أم كلثوم ونهج البردة
نالت بُرْدة النبى محمد صلى الله عليه وسلم مكانة كبيرة راسخة بين الشعراء على مر العصور حيث حظى بشرف تلقِّيها الصحابى كعب بن زهير عندما نظم بين يدى الرسول صلى الله عليه شعراً فى مدح الإسلام ونبى الإسلام
البُرْدة هى قصيدة لامية تقع فى ثمانية وخمسين بيتاً وحظيت باهتمام المسلمين لأنها ألقيت بين يدى الرسول صلى الله عليه وسلم ونالت إعجابه حتى إنه خلع بردته على كعب ومن ثمَّ سمِّيت هذه القصيدة باسم البُرْدة وحظيت باهتمام الدارسين والشرَّاح والشعراء الذين ساروا على درب البُرْدة ونهجها
الشاعر كعب بن زهير بن أبى سُلمى هو ابن الشاعر الجاهلى صاحب إحدى المعلَّقات المعروفة وكانت بدايته هجاء الإسلام فلما ذهب يستأمن النبى صلى الله عليه وسلم قدَّم قصيدة بدأها بالغزل والحديث عن الصحراء والإبل فخلع النبى صلى الله عليه وسلم بردته عليه التى اشتراها فيما بعد معاوية وكان يرتديها تبرُّكاً بالرسول
تحدث كعب فى القصيدة عن موضوعات عدة مثنياً على المهاجرين وثباتهم فى الدين وختمها بمدح النبى صلى الله عليه وسلم
تعتبر قصيدة البردة التى نظمها شاعر القرن السابع الهجرى محمد بن سعيد البوصيرى إحدى أشهر القصائد فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم وقد أجمع معظم الباحثين على أن هذه القصيدة من أفضل وأعجب قصائد المديح النبوى إن لم تكن أفضلها حتى قيل إنها أشهر قصيدة مدح فى الشعر العربى بين العامة والخاصة وقد انتشرت انتشاراً واسعاً فى البلاد الإسلامية وسُمِّيت بالبراءة لأن البوصيرى قد بَرِئَ بها من الفالج الذى أبطل نصف جسمه وسميت قصيدة الشدائد حيث زعموا أن قراءتها تفرِّج الشدائد وتيسر كل أمر عسير وسمَّاها البوصيرى الكواكب الدرية فى مدح خير البرية وقد تُرجمت إلى عدة لغات من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية كما طُبعت عشرات المرات فى فيينا والأستانة ومكة وبومباى والقاهرة وفى دار الكتب المصرية نُسخٌ من البُرْدة حُلِّيت كتابتها بالذهب
وكان لها معارضتان فى العصر الحديث الأولى لشاعر السيف والقلم محمود سامى البارودى وسُمِّيت كشف الغمة فى مدح سيد الأمة وتقع فى أربعمائة وسبعة وأربعين بيتاً ضمَّنها سيرة النبى ومدحه بالعاطفة والعقل والمنقول من أحداث التاريخ بأسلوب بسيط يخلو من الحشو والزخارف اللفظية التى تزخر بها المدائح النبوية الأخرى وهى قصيدة مطولة تتميز بالرشاقة اللفظية وثراء المعانى
أما القصيدة الثانية فهى لأمير الشعراء أحمد شوقى المسمَّاة نهج البردة وقد كتبها على غرار قصيدة البردة للبوصيري واستخدم فيها نفس القافية التي استخدمها البوصيري وتقع فى مائة وتسعين بيتاً وهى ميمية من بحر البسيط واختارت أم كلثوم منها ثلاثين بيتاً متفرقة فى الترتيب ولكن مكتملة فى المعنى ولحنها الموسيقار رياض السنباطي وغنتها كوكب الشرق أم كلثوم عام 1946
تقول كلمات قصيدة نهج البردة التي غنتها أم كلثوم:
ريم عَلى القاعِ بَين البانِ وَالعلَمِ
أَحَلَ سَفكَ دَمي في الأَشهرِ الحرمِ
لَمّا رنا حَدَّثَتني النَفس قائِلَة
يا ويح جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيب رُمي
جحدتها وكَتمت السهمَ في كَبدي
جُرح الأَحبَّة عِندي غير ذي أَلَمِ
يا لائِمي في هواهُ والهَوى قدرٌ
لو شفك الوَجدُ لم تَعذل وَلم تَلمِ
لَقَد أَنَلتكَ أذناً غَير واعيَة
وَربَّ مُستمع والقَلب في صمَمِ
يا ناعس الطَرف لا ذُقتَ الهَوى أبداً
أَسهرتَ مضناك في حفظِ الهوى فَلمِ
يا نفس دنياك تخفي كل مُبكِية
وإن بَدا لَكِ منها حسن مبتسَمِ
صلاح أَمرِك للأَخلاقِ مرجعه
فقوِم النفس بالأَخلاق تستَقمِ
والنفس من خيرها في خير عافيَةٍ
والنفس من شَرها في مرتَع وخمِ
إِن جلَّ ذنبي عنِ الغفران لي أَملٌ
في اللَه أجعَلني في خيرِ مُعتَصم
ألقي رجائي إِذا عزَّ المجير
على مفرجِ الكَرب في الدارينِ وَالغمم
إِذا خفضت جناح الذل أَسأَله
عزَّ الشَفاعة لم أسأَل سوى أُممِ
واِن تَقَدمَ ذو تَقوى بصالحَة
قَدمت بَين يَديه عَبرَةَ النَدَم
لزِمت باب أَميرِ الأَنبِياء
ومن يُمسك بِمِفتاح باب اللَهِ يغتَنِمِ
محمَد صفوة الباري ورحمته
وبغيةُ اللَه من خلق وَمن نسَمِ
ونوديَ اِقرَأ تعالى اللَهُ قائلها
لم تتَّصل قبل من قيلت لَه بفمِ
هناكَ أَذَّن للرحمن فَامتَلَأَت
أَسماع مكةَ من قدسيّة النغمِ
سَرت بَشائِر بالهادي ومولدهِ
في الشَرقِ وَالغَرب مَسرى النورِ في الظلَمِ
سَرت بَشائِر بالهادي ومولدهِ
أتيت والناس فَوضى لا تمرُّ بِهِم
إِلّا عَلى صنم قد هام في صنمِ
أَسرى بكَ اللَه ليلا إذ مَلائِكه
والرسل في المسجِد الأَقصى عَلى قدَمِ
لَما خطرت بِه التَفوا بسيدهم
كَالشهب بالبدر أَو كالجند بالعلَمِ
صلّى وراءَك منهم كُل ذي خطر
ومن يَفز بحبيب اللَه يأتَمِمِ
جبت السَماواتِ أو ما فَوقهن بهم
عَلى منورة درِية اللُجمِ
مشيئة الخالق الباري وَصَنعَته
وقدرةُ اللَه فوق الشَك والتُهَمِ
حتّى بَلَغت سماء لا يطار لها
عَلى جناح ولا يسعى على قدَمِ
وقيل كُل نَبِيٍّ عندَ رتبَتِه
ويا محمد هذا العَرش فَاستَلِمِ
يا رب هبَّت شعوب من منيَّتِها
واِستيقظت أُممٌ من رقدة العدمِ
رأى قَضاؤك فينا رأيَ حكمَته
أَكرم بوجهِكَ من قاض ومنتَقِمِ
فالطُف لِأَجلِ رسول العالمين بنا
ولا تزِد قَومه خسفاً ولا تُسمِ
يا ربِّ أَحسنتَ بَدءَ المُسلِمين بِهِ
فَتَمِّمِ الفَضلَ وَاِمنَح حسن مختَتَم
