انشطار العتمة
اهداء:
إلى كارل غوستاف يونغ..
الذي علّمنا كيف نلتفت إلى الخلف، لنواجه مسوخنا المكبوتة بجرأة، قبل أن تخرج وتقود خطانا في العلن.
نص القصة:
كان صوت صنبور الماء عالياً وهو يغسل وجهه، محاولاً طرد بقايا النعاس ليمضي إلى عمله المعتاد.
دلف إلى غرفته، ارتدى قميصه الأبيض الناصع، وبنطاله الجينز الأسود، وربط معصمه بساعته الفخمة. وقف يتفحص هندامه أمام المرآة برضا، لكن خطباً ما هزّ ثبات الطقس الصباحي؛ أشعة الشمس كانت تملأ الغرفة، تدفقت عبر النافذة وسقطت على جسده، لكن الجدار خلفه ظل قاحلاً لا أثر لظله! أبيض..
ابتلع ريقه مراراً والبرودة تسري في أطرافه. التفت حوله ببطء، لتكاد عيناه تخرجان من مقلتيهما لهول ما رأى: كان ظله يجلس بكبرياء على الكرسي الخشبي في زاوية الغرفة، واضعاً قدماً فوق قدم، ويحدق به بنظرة ساخرة مستفزة. صحيح أنه بلا ملامح، مجرد كتلة من العتمة الطفيلية، لكن يوال شعر بتلك السخرية تخترق روحه.
تسمّر في مكانه لشدة الصدمة، وفي تلك اللحظة الرهيبة أدرك الحقيقة: طوال سنواته الثلاثين، كان يظن أنه يدفن رغباته الدنيئة وأحقاده في مقبرة الكبت، ولم يكن يعلم أنه كان يطعمها لظله، حتى كبر، وسمن، وقرر الخروج!
نهض الظل عن الكرسي ببرود، والتف مغادراً الغرفة قبل أن يتحرك يوال خطوة واحدة. كان يمشي بكبرياء خفي، وكأنه يرمي في وجه يوال سؤالاً صامتاً:
«هل انتبهت أنت لي طوال أعوامك الثلاثين الآن؟»
أغمض يوال عينيه بقوة، محاولاً إقناع نفسه بأن ما يحدث ليس سوى كابوس صباحي ثقيل، وأنه سينهض منه بعد قليل.
خرج من منزله متوجهاً إلى عمله والوجوم يكسو وجهه، لكن الكابوس مدّ أظافره في الشارع؛ على الرصيف المقابل، شاهد ظله يقف بكامل تشوهه العاتم، ويهوي بيده ليضرب طفلاً صغيراً من أبناء الجيران!
تجمّد الدم في عروق يوال؛ هذا الطفل بالذات كان يثير استياءه دائماً بتصرفاته الصاخبة والوقحة، وكان يوال يكبح رغبته في توبيخه خلف قناع الجار المهذب. والآن، ها هو ظله يمارس تلك الرغبة الدفينة علناً أمام المارة، تاركاً يوال في مواجهة الحقيقة العارية: لقد بدأ الظل يفعل ما يعجز الجسد عن الجهر به.
أسرع يوال نحو سيارته بقلب يرتجف، أدار المحرك وانطلق غارقاً في دوامة من الأفكار: كيف سيمضي يومه؟ وماذا سيفعل بهذا الانشطار الرهيب؟ طوال الطريق، كان يفكر في مخرج، لكن الكارثة الكبرى تجسدت حين وصل إلى مقر عمله. همّ بالنزول، وإذا بنظرات زملائه والمارة تتجه نحوه بوجوم واستغراب؛ لقد بدأ بعضهم يلاحظ غياب ظله!
تملكه ذعر عارم، واجتاحته خشية مميتة من أن يوصم بالجنون أو الهلوسة. تحرك بخطوات متسارعة، شبه هارب، دلف إلى مبنى الشركة يداري جنبه العاري من العتمة، واقتحم مكتبه مغلقاً الباب خلفه بإحكام. جلس خلف مكتبه، يلتقط أنفاسه المتهدجة ويفكر في حل لهذه المعضلة الوجودية.
إذ انسلّ الظل من أسفل الباب ببرود، وتجسد ثانية فوق المقعد المقابل له مباشرة. لم تدم خلوته طويلاً.
اتكأ بجسده الهلامي إلى الخلف، وقال بنبرة تهكمية لاذعة اخترقت مسامع يوال:
لماذا لم تنتظرني؟ لقد جئت أنا مستقلاً الحافلة العامة، بينما جئت أنت بسيارتك الفارهة.. أليس هذا عيباً بحق زمالتنا الطويلة؟
استشاط يوال غضباً وشعر بإهانة بالغة تزحف إلى ملامحه، لكنه تماسك بجهد جهيد محاولاً ضبط الموقف المترنح. خفض صوته إلى نبرة أقرب للتوسل وقال:
اسمعني أرجوك.. إن استمررت بهذا العبث ستتشوه سمعتي بين الناس، وسأصبح منبوذاً. عد إلى مكانك خلفي، وسأمنحك كل ما تريد.
قهقه الظل صامتاً، ثم مال بجسده المعتم نحو يوال، وأجابه بنبرة جافة تقطر حقائق:
وِمَّمَ يداخلك كل هذا الضيق؟ أنا لا أفعل شيئاً سوى ممارسة ما وددت أنت فعله طوال حياتك وعجزت عنه! ثم عن أي مقابل تتحدث؟ لن تستطيع تقديم أي شيء لي الآن.. فلو لم تخزن رغباتك الدنيئة، وأحقادك المكتومة في أعماقي طوال هذه السنين، لما امتلكت أنا هذه القوة، ولما أصبحت اليوم على ما أنا عليه.. أنا صنيعة قناعك المثالي المزيف!
انقضت ساعات العمل كأنها دهر من الجحيم. وحين خرج يوال في المساء، لم يجد في الشارع ملاذاً، بل كانت الفضيحة بانتظاره. على الرصيف المقابل، كان ظله يعيث فساداً ويتوقح على المارة بلا رادع؛ يرمي هذا بكلمات نابية، ويتحرش بذاك، ويسخر من هندام الآخرين بجلافة.
تجمع المارة، وبدأت الأصوات ترتفع بالاستهجان والنقد اللاذع لتلك التصرفات المشينة، بينما كان يوال يمر بينهم متصيداً اللحظات، يداري وجهه والوجع والخجل يأكلان روحه؛ فالجميع يعلمون في حارتهم أن هذا المسخ الأسود المنفلت ليس سوى ظله هو!
عاد يوال إلى منزله ليلاً وهو يحمل حطام كبريائه. أغلق الأبواب والنوافذ، وجلس في عتمة الصالة ينتظر خروج الضوء ليتلاشى الظل مؤقتاً أو يعود. وما إن أضاء مصباحاً صغيراً، حتى تجسد الظل أمامه مجدداً على السجادة. جلس الاثنان وجهاً لوجه في جنح الليل، وبدأت جلسة المفاوضات الأخيرة والخطيرة.. جلسة يتوقف عليها مصير جسد ومستقبل عتمة.
مرّت ساعات الليل الثقيلة كدوران عقارب الساعة فوق جرح مفتوح. في الصالة الغارقة بالظلمة، لم يكن يوال يرى شيئاً، لكنه كان يسمع أنفاس عتمته تتحرك برغبة جامحة في التمرد. مدّ يده مرتجفة، وضغط على زر المصباح الصغير. انبعث ضوء أصفر خافت، وتجسد الظل فوراً على الجدار المقابل، متكئاً ببرود، وبدت كتلته الهلامية أكثر ضخامة وقوة من ذي قبل.
انحنى يوال برأسه، وقال بنبرة مكسورة:
أرجوك.. عد إلى مكاني خلفي أمام الناس، سأفعل أي شيء لإنقاذ ما تبقى من سمعتي.
تحرك الظل على الجدار، واقترب من وجه يوال حتى كاد يلامسه، وهسهس بصوت يشبه حفيف الورق اليابس:
سأعود.. لكن بشروطي! لن أكون بعد اليوم عبداً مطيعاً يختبئ خلف مثالية قناعك الزائف. من الآن فصاعداً سألتصق بك علناً أمام المجتمع، ومقابل هذا.. عليك أن تمنحني حريتي كاملة في خلوتك. عندما نغلق الباب، ستتركني أصرخ، وأغضب، وأمارس كل جنونك المكبوت الذي تحرم نفسك منه.. هل اتفقنا؟
لم يملك يوال خياراً سوى الإيماء برأسه موافقاً، بينما كان يشعر ببرودة الظل تزحف لتلتصق بقدميه.
في الصباح التالي، سار يوال في الشارع هادئاً كعادته، قميصه الأبيض ناصع كالعادة، وظله يتبعه بانتظام خلفه تحت أشعة الشمس. كان الناس يلقون عليه التحية باحترام، وكان يبتسم لهم بوقار، لكن قلبه كان يرتجف رعباً؛ فالجميع يرون رجلاً محترماً، بينما يوال وحده يعرف.. أنه أصبح عبداً لظله، ينتظر الليل ليفترسه.
