هل أصبح العالم أكثر تطرفًا أم أكثر انفتاحًا؟
هل أصبح العالم أكثر تطرفًا أم أكثر انفتاحًا؟
مفارقة القرن الحادي والعشرين
منذ أن بشرت العولمة بنهاية الحدود، وروّجت الثورة الرقمية لفكرة ]القرية الكونية[، ساد الاعتقاد بأن البشرية تتجه نحو عصر جديد من الانفتاح والتفاهم والتعايش. بدا العالم، مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وكأنه يقترب من تحقيق حلم إنساني قديم يقوم على التواصل الحر، وتبادل المعارف، وتراجع النزاعات التي صنعتها الاختلافات الدينية والقومية والثقافية. غير أن العقود الأخيرة حملت معها مشهدًا مغايرًا؛ إذ بينما اتسعت جسور الاتصال، ازدادت أيضًا جدران العزلة، وبينما أصبحت المعرفة في متناول الجميع، عادت خطابات الكراهية والتعصب لتحتل مساحات واسعة من المجال العام.
هذه المفارقة ليست وليدة الصدفة، بل تعكس ما وصفه عالم الاجتماع البولندي "زيغمونت باومان" بـ]الحداثة السائلة[، حيث يعيش الإنسان حالة دائمة من القلق وعدم اليقين، فتتحول الحرية ذاتها إلى عبء، ويصبح البحث عن اليقين مدخلًا إلى الانغلاق والتعصب. فكلما تسارعت التحولات، ازداد الحنين إلى الهويات الصلبة، وإلى الانتماءات التي تمنح الفرد شعورًا بالأمان، حتى لو كان ثمن ذلك رفض الآخر أو العداء له.
ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن الأدوات التي كان يُفترض أن تكون وسيلة لتقريب البشر، أصبحت في أحيان كثيرة عاملًا في تعميق الانقسامات. فقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع حق التعبير، لكنها منحتهم أيضًا القدرة على الانغلاق داخل دوائر فكرية مغلقة، حيث يسمع المرء صدى أفكاره أكثر مما يسمع صوت المختلفين عنه. وهكذا لم تعد الأزمة أزمة نقص في المعلومات، بل أزمة في القدرة على إدارة الاختلاف.
ولم يعد التطرف ظاهرة مرتبطة بالدين وحده، بل اتخذ أشكالًا متعددة؛ فهناك تطرف قومي، وتطرف سياسي، وتطرف ثقافي، بل وحتى تطرف رقمي يقوم على الإيمان المطلق بالخوارزميات واليقين الزائف الذي تمنحه المنصات الإلكترونية. إن العالم المعاصر، على الرغم من تقدمه العلمي الهائل، لم يتخلص من نزعته القديمة إلى تقسيم البشر إلى ]نحن[ و]هم[، وإنما أعاد إنتاجها بأدوات أكثر حداثة.
وقد تنبّه الفيلسوف الفرنسي "إدغار موران" إلى هذه الإشكالية حين دعا إلى بناء ]فكر مركب[ قادر على تجاوز النظرات الأحادية، مؤكدًا أن تعقيد العالم لا يمكن فهمه بمنطق الأبيض والأسود، أو بمنطق الصراع الدائم بين الهويات. فالإنسان، في نهاية الأمر، يحمل هويات متعددة، والانتماء إلى ثقافة معينة لا يقتضي بالضرورة معاداة الثقافات الأخرى.
ومن المفيد هنا أن نتذكر أن التاريخ الإنساني لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا نحو التقدم. فكل عصر انفتاح كان يصاحبه، بدرجات مختلفة، خوف من التغيير ورغبة في الاحتماء بالماضي. وربما لهذا السبب كتب "أمبرتو إيكو" أن المجتمعات التي تخشى المستقبل كثيرًا ما تبحث عن أعداء تتوهم أنهم سبب أزماتها، لأن وجود ]الآخر[ بوصفه خصمًا يمنحها شعورًا زائفًا بالتماسك.
إن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كان العالم أكثر تطرفًا أو أكثر انفتاحًا، بل يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه في عصر تتغير فيه الأشياء بسرعة غير مسبوقة. فهل تستطيع الحضارة الحديثة أن تخلق إنسانًا أكثر تقبلًا للاختلاف؟ أم أن التقدم التقني، مهما بلغ مداه، سيظل عاجزًا عن تحرير الإنسان من مخاوفه القديمة؟
ربما لا يعيش العالم انتصار التطرف ولا انتصار الانفتاح، بل يعيش صراعًا دائمًا بينهما. فالتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يتحرك في اتجاه واحد، بل يتقدم عبر تناقضاته. وبين هذين القطبين يبقى الرهان الحقيقي معقودًا على الثقافة؛ لأنها وحدها القادرة على تحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى مصدر للإثراء، وعلى جعل التنوع الإنساني فرصة للتكامل لا ذريعة للانقسام.
ولعل المأساة الحقيقية لا تكمن في وجود التطرف، فهو رافق البشرية في مختلف عصورها، وإنما تكمن في أن يفقد الإنسان قدرته على الحوار، وأن يتحول الاختلاف، الذي كان سر ثراء الحضارات، إلى سبب لتآكلها. ففي عالم يزداد ترابطًا يومًا بعد يوم، قد لا يكون أخطر ما يهدد الإنسانية هو اختلاف البشر، بل عجزهم عن التعايش مع هذا الاختلاف.
