل الأكاديمي، وقد أشارت الأطروحة إلى أنها تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن الاقتباس ليس مجرد نقل حرفي للنص الأصلي بل هو عملية تحويل ثقافي وجمالي تتداخل فيها عناصر التاريخ والهوية واللغة والوسيط الفني وهي فرضية شكّلت العمود الفقري للبحث ووجهت مساره التحليلي. بدأت جلسة المناقشة بكلمة ترحيبية من رئيس اللجنة الأستاذ الدكتور سامي عبد اللطيف الجمعان من جامعة الملك فيصل في السعودية الذي أشاد بجرأة الموضوع وباختيار نموذج تطبيقي يجمع بين نص عالمي مثل «هاملت» وفيلم هندي معاصر مثل «حيدر». كما ضمّت اللجنة الأستاذ الدكتور جلال أعرب من جامعة ابن زهر في المغرب، والأستاذ الدكتور يوسف أفرج من جامعة الحسن الأول، إضافة إلى المشرف على الأطروحة الأستاذ الدكتور سعيد كريمي الذي رافق الباحث خلال سنوات العمل واعتبر أن الأطروحة تمثل إضافة نوعية في مجال الدراسات المقارنة بين الفنون.

وقد جاءت الأطروحة في أكثر من مائتي وخمسين صفحة موزعة على فصول نظرية وتاريخية وتحليلية وميدانية، تناولت العلاقة بين المسرح والسينما من منظور جديد يربط بين التحويل الفني والتحويل الثقافي، وقد أوضحت الأطروحة أن الباحث يُظهر أن هذا التحويل لم يكن مجرد تغيير في المكان والزمان، بل إعادة بناء كاملة للرموز والدلالات، بحيث يصبح الفيلم نصا جديدا يحمل روح شكسبير لكنه يتحدث بلسان الواقع الهندي، وهو ما جعل الدراسة تتجاوز حدود التحليل الفني إلى قراءة أعمق في الهوية والسياق السياسي والاجتماعي.

وقد استعرض الباحث في الفصل الأول تاريخ المسرح الهندي منذ المسرح السنسكريتي مرورا بالمسرح الشعبي والطقوسي، وصولا إلى المسرح الحديث مبينا كيف لعبت الأساطير الهندوسية والملحمات الكبرى مثل «الرامايانا» و«المهابهاراتا» دورا محوريا في تشكيل البنية الدرامية الهندية. وجاء في الأطروحة أن المسرح الهندي لم يكن مجرد وسيلة للترفيه بل كان جزءا من النظام الثقافي والديني وأنه حافظ على طابعه الطقوسي حتى مع دخول التأثيرات الغربية، وهو ما يفسر استمرار حضور الرموز الدينية والأسطورية في السينما الهندية المعاصرة. وفي الفصل الثاني تناول الباحث نشأة السينما الهندية منذ بدايات القرن العشرين مع داداساهيب فالكي، مبينا كيف تحولت إلى واحدة من أكبر الصناعات السينمائية في العالم، تنتج مئات الأفلام سنويا بلغات متعددة. وأشارت الأطروحة إلى أن السينما الهندية «اعتمدت منذ بداياتها على الاقتباس من مصادر متعددة منها الأدب المحلي والمسرح العالمي والأساطير والسير الشعبية»، وأن أعمال شكسبير احتلت مكانة خاصة في هذا السياق، خصوصا في ثلاثية المخرج فيشال بهاردواج: «مكبث»، «عطيل»، و«حيدر».

وقد خصص الباحث فصلا كاملا لتحليل مفهوم الاقتباس السينمائي، موضحا أن الاقتباس ليس عملية واحدة بل مجموعة من الأنماط، منها الاقتباس الحرفي والحر والتحويلي والثقافي. وبيّنت الأطروحة أن فيلم «حيدر» ينتمي إلى «الاقتباس الثقافي أو الاستنبات»، حيث لا يكتفي بنقل أحداث «هاملت» بل يعيد صياغتها داخل سياق سياسي وثقافي جديد هو كشمير المعاصرة، حيث تتداخل قضايا الاحتلال والصراع المسلح والاختفاء القسري مع الصراع النفسي للشخصيات. وفي الجانب التحليلي، قدّم الباحث قراءة تقنية وفنية لفيلم «حيدر»، تناول فيها زوايا التصوير والإضاءة والموسيقى والمونتاج والإيقاع الدرامي، مبينا كيف استخدم المخرج هذه العناصر لإعادة إنتاج التوتر الشكسبيري بصريا.

وقد جاء في الأطروحة أن الباحث «يحلل مشاهد محددة من الفيلم لإظهار كيفية توظيف الصورة والمونتاج في التعبير عن الصراع الداخلي للشخصيات»، مثل مشهد الجنون والمواجهة بين حيدر ووالدته ومشهد اكتشاف الحقيقة. كما تناولت الأطروحة آليات التحويل من المسرح إلى السينما، محددة ست آليات رئيسية هي: الثبات، التغيير، الإضافة، التنقيل، التكثيف، والتمطيط. وقد أوضحت الأطروحة أن الفيلم «حافظ على بعض العناصر الأساسية مثل الصراع بين الابن والعم وظهور الشبح والجنون والخيانة لكنه غيّر عناصر أخرى مثل دوافع الشخصيات والخلفية السياسية وطبيعة الصراع ونهاية الأحداث»، وهو ما يعكس وعي المخرج بطبيعة الوسيط السينمائي وقدرته على إعادة بناء النص. وفي فصل نظرية التلقي، استعرض الباحث الأسس التي وضعها ياوس وإيزر وغيرهما، مبينا أن التلقي المسرحي يختلف جذريا عن التلقي السينمائي، لأن المسرح يعتمد على الحضور الحي بينما السينما تعتمد على الصورة والمونتاج. وقد أشارت الأطروحة إلى أن «التلقي السينمائي أكثر تأثيرا من التلقي المسرحي لدى الجمهور المعاصر»، وهو ما أكدته الدراسة الميدانية التي أجراها الباحث عبر استبانة شملت عينة من القراء والمشاهدين، حيث أظهرت النتائج أن الفيلم ساعد نسبة كبيرة من المشاهدين على فهم «هاملت» بشكل أعمق. وفي الفصل المقارن، قدّم الباحث تحليلا شاملا بين «هاملت» و«حيدر» من حيث الحبكة والشخصيات والبناء الدرامي والرموز والصراع والنهاية، مبينا أن «حيدر» ليس مجرد إعادة إنتاج، بل إعادة كتابة للنص الشكسبيري داخل سياق سياسي واجتماعي وثقافي جديد. وقد جاء في الأطروحة أن الفيلم «استطاع أن يحافظ على روح النص الأصلي لكنه في الوقت نفسه قدّم قراءة جديدة تتناسب مع الواقع الهندي»، مستخدما رموزا بصرية مكثفة مثل الثلج والدم والظلال.

وفي ختام المناقشة، أثنت اللجنة على الجهد العلمي الكبير الذي بذله الباحث، وعلى قدرته على الربط بين الفنون وتحليل النصوص من منظور متعدد التخصصات، وأعلنت منحه درجة الدكتوراه بدرجة امتياز معتبرة أن الأطروحة تمثل إضافة نوعية في مجال الدراسات المقارنة بين المسرح والسينما. وقد خلصت الأطروحةإلى أن «الاقتباس السينمائي ليس نقلا بل هو عملية تحويل ثقافي وجمالي»، وأن فيلم «حيدر» يعد نموذجا ناجحا للاقتراب من شكسبير دون فقدان الهوية المحلية، مؤكدة أن العلاقة بين المسرح والسينما علاقة تكامل تسمح للنصوص بأن تعيش من جديد في أشكال جديدة تخاطب أجيالا جديدة بلغات جديدة.

يذكر أن نوزاد جعدان كاتب وشاعر سوري وله العديد من المؤلفات المنشورة ويعمل صحافيا في دائرة الأشغال العامة بالشارقة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى