السياسة عند فولتير بين أول الفنون وآخر المهن
السياسة عند فولتير بين أول الفنون وآخر المهن، مقاربة تنويرية شاملة
مقدمة:
"أحبّ الحقيقة، لكن اغفر الخطأ."
ليس فولتير مجرد فيلسوف سياسي بين آخرين في القرن الثامن عشر، بل هو «المهندس السياسي» الأبرز لمشروع الأنوار بأكمله. بالمعنى الفرنسي. إذا كان مونتسكيو يضع التشخيص الدستوري، وروسو يرسم العقد الاجتماعي المثالي، فإن فولتير هو الذي يحاول تطبيق العقل على السلطة الفعلية، في الواقع التاريخي الملموس، لا في المدينة الفاضلة. من هنا تأتي أهمية القولة الشهيرة المنسوبة إليه: «السياسة هي أول الفنون وآخر المهن». هذه العبارة ليست مجرد نكتة ساخرة، بل هي مفتاح كامل لفهم نظرية فولتير السياسية، وهي تكشي – بطريقة بارادوكسية – على حبلين متوترين:
رفع السياسة إلى مرتبة الفن الأسمى.
تحقيرها إلى أحقر المهن عندما تُمارس من طرف غير الأكفّاء.
فكيف وضع فولتير السياسة في قلب مشروع الأنوار؟
أولا. السياسة كـ«أول الفنون»: نظرية الحاكم-الفنان
أ. جذور أرسطية – ماكيافيللية – كلاسيكية
فولتير يعيد مفهوم «الفن الملكي» الذي يعود إلى أرسطو، لكنه يُلبسه ثوباً تنويرياً جديداً. في رسائله إلى فريدريك الثاني (1740–1766) وإلى كاترين الثانية (1763–1776) يصف الحاكم المستنير بأنه «نحات شعوب» و«مهندس السعادة العامة».
السياسة فنّ لأنها:
فن الإمكان لا فن المستحيل (ضد روسو الذي يبحث عن الكمال المطلق).
فن تحويل المادة البشرية الخام (الأهواء، المصالح، التعصب) إلى نظام اجتماعي منسجم.
فن التوازنات الدقيقة بين الحرية والنظام، بين القوة والعدالة.
ب. نماذج الحاكم-الفنان عند فولتير
هنري الرابع: الملك الذي «أراد أن تكون هناك دجاجة في قدر كل فلاح» → فن الرفاه الشعبي.
بطرس الأكبر: الذي قطع لحية البويار وفتح نافذة على أوروبا → فن التحديث القسري.
فريدريك الثاني: الملك الفيلسوف الذي يكتب الشعر صباحاً ويُصلح القوانين مساءً.
كاترين الثانية: التي تُراسل فولتير وتطلب منه صياغة قانون مدني مستنير.
هؤلاء هم «الفنانون العظماء» في نظر فولتير، لأنهم استطاعوا أن يصنعوا من الفوضى البشرية لوحة جميلة ومتماسكة
.ثانيا. السياسة كـ«آخر المهن»: نقد السياسي المحترف
أ. السياسيون «الصغار» في فرنسا ما قبل الثورة
فولتير يكره ثلاث فئات بشدة:
نبلاء البلاط الذين يعيشون على المعاشات الملكية دون عمل.
البرلمانيون (مجالس العدل العليا) الذين يحتكرون السلطة السياسية باسم «الحقوق التاريخية».
رجال الدين المتعصبون الذين يتدخلون في الشأن العام («سحقوا الحقير!»).
هؤلاء جميعاً يجسدون «آخر المهن»: نشاط يُمارَس من أجل الربح الشخصي، الشهرة، الانتقام، أو السلطة الوهمية، لا من أجل الخير العام
.ب. نقد مبكر للديمقراطية الحزبية
قبل ماكس فيبر بقرنين ونصف، يصف فولتير السياسي المحترف بأنه «إنسان يبيع خطاباته ليحصل على مناصب، ثم يبيع المناصب ليحصل على المال». في «القاموس الفلسفي» (مقال «الدولة») يقول:
«إن أسوأ حكومة هي تلك التي تحكمها مهنة سياسية وراثية أو انتخابية، لأنها تجمع بين عيوب الوراثة وعيوب الانتخاب»
ثالثا. التوفيق التنويري: الاستبداد المستنير كحل وسط
يرى فولتير أن الحكمة فضيلة تتجسد في فن العيش، والفطنة، والقدرة على مواجهة مصاعب الحياة. وتوضح أقوال مثل "الحكمة تصد العواصف" و"علينا أن نزرع حديقتنا" ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة والتحكم في مصيرنا بدلًا من الاستسلام للصدفة أو اليأس. كما يؤكد فولتير على أن الحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفلسفة والتسامح وحرية الفكر.
فولتير ليس ديمقراطياً، وليس جمهورياً، وليس ملكياً مطلقاً تقليدياً. موقفه الشهير:
«أفضل أن أُحكَم من ملك واحد عادل محاط بفلاسفة، من أن أُحكَم من 500 ملك جاهل متعصب».
الاستبداد المستنير هو في نظره الحل الوحيد العملي في عصره لأنه:
يضع السياسة في يد «فنان» واحد قادر.
يمنع تسلل «الحرفيين» والوصوليين.
يتيح إصلاحات سريعة دون عوائق البرلمانات والتقاليد.
لكن هذا الحل مشروط بشرطين:
أن يكون الحاكم فعلاً «مستنيراً» (يؤمن بالعقل، التسامح، العدالة).
أن يحيط نفسه بفلاسفة مستقلين لا بمتملقين.
رابعا. مفارقات فولتير السياسية
يمدح فريدريك الثاني طوال عشرين سنة، ثم ينقلب عليه عندما يكتشف استبداده (1753).
يدعو كاترين الثانية إلى تحرير الأقنان، فتفعل عكس ذلك تماماً، وتستمر في مراسلته!
يكره البرلمانات الفرنسية، لكنه يدافع عن حرية التعبير أمام الملك المطلق.
هذه المفارقات ليست تناقضاً، بل دليل على براغماتية تنويرية: السياسة فنّ الإمكان، لا فن الكمال
خامسا. راهنية فولتير في القرن الحادي والعشرين
"الحكمة هي فن العيش."
الفلسفة عند فولتير هي سبيلٌ إلى الحكمة:
"الفلسفة فنُّ تعقيد الحياة بمحاولة إقناع النفس ببساطتها."
"قليلٌ من الفلسفة يُبعدنا عن الدين، وكثيرٌ منها يُعيدنا إليه."
"معظم الناس كحجر المغناطيس: لهم جانبٌ ينفّرهم وآخر يجذبهم."
في زمن:
صعود السياسيين «المحترفين» الذين لم يعرفوا في حياتهم مهنة أخرى.
تراجع فكرة «الدولة» لصالح «السوق السياسية».
عودة الشعبوية واليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا.
تبدو رؤية فولتير صادمة وملهمة في آن:
صادمة لأنها ترفض الديمقراطية الجماهيرية كحل سحري.
ملهمة لأنها تذكّرنا أن السياسة يمكن أن تكون فنّاً نبيلاً إذا مارسها أناس يملكون رؤية، شجاعة أخلاقية، وكفاءة.
خاتمة:
يبدو أن السياسة تظل في تحدٍّ أبدي بين الفن والمهنة – فولتير لا يقدّم لنا نظرية سياسية منهجية كمونتسكيو أو روسو. يقدّم لنا موقفاً وجودياً: ان السياسة يمكن أن تكون أعظم خدمة للإنسانية أو أكبر كارثة، حسب من يمسك بمقودها.
الفلسفة عند فولتير هي فن العيش والتمييز:
"الحكمة تصد العواصف."
"علينا أن نزرع حديقتنا."
"لطالما فضّلتُ جنون الأهواء على حكمة اللامبالاة."
كما يعد فولتير فيلسوف التسامح وحرية الفكر:
"الفضيلة تُذلّ بتبرير نفسها."
"تُعتبر كل عقيدة سخيفة وضارة، وكل إكراه على العقيدة بغيض؛ فرض الإيمان عبث."
القولة «أول الفنون وآخر المهن» ليست مجرد سخرية لاذعة، بل دعوة تنويرية مستمرة لكي نطالب السياسة بأن تكون فنّاً، لا مجرد مهنة. وفي زمن يغلب فيه «المحترفون» و«الوصوليون» و«المؤثرون»، تبقى كلمات فولتير صرخة في وجه التفاهة السياسية: «إذا أردتم أن تُحكم، فأعطوني فناناً… لا تاجر كلام». فأين لنا بفولتير جديد يجرم فساد هذا العصر الهلامي ويوقظ الإنسان من سباته الوجودي وينتشله من براثن الأبواق الغوغائية؟
