السبت ٢٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦

في تأبين المناضل بطرس حجّارة

ربى بطرس حجّارة

أيّها الحضورُ الكريم، نَشكر كلَّ فردٍ منكم يُشاركنا اليوم حفل التأبين هذا، ليس للوالد فحسب، بل لمرحلةٍ انقضت، وليس فقط من حياتنا نحن كعائلةٍ للراحل، بل لمرحلةٍ من عُمر الوطن... هذا الجيلُ الذي نُؤبِّنُ اليومَ أحدَ أبطالِه الأخيرين، هو جيلٌ عاصر مرحلةً مُلتهبةً من القرن الماضي، وشَهِد بأُمِّ عينيهِ القصةَ من بدايتها، وبِكلّ فُصولها، قصةَ الاستعمارِ والنكبة، وكلِّ ما تَلاها من نزوحٍ ولُجوءٍ ونضالٍ ومطاردةٍ ونفيٍ واعتقال. وبرغم هذه الصعوبات تَحدّى كل ذلك، ونسج أحلامَهُ بِصبرٍ وأملٍ وعِصاميَّة.

منذُ ذلكَ اليومِ الذي غادَرَنا فيهِ والدي، ونحن نشعرُ بمسؤوليةٍ خاصة، فكلُّ ما كان يَرويه لنا وحتى ما لم يَرْوِ عمّا شَهِدَهُ، هو تاريخٌ وإرثٌ يَستحق أن نَنقُلَه إلى جيل أبنائِنا، جيلِ الغدّ، الذي يُواجه اليومَ مخاطر التجهيل وطمسِ التاريخ والهُويَّة، في عصرٍ اختلَطَت فيه الأوراقُ على من لم يَشهد الحكاية، وزُرعتْ فيه بُذور الفِتنِ في محاولةٍ لإعادةِ تعريف من هو عدوُّ الأُمة، هذه الأُمة التي يجمعُها ما هو أكثرُ بكثيرٍ مِمّا يُفرِّقُها... كلُّ هذا، جعلَنا نَعقد العزمَ على أن نُسجِّل شهادةً للزمن مِن وعَن والدي، الذي هو أحدُ شُهودِ تلكَ المرحلةِ الصعبة، التي كان النضال فيها، وبِرغم كلِّ شيءً، نضالاً مُوحَدًا وصادقًا، وهدفُه واضحًا لا لُبسَ فيه، هو التحررُ من الاستعمار والتّبَعيّة، وتحقيقُ العدالةِ والمساواة... نضالٌ لا تَشوبُهُ شائبة، ولا يُمكنُ لأحدٍ تَخوينُهُ أو الطعنُ فيه.

لقد عاش والدي وعاصرَ أحداثًا وتجاربَ جسيمةً شقَّ طريقَهُ فيها دونَ أن يُدوِّنَها يومًا في مُذكرات، باعتبار أن الثقافةَ الشفوية هي المُهيمنةُ في بلادنا بِحَسبِ عبدالرحمن منيف، والذي يَستدركُ قائلًا بأن هذه الثقافةَ الشفوية مُعرَّضةٌ للتحريفِ ولِطَمسِ أحداثٍ ووقائعَ كثيرةٍ كان يُفترض أن تَبقى وأن تُعرَفَ حتى بِغيابِ الذين كانت لهم بها علاقة. مِن هنا، تنبعُ أهميةُ تدوينِ تلكَ الشَّهادات، لِتُصبحَ وثيقةً للتاريخِ يَستدِلُّ بها الجيلُ القادم. ومِن هنا، جاءَتنا فكرةُ تدوينِ محطاتٍ من مسيرة الوالد ومن شهادته في هذا الكتاب الذي نُوزِّعُه اليوم.

وخلالَ رحلةِ بحثِنا في أرشيفِه، وفي المذكراتِ المنشورةِ لِرفاقِه، وفي الشَّهاداتِ الشفويةِ لهم، أمدَّ الله في أعمار من تَبقّى منهم، أَيقَنّا كم كان ثمينًا وجودُ هؤلاءِ بينَنا، فهُم آخرُ حبّات اللؤلؤ في عِقدٍ انفرط. ووجدتُني خلال هذه الرحلةِ أُعيد اكتشاف تفاصيلَ وجوانبَ مجهولةٍ من حياة أبي ورفاقه لم يَكُن يَتحدّثُ عنها، مثلَ جنديٍّ مجهولٍ في ساحة معركةٍ كبيرة، حيثُ لم يرَ في ما قدَّمَهُ شيئًا يَستحق الذِّكر...هكذا كان أبو عمر ومناضلو ذلك الجيلِ في تواضعِهم، وقد اعتادوا العطاءَ أكثرَ من الأَخذ، ولم يَكُن يَحدوهم في ذلك، السعيُ إلى مَنصِبٍ أو مَغنم.

واليوم، ومعَ تَجدُّد حملةِ قوى الاستعمار والشر ضدَّ شرقِنا، نَعود ونُذكّر أنفسَنا وأبناءَنا بأن عدوَّنا الأزليَّ هو هو لم يتغيّر منذُ قرابة قرنٍ من الزمن، مهما حاول الآخرون أن يحرفوا بوصلتَنا، وأنّ من سَيغسلُ عارَ أُمّة المليار هم من اختاروا درب المقاومة والمواجهة، لا دربَ الخضوعِ والاستسلام، إلى أن تُشرق شمسُنا من جديد.

ربى بطرس حجّارة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى